بغداد-“القدس العربي”: يتصدى الإعلاميون ونشطاء الرأي في العراق هذه الأيام، بشجاعة يحسدون عليها، لحملة شعواء من الانتقادات التي وصلت إلى حد التهديد بالقتل والتصفية من قبل أحزاب وميليشيات، بحجة الدفاع عن المرجعية الشيعية، بالتزامن مع (ذكرى مقتل الإمام الحسين) في شهر محرم الجاري، الذي يعد المناسبة الأبرز للتنافس وإبراز التشدد الطائفي لدى الأحزاب والميليشيات الشيعية.
ففي ظاهرة متكررة تنسف ادعاءات الديمقراطية وحرية الرأي في العراق، طغت على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، حملة انتقادات وتهديدات ضد إعلاميين عراقيين وقناة “الحرة” الأمريكية، على خلفية نشر القناة تحقيقا عن الفساد المالي في المؤسسات الدينية العراقية. وكانت القناة أعلنت أنها قدمت “تحقيقا استقصائيا منصفا ومهنيا ومتوازنا حول شبهات فساد في بعض المؤسسات في العراق” مؤكدة أن المسؤولين في الوقفين (الشيعي والسني) رفضوا المشاركة في البرنامج لإبداء وجهات نظرهم.
وقد تبدو متوقعة ردود أفعال الشخصيات والهيئات الشيعية والعناصر المقربة منها، على برنامج قناة “الحرة” كونه مس الخطوط الحمر المتعلقة بالشؤون المالية للمرجعية الدينية عندما عرضت شبهات فساد بعض المسؤولين في المرجعيتين (الشيعية والسنية) والتورط في الفساد المالي المتفشي في كل جوانب المشهد العراقي منذ 2003 والذي يعترف به الجميع، إلا أن مستوى الرد على البرنامج كان فوق المعتاد، ولأسباب اقتضتها ظروف البلد والمنطقة الآن، حيث وصلت الانتقادات إلى مستوى نشر قوائم بأسماء صحافيين تعتبرهم القوى الشيعية مناهضين للعملية السياسية وعملاء للخارج، وهو تطور خطير يذكر العراقيين بالقوائم التي نشرتها وسائل إعلام الأحزاب التي دخلت العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 لأشخاص محسوبين على النظام السابق، كان مصيرهم التصفية الجسدية أو الفرار إلى خارج البلد.
وقد جاء الرد على الاتهامات للمرجعية، شاملا وعنيفا، بدأ بإغلاق هيئة الإعلام والاتصالات بث القناة في العراق ومطالبتها بالاعتذار رسميا ودعوة هيئة النزاهة للتحقيق ومقاضاة القناة، وزيارة نائب رئيس الحشد أبو مهدي المهندس إلى نقابة الصحافيين في رسالة تحمل الكثير من المعاني، بينما تدفقت بيانات الإدانة والاستنكار من أغلب الأحزاب والنواب الشيعة بل وامتد ذلك إلى رئيس البرلمان محمد الحلبوسي الذي ركب الموجة، إلا أن مواقف الميليشيات وممثليها كانت الأشد حيث وجهت تهديدات لكل من يجرؤ على المس بشؤون المرجعية.
وردت العتبة الحسينية على الاتهامات باستغلال الميزانية الهائلة للوقف الشيعي، بانها تستثمر أموالا طائلة في مشاريع وخدمات للمراقد المقدسة ومساعدة المحتاجين، كما أنها أشارت إلى وجود جهات تشرف على الأموال ومجالات صرفها، إلا أن العراقيين يعلمون أن مسألة الشفافية في شؤون المرجعية الدينية يصعب تحقيقها في ظل القدسية المفروضة حول السلطة الدينية المدعومة من الأحزاب والميليشيات.
وفي خضم هذه المعمعة، ورغم خطورة التهديدات، يمكن تلمس العديد من المواقف الشجاعة الرافضة لحملة استهداف الإعلاميين. فقد حمّل مرصد “الحريات الصحافية” هيئة الإعلام والاتصالات “مسؤولية سلامة وأمن العاملين في قناة الحرة” محذرا من أن بيانها المتسرع، من شأنه إثارة العواطف ضد العاملين في القناة ما قد يعرض حياتهم للخطر، مذكرا بان العراق شهد حالات مماثلة منذ 17 عاما.
وكانت هذه التهديدات سببا لقيام إعلاميين وصحافيين بتحميل الحكومة وبعض الميليشيات، مسؤولية حمايتهم من التهديدات، ومنهم الصحافي والإعلامي العراقي علي وجيه، الذي وجه رسالة إلى رئيس الوزراء وهيئة الحشد الشعبي، حول “تعرضه ومجموعة من الصحافيين والمدونين إلى تحريض بالقتل من قبل جهات تؤكد أنها قريبة من القوى المتنفذة في البلاد” مطالبا اياهم بموقف واضح ازاء ذلك. كما أبدت النائبة السابقة عن التحالف المدني الديمقراطي، شروق العبايجي، رفضها للضغوط السياسية على وسائل الإعلام، رافضة “التستر بالغطاء الديني” وداعية أصحاب التهديدات عدم التمادي لأن تصرفاتهم منافية للديمقراطية.
وحتى السيد مقتدى الصدر شارك بتغريدة على حسابه في موقع “تويتر” بمناسبة ذكرى مقتل الإمام الحسين (ع) مشيرا إلى أن هناك “شعائر أخرى تستلهمونها من الإمام الحسين منها، عدم الصبر على بلاء الظالمين، وتحكمهم بالأموال والأنفس وتركهم الخدمات وسرقتهم الأموال وما شاكل ذلك”.
كما حفلت القنوات العراقية ببرامج متعددة رفض المشاركون فيها أسلوب تقييد حرية الرأي وتجييش المشاعر الطائفية ضد الإعلام الحر، مؤكدين أن هذه الحملات تهدد حياة الإعلاميين، داعين الحكومة إلى التدخل للحد من انفلات الجماعات المسلحة وتهديداتها للإعلام ورجاله.
وإذا كان مبرر الحملة على الإعلام والإعلاميين هو الرد على تقرير “الحرة” فإن المراقبين لا يخفى عليهم، ان الغاية الحقيقية وراءها انها تأتي ضمن سلسلة من محاولات مزمنة لإسكات أي أصوات معارضة لهيمنة الإسلام السياسي في العراق، كما انها تندرج ضمن تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني على الساحة العراقية.
والمؤكد أن جميع محاولات إخافة الإعلاميين ونشطاء الرأي في العراق، لإسكاتهم وفرض القيود على آرائهم وانتقاداتهم للأزمات والمشاكل، وقبلها الإجراءات التي حاولت خنق تظاهرات الاحتجاجات على تردي الخدمات والفساد والبطالة وغيرها من الأزمات، كل هذه المحاولات والإجراءات ستفشل في تحقيق أهدافها، لسبب بسيط هو أن معاناة العراقيين قد تجذرت وآمالهم بالتغيير تلاشت، وبالتالي فلم يعد هناك شيء يخافون عليه. وقد ينفجر بركان الشعب في أي لحظة باعتراف الكثير من الأحزاب والسياسيين المشاركين في العملية السياسية وحتى من قبل المرجعية الدينية التي كررت انتقادها لأداء الحكومة والقوى السياسية وحذرت من تبعات عدم التحرك لمعالجة مشاكل الشعب.