المبادرة الفلسطينية القديمة الجديدة لإقامة دولة

حجم الخط
0

في حال حصلت المبادرة القلسطينية التي يقودها عباس على دفعة قوية، فان اسرائيل ستقف امام واقع سياسي غير بسيط، سواء أمام الفلسطينيين او أمام الرأي العام العالمي، ومن شأن مبادرة اسرائيلية ان توازن الصورة للجولات السياسية القادمة اذا سعت لانهاء الصراع العربي الاسرائيلي بنظرة مسؤولة وبعيدة المدى مع مراعاة المصالح الوطنية الاستراتيجية لاسرائيل.
خلال عقدين من المفاوضات مع اسرائيل. شددت القيادة الفلسطينية على طرح مطالب وشروط. لكنها امتنعت عن طرح مبادرة خاصة بها لحل الصراع، في اجتماع وزراء الخارجية العرب الذي سيتم يوم الاحد في القاهرة ينوي محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية، تفصيل مبادرته لاقامة دولة فلسطينية مستقلة. بمناسبة انتهاء عملية «الجرف الصامد» زار عباس الدوحة وعرض المبادرة على خالد مشعل، وحسب مصادر فلسطينية فان مشعل وقع عليها، وقيل ايضا ان وفدا فلسطينيا برئاسة صائب عريقات سيذهب لواشنطن لمناقشة المبادرة مع وزير الخارجية الامريكي.
يشار الى ان عباس لم يتطرق في مبادرته لخطة السلام العربية، او لتوجه اقليمي لحل الصراع الفلسطيني – الاسرائيلي، الخطة مكونة من ثلاث بدائل متدرجة:
الاول: مفاوضات لفترة محددة بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية برعاية الولايات المتحدة وفي بداية هذه المفاوضات تقدم اسرائيل حدودها الدائمة من وجهة نظرها، الهدف: تحديد حدود الدولة الفلسطينية واعتراف اسرائيل بهذه الدولة. وكل ذلك خلال اربعة اشهر. بهذا الخط لا يوجد جديد.
الثاني: هذا يطبق في حال فشلت المفاوضات او لم تتم اصلا.بسبب رفض المسار من قبل الولايات المتحدة او اسرائيل، وفي هذه الحالة ستتوجه السلطة الفلسطينية عن طريق الجامعة العربية الى مجلس الامن التابع للامم المتحدة، بطلب انسحاب اسرائيل من الاراضي الفلسطينية خلال 3-5 سنوات.
في حال فشل البديلين ستنضم السلطة الفلسطينية الى جميع المؤسسات والمنظمات الدولية، وتوقع على ميثاق روما الذي تعمل محكمة الجنايات الدولية على اساسه. وهناك تقدم دعوى ضد اسرائيل وزعمائها.
ان المبادرة القديمة الجديدة لعباس، تنشر على خلفية واقع مركب، حيث تعتبر السلطة الرابح الاكبر من اتفاق وقف اطلاق النار الذي اعدته مصر، حسب وثيقة من 11 بند بتاريخ 15-8-14 ، التنسيق بادخال البضائع لقطاع غزة مع السلطة. وستشترك باعادة اعمار غزة وتنسق لجانب اسرائيل مع المنظمات الانسانية الدولية من اجل ذلك. وابتداء من كانون ثاني 2015 من المفترض ان تنتشر قوات الامن الفلسطينية شمال القطاع وشرقه، وفي النهاية بحسب الوثيقة المصرية، امكانية اقامة مطار وميناء ستناقش في اطار اتفاقيات اوسلو واتفاقيات سابقة، والتي وقعت كلها بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
عمليا، لم يذكر اسم حماس باتفاق وقف اطلاق النار، هذا يعني ان اسرائيل ومصر يرون ان السلطة الفلسطينية هي المسؤولة عما يحدث في القطاع. هذا لا يلغي حقيقة انه على ارض الواقع حماس هي المسيطرة وشعبيتها بازدياد، ومن المشكون فيه ان تستطيع السلطة الفلسطينية الايفاء بالتحدي الامني والسيطرة التي فرضها اتفاق وقف اطلاق النار. ولكن رسميا الاتفاق يضعف حماس التي يعترف مسؤولها مشعل ولو بشكل ضمني بالمحادثات مع اسرائيل كوسيلة لاقامة دولة فلسطينية.
