لندن – القدس العربي”: ظل الاعتقاد السائد في عالم كرة القدم على مدار السنوات الـ13 الماضية، أن الرقم الذي حققه أسطورة الكرة الإيرانية علي دائي، بإنهاء مسيرته الدولية وهو على رأس قائمة هدافي منتخبات العالم برصيد 109 أهداف، سيبقى خالدا، أو على الأقل سيبقى صامدا لعقود طويلة، إلا أن هذا الاعتقاد بدأ يتبخر أمام عنفوان المدمر كريستيانو رونالدو ومتى؟ بعد تخطيه حاجز الـ31 عاما!
بنجامين كرة القدم
بلغة الأرقام، سنجد حيرة في إقناع الأجيال القادمة أن هذا الكريستيانو الفضائي، كان في سجله التهديفي في النصف الأول من مسيرته الدولية مع بلاده 55 هدفا في 123 مباراة وبعمر 31 عاما، ثم فجأة وعكس طبيعة البشر، تقمص دور الهوليودي براد بيت في فيلمه الشهير “بنجامين”، بتحول غريب في عمره عكس عقارب الساعة، أسفر حتى هذه اللحظة عن دك شباك خصوم البرتغال 38 مرة في آخر 37 مباراة بعمر 35 عاما في الوقت الراهن، آخرها سوبر هاتريك ليتوانيا في سهرة الثلاثاء الماضي في التصفيات المؤهلة لليورو، ليُصبح أول لاعب أوروبي على مر العصور يُسجل مع منتخبه 90 هدفا أو أكثر، بعدما كسر رقم أسطورة المجر بوشكاش العام الماضي بهدفه في المغرب في مونديال روسيا، حيث كان أيقونة ريال مدريد في الخمسