فينيسيا ـ «القدس العربي»: ثمة أفلام تدمينا، أفلام تترك جرحا غائرا فينا من فرط تأثيرها علينا، أفلام تطاردنا في صحونا قبل نومنا، ونستطيع أن نؤرخ لحياتنا بمشاهدتنا لها، فمشاهدتها حدث جلل كطعنة نتلقاها في القلب. قليلة هي تلك الأفلام، ولا شك أن في صدارتها «الطائر المصبوغ» للتشيكي فاكلاف مارهول، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا في دورته السادسة والسبعين (28 أغسطس/آب إلى 7 سبتمبر/أيلول الجاري). «الطائر المصبوغ» يباغتنا ويبهرنا بتصويره البديع، ثم يكيل لنا الصفعة تلو الأخرى.
لا رحمة ولا شفقة ولا إنسانية في «الطائر المصبوغ»، الذي نشهد ونعيش فيه أهوال محرقة النازي والحرب العالمية الثانية بعيني بطله الصبي الصغير، الذي لا نعرف له اسما طوال الفيلم. نحن لا نشهد معسكرات النازي ولا ما يحدث في ساحة المعركة، ولكن ما يحدث في تلك القرى التي تبدو لنا وادعة حالمة، أشد وطأة وهولا مما يجري في معسكرات النازي.
يمتد الفيلم، المقتبس عن رواية للبولندي جيرزي كوزينسكي صدرت عام 1965، نحو ثلاث ساعات نشهد مدى الوحشية والقسوة والتنكيل والاعتداء والتجبر والطغيان، الذي يتعرض له صبي يهودي صغير (بيتر كوتلار) في رحلته المضنية في شرق أوروبا للعثور على والديه قرب نهاية الحرب العالمية الثانية. في رحلته تلك لا يجد الصبي رحمة ولا هوادة، تتقاذفه أيادي الغرباء فتزج به في كابوس لا ينتهي. تتبدل الأيادي والاشخاص والأهوال، ولكن يستمر الكابوس الذي يواجهه الصبي. صور مارهول الفيلم على مدار عدة أعوام، ويمكننا أن نلحظ مرور الزمن على الصبي الذي تستطيل قامته وينضج جسده النحيل مع مرور الزمن.

عنوان الفيلم مقتبس من أحد مشاهده، حين يسكب أحدهم طلاء على ريش طائر صغير ثم يطلقه ليحلق في السماء، فتتكالب عليه الطيور الأخرى في السرب وتفتك به لأن مظهره ليس كمظهرها. نشاهد مصرع الطائر المسكين بكل قسوته وتفاصيله، كما نشهد قسوة التنكيل بالصبي بكل تفاصيلها. حال الصبي بطل الفيلم هو حال الطائر المصبوغ ذاته، فهو يختلف دينا وشكلا عن محيطه، فيفتك به الجميع.
يؤكد الجمال البصري للفيلم ليؤكد مدى فداحة وبشاعة ما يجري لهذا الصبي على هذه الأرض التي تنساب غدرانها أو يسكنها الثلج ناصع البياض، فالأشياء بأضدادها، تبدو أكثر حدة وتأثيرا. يأتينا الفيلم مصورا باللونين الأبيض والأسود، ويسحرنا جمال صورته بقدر ما يطعننا قبح الفظائع التي يصورها في الصميم. فتاة في ريعان الشباب تفتن شباب قرية، فتنتهك النساء جسدها ويمثلن بجثتها، جنود يبيدون قرية عن بكرة أبيها ويمثلون بجثث رجالها، رجل غيور وحشي (أودو كير) يفقأ عيني رجل ويقدمهما طعاما لقط، هذه بعض الفظائع التي يصورها الفيلم. أما الصبي بطل الفيلم فيكون شاهدا على كل ذلك، وليت الأمر اقتصر على شهادته لكل هذا التوحش البشري، ولكنه يواجه كل أنواع التنكيل والسخرة والاعتداء والاغتصاب.
يأخذ «الطائر المصبوغ» على عاتقه تصوير الفظائع، تصوير توحش الناس، يدعونا إلى أن نواجه قبح البشر وأن نواجه ما قد يصدر عن أفراد ما قد نعتقده مجتمعا متحضرا.
الفيلم مكون من قصص منفصلة متصلة، يجمعها الألم النفسي والجسدي الذي يتعرض له الصبي، وكل فصل معنون باسم الشخص الذي تجبر الأيام الصبي على أن يعيش تحت سقف بيته. لا رحمة هنا ولا رفق بصبي صغير، فأكبر الرحمات التي تلقاها كانت من جندي ألماني (ستيلان سكارسغارد) أفسح له المجال ليفر وسط الحقول، أو من قس طيب (هارفي كايتل) اقتاده بدون دراية منه إلى رجل ظن فيه الطيبة. يبدو الفيلم كما لو أنه يود أن يخبرنا أنه في وقت يرتكب فيه القادة والجيوش الفظائع والمجازر، يتوحش الناس أيضا وتبرز على السطح تحولاتهم وتحيزاتهم التي يخفيها المجتمع المتحضر، كما تبرز شرورهم ودناءتهم الكامنة في وقت يرتكب فيه من يمتلك السلطة الجرائم الشنعاء.
وإذا كان هؤلاء البشر، إن صح لنا أن نسميهم بشرا، يقتلون ويمثلون بجثث من هم من قراهم ومن يشبهونهم ومن يماثلونهم في العمر، فما حال الغريب الصغير الذي لا يشبههم شكلا ولا قبل له بالتصدي لهم حجما. تنظر إليه امرأة، فتجده أسود العينين حالك الشعر، فتعتبره ساحرا ومصاصا للدماء، لمجرد اختلاف مظهره. ويسلمه بعض القرويين للجنود الألمان للحصول على رضاهم، فهو يهودي يود الألمان التخلص منه. ينتهي فصل من معاناة الصبي ليبدأ فصل جديد، ومع تكرار تعذيبه ومرور الأعوام تتكون لديه آليات للدفاع عن نفسه. بعد أن كان الصبي يستسلم لكل ما يجري له، أو يحاول بطريقته تصحيح ما يرى من جور، مثل إطلاق سراح عصافير حبيسة لتحلق حرة، تولدت بداخله هو الآخر على الثأر لنفسه.
يأخذ «الطائر المصبوغ» على عاتقه تصوير الفظائع، تصوير توحش الناس، يدعونا إلى أن نواجه قبح البشر وأن نواجه ما قد يصدر عن أفراد ما قد نعتقده مجتمعا متحضرا، ويدعونا أيضا أن نسائل أنفسنا عن دواخلنا: كيف ترانا سنتحول في حال تفسخ القوانين التي تنظم المجتمع.
وعلى الرغم من أن «الطائر المصبوغ» يزج بنا في قاع الجحــــــيم، وفي الــدرك الأسفل من رداءة النفس البشرية، إلا أن مارهول يمنحنا قدرا ضئيلا من الأمل ورحمة صغيرة متمثلة في عثور الصبي على ذويه.