بالمقابل لا زال الشارع الفلسطيني يفكر بطريقة اخرى، الاستطلاعات التي اجريت في قطاع غزة اواسط اب تظهر ان الشارع يؤيد استمرار القاء القذائف، لانه يرى في ذلك اضعاف للردع الاسرائيلي، ومطلب حماسبعدم اخذ سلاح المنظمات يلاقي ترحيبا من قبل السكان في الضفة الغربية. استطلاع واسع نشره المركز العربي للبحث والعلوم السياسية في الدوحة اظهر ان 84٪ من الذين سئلوا في الضفة وغزة رفضوا فكرة اخذ السلاح الفلسطيني، كما اظهر الاستطلاع ايضا ان 80٪ من الجمهور الفلسطيني يعارض استمرار التنسيق الامني مع اسرائيل. توجه اخر سجلته الاستطلاعات منذ نيسان وحزيران 2014 هو تاييد 70٪-80٪ من الشارع الفلسطيني في الضفة والقطاع بالانضمام للمؤسسات الدولية.
على خلفية هذه المعطيات فإن عباس يستمر بتلقي الانتقادات بسبب التنسيق الأمني حتى وإن كان الثمن ضرب المصالحة الوطنية الداخلية حيث تحدث عباس علناً عن خطف الشبان الثلاثة وقتلهم. الظاهر أن عباس يناور من خلال مبادرته ثلاثية الأبعاد بسبب الوضع المعقد الذي هو موجود فيه. التوجه لإسرائيل من أجل المفاوضات هدفه لوي ذراع حماس، لاحتواء توترات فلسطينية داخلية والتأثير على الوسيط الأمريكي، أما الانضمام للمؤسسات الدولية والتهديد بمقاضاة اسرائيل، فإن ذلك ينبع من غياب الشرعية داخل البيت الفلسطيني للحوار مع اسرائيل. هذه المناورة السياسية التكتيكية تمكن عباس من خلق وضع مريح له تجاه اسرائيل: إن حدثت المفاوضات، فإن الإطار الزمني سيفرض سرعة وجوهر هذه المفاوضات، لم ينجح؟؟ سيتقدم عباس بشكل أحادي الجانب في الساحة الدولية.
البدائل الثلاثة المذكورة أعلاه تعطي الفلسطينيين مجموعة طرق لتحقيق دولة فلسطينيةفي إطار جامد من ناحية الجدول الزمني ويبقى الوقت ليونة من ناحية رافعات الضغط الذاتية. الأمر الذي سيلاقي تأييد الكثير من الأطراف في الساحة الدولية.
يعالج عباس أيضاً التوتر الداخلي في الساحة الفلسطينية والمعارضة الشديدة له، كونه يدخل حماس من البوابة الخلفية للعملية السياسية. خط عباس- مشعل- رغم الخلافات والجدالات الشديدة والعلنية بينهم، هذا الخط يحول حماس لشريك محتمل مستقبلاً في المفاوضات مع اسرائيل.
إن التقدم الفلسطيني للبديل الثاني والثالث في خطة عباس من شأنه عمل تأثيرات أخرى، توقفنا أمامها بهذه الصفحات قبل حوالي سنتين، عشية توجه عباس في تشرين الثاني 2012 لهيئة الأمم المتحدة. صحيح أن الولايات المتحدة من المتوقع أن تستخدم حق النقد الفيتو على القرار، لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، هذا القرار الذي يطلب من اسرائيل الانسحاب من الضفة الغربية بدون اتفاق. ولكن بتحليل نظري لا يجب إلغاء سيناريو كهذا، والذي فيه، بظروف معينة، تنجح السلطة حسب خطتها، في خلق جبهة سياسية دبلوماسية في مجلس الأمن ضد اسرائيل، وكذلك جبهة قضائية دولية.
التقدم الفلسطيني أحادي الجانب وفي غياب إطار اتفاقي من شأنه إلغاء الاتفاق المرحلي (أوسلو ب) الذي وقع عام 1995، وساري المفعول حتى اليوم، وهذا من شأنه تمكين إقامة جيش فلسطيني سيادي. وإعلان أحادي الجانب أن القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية، وبالتالي تغيير مكانة المستوطنات اليهودية في يهودا والسامرة بما في ذلك الأجسام الاستيطانية الكبيرة التي كان من المفترض أن تكون جزء من الحدود الاسرائيلية في حال تم اتفاق وكتبادل أراضي، وبالمقابل سيكون أيضاً رد اسرائيل أحادي الجانب.
في حال لاقت مبادرة عباس دفعة قوية، ستقف اسرائيل في الأشهر القادمة موقف لا تحسد عليه من الناحية السياسية، سواء أمام الفلسطينيين أو أمام الجالية الدولية. الظاهر أن مبادرة اسرائيلية قادرة على السعي لإنهاء الصراع الإسرائيلي العربي من منطلقات مسؤولة وبعيدة المدى للمصالح القومية الحيوية لإسرائيل، ستتمكن من إحداث توازن على طريق الجولات السياسية القادمة.

نظره عليا 14/9/2014

جلعاد شير وليران اوفك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية