الكشف عن هاتف الآيفون في امريكا وخطة أوباما هما من وجهة نظري مسألة واحدة، فهناك منتج ومستهلك، وفي خطة أوباما يبدو العرب هم الجانب المستهلك، والأمريكان هم المنتج للأدوات الحربية التي سيتم استهلاكها ويدفع ثمنها العرب، في حرب تبدو امتداداتها الاقليمية على دول الجوار محدودة، لأنها محصورة في جغرافيا كانت مستثناة عبر التاريخ ولا تزال من اي دور سياسي محوري، لذلك فضرورات هذه الحرب عربية، لأن العرب معنيون بالتوحد دفاعاً عن حدود سايكس بيكو، ونتائج هذه الحرب تخص العرب أكثر من غيرهم وأما بقية الدول الاقليمية فهي متفرجة في بعضها، والبعض الاخر يبيع السلاح كغيره في سوق السلاح والنفط القادم.
خلال هذا التحالف سيغيب مسمى الجيوش الوطنية وستتحول الجيوش العربية الى كومبارس تقاتل بإمرة خبير اجنبي على شاكلة لورانس العرب، أو كلوب باشا. فأمريكا ليس لديها استراتيجية – مواجهة وإنهاء ظاهرة تنظيم الدولة الاسلامية وإذا كانوا على علم بقدرات تنظيم الدولة قبل انطلاقته الاخيرة أو لا يعلمون، فهم بالنتيجة دولة عظمى، والدول العظمى لا تفاجأ بالتبدلات السياسية كدول العالم الثالث، خصوصاً أن الحرب تجري بمكان بعيد عنها، فما لدى الامريكان عملياً مجرد مشروع ادارة قوى المنطقة العسكرية، بحيث يستمر القتال وتستمر المعركة بأرض عربية، وهو ما يعني – توطين الصراع – داخل البيئة العربية بعناوين سياسية ومنظر ديني برّاق.
على الارض ليس هناك تحالف حقيقي يمكن أن تتجسد منه ارادة عسكرية واحدة، فالحرب على الارض تعني تأسيس بنية تحتية كبيرة من طرق امداد وبنية كاملة من اجل القتال البري في صحراء لم يدخلها بشر، وآخر الجيوش التي عبرتها ومرت منها كانت في التاريخ القديم، وأما مدن الموصل والرقة فخسارتها لا تعني شيئا لتنظيم الدولة، فالتنظيم لديه استراتيجية امتصاص للجيوش وقادر على أداء فعل مــــيداني مميز، باعتباره صاحب البيئة، وعلى نقيضه جيوش العرب القادمة، هي لم تحارب في سنوات الخير، فكيف ستحارب في الرمال التي تفادتها الامم السابقة خشية ابتلاعها.
أشك تماماً أن يكون تنظيم الدولة الاسلامية تجمعاً بشرياً فوضوياً، يسهل قتاله بجيوش عربية هي لم تقاتل أصلا، وهي لم تكن يوماً سوى اساس الفوضى المنتشرة في بلادنا. فهل مواجهة التنظيم في صحراء مفتوحة هي قصة واقعية، خصوصاً أنه يسيطر على الصحراء وأطراف الصحراء. بالتالي تنظيم الدولة يحاول إعادة قصة ملك بابل (نابونيد) الذي ترك بابل واستوطن الصحراء في- تيماء- في عصر ما قبل التاريخ، لكي يتمكن من حماية دولته، لذلك نحن نتخيل أن المواجهة التي تعلنها أمريكا هي كلها إعلامية، وأن الامريكان معنيون بإدارة الملف من بعيد، وكل ما يريدونه أن يدخل العرب في مطحنة لا خلاص منها، فالبنية التحتية للحرب تعني سنوات طويلة من بناء الطرق للجيوش التي ستتمكن من خوض المعركة، وهذا يعني أن الجيوش العربية التي ستشتبك مع تنظيم الدولة هي بين خيارين احلاهما مر، فاذا انسحب التنظيم فهي لن تتمكن من تتبعه في الصحراء لإنهاء ظاهرته، وان بقيت مكانها فهي ستحرس اطراف الصحراء بدون فعل مجد. فحروب الصحراء وفـــق المنطق العسكري هي مسألة من اختيار طرفي النزاع معاً. لا يملك طرف أن يفرضها على الاخر، فليست هناك معالم محددة يمكن تدميرها ولا بنى تحتية ولا غير ذلك، هي عملياً مواجهة ميدانية بشرية على الارض، يصبح فيها دور الضربات الجوية موضوعاً ملحاً في كل دقيقة، وهذا يعني أن الطرف الراغب بالقتال هو الذي سيبحث عن اسطول جوي يقاتل به، وقد يفقد هذا الاسطول قيمته اذا فكر الطرف الاخر بعدم المواجهة واختيار منطق الاختفاء في الحرب، وهو تماماً المنطق الذي يجعل هذا التنظيم ينسحب من مناطق معينة، ويأخذ غيرها أو يعود اليها وهكذا.
ليس هناك تحالف دولي حقيقي للحرب على تنظيم الدولة للسنوات القادمة، إنما هو سوق استثماري كبير لمعدات الحرب، كما هو هاتف الايفون الذي يجتاح الاسواق ويجلب الاموال، فالحرب أيضا مجرد ادارة صراع سيعود بكم هائل من الاموال على امريكا ولسنوات طويلة بسبب نشاط الفعل الحربي، وهذه الحرب بكل تبعاتها لا تضر امريكا وحليفها الاول اسرائيل، لأنها بحقيقتها على الارض مجرد حرب الدفاع عن سايكس بيكو الذي اوجد اسرائيل من قبل.
بكل تأكيد أن منح الكرامة للشعوب العربية هو مفتاح حقن الدماء وانهاء كل مظاهر الحروب والاختلاف، ولكن حتى هذه الكرامة لا تملك الانظمة ان تمنحها لشعوبها، لأنها تدرك أن كرامة الشعوب تزيل بؤس الانظمة.
٭ كاتب فلسطيني
أيمن خالد