المأزق التركي حيال الثورات العربية

حجم الخط
0

تعتبر تركيا النموذج الذي شجع الدول الغربية وأمريكا على التفكير بإمكانية التعامل السياسي مع أي نظام إسلامي آخر، بما أظهره حزب التنمية والعدالة من مرونة في التعامل والاندماج في المجتمع الدولي، حالها حال أي دولة متحضرة أخرى، الشيء الذي عمل على محو الفكرة التي كانت راسخة عند الغرب باستحالة التعامل السياسي الهادئ مع أي نظام إسلامي في الدول العربية او غيرها، مما دفع أمريكا وأوروبا إلى التخلي بسهولة عن عملائها في المنطقة، بعدما لاحظت قوة وجدية التظاهرات التي تجتاح الدول العربية.

المفارقة هنا أن هناك تباينا بين الموقفين الأمريكي والتركي تجاه هذه الثورات، فالموقف التركي أكثر تحفظا وحيطة من الموقف الأمريكي، مما يدل على أن تركيا تنظر لهذه الثورات من وجهة نظر تركية لها خصوصيات سياسية واقتصادية وأمنية معينة.

موقف تركيا تجاه الثورات العربية الحالية ليس نابعا من رؤية آنية لها، بل تشمل قراءة مستقبلية لهذه الثورات بما تستشفه تركيا من النتائج البعيدة المدى لهذه الثورات، باعتبار أن تركيا تفهم مزاج شعوب المنطقة أكثر من الدول الغربية، ومن جهة ثانية لا تريد أن تقف بشكل واضح ضد هذه الثورات عملا بمبدأ الحفاظ على شعرة معاوية بينها وبين شعوب المنطقة، باعتبارها أبقى من حكوماتها، فنراها تسارع بتشجيع رؤساء الشعوب الثائرة لطرح مشاريع الإصلاح لدرء خطر نجاح هذه الثورات، وفي نفس الوقت تعمل على تقديم بعض الخدمات الإنسانية تجاه هذه الثورات لمحو الموقف السياسي لها والذي قد يتعلق بذاكرة الشعوب الثائرة هذه تجاه تركيا. من المعلوم أن حزب التنمية والعدالة له توجهات صوفية ممزوجة بأفكار اخوانية تختلف كثيرا عن التوجهات الإسلامية في الدول العربية التي حتى وان استوعبتها الحركات الاخوانية لفترة ما بعد الثورات هذه، فانه في المستقبل البعيد سوف تغطي التوجهات السلفية المشهد في هذه الدول. وما نشهده من محاولات هذا التيار الإسلامي في هذه الدول لتكوين أحزاب سياسية لها وتحركاتها النشيطة كما في مصر، وما حدث في الزرقاء في الأردن وما يحصل في ليبيا دليل على أن السلفيين لن يقفوا ساكتين أمام تغيرات المشهد السياسي في المنطقة، خصوصا أن للتيار السلفي هذا تنظيمات أشبه بتنظيمات حزبية في دول عربية معينة محافظة على أنظمتها السياسية، ومن المؤكد أنها سوف تمدها بالقوة اللازمة حتى وان كان من ناحية معنوية، مما سينتج عنها إبراز هذه الاتجاهات بمرور الوقت، وبالطبع فان تركيا في هذه الحالة لن تبقى في صدارة التمثيل الإسلامي لدول المنطقة وأيضا لن يبقيها بعيدة عن التهديد السلفي الذي لا يتفق مع توجهات التنمية والعدالة دينيا وعقائديا.

من ناحية أخرى فان إطالة حالة اللااستقرار في البلدان العربية سوف تؤثر على الاقتصاد التركي الذي لم يمر على تعافيه فترة طويلة، باعتبار أن المنطقة العربية هي التي تستحوذ على الجزء الأكبر من حجم الصادرات التركية وان أي عدم استقرار في هذه المنطقة سوف يؤثر سلبا على هذه الصادرات وعلى الاقتصاد التركي. ان تحرك الشارع السوري ضد حكومة بشار الأسد يشكل عند تركيا الهاجس الأكبر حاليا، حيث أن أي خلخلة في الوضع السياسي في سورية يمكن أن تدفع بكرد سورية لإعلاء سقف تطلعاتهم، وتتبع خطوات كردستان العراق بشكل أو بآخر، مما سيساعد على تقوية التطلعات الكردية في كردستان تركيا، الأمر الذي سيدفع تركيا الى القيام بتنازلات أكثر للجانب الكردي، قد يؤدي إلى نشوء كيان كردستاني آخر، وهذا الأمر يمثل آخر ما تتمناه تركيا.

نشوء حكومات إسلامية سنية سواء كانت معتدلة أو سلفية سيساعد على إذكاء الفكر الطائفي في المنطقة بين الدول العربية (السنية) من جهة وإيران (الشيعية)، وهذا الأمر سوف يدعو تركيا إلى مستوجبات جديدة هي في غنى عنها، باعتبارها تمثل دولة سنية في المنطقة ولن يكون من السهل وقوفها على الحياد في هذا الموضوع. ومن جهة أخرى فان أي تضعيف لإيران (الشيعية) في ظرف كهذا سوف يؤدي أيضا إلى ظهور المكون الكردي في كردستان إيران أيضا (أيا كان شكل هذا الكيان) مما يؤثر سلبا على الوضع التركي الداخلي بالنسبة لكردستان تركيا.

لكل ما سبق يبدو أن احدى الجهات الأكثر تضررا من الثورات العربية الجديدة في المنطقة هي تركيا ولندع المستقبل يكشف لنا كيف ستكون نتائج هذه الثورات على المنطقة وعلى تركيا اردوغان.

انس محمود الشيخ مظهر[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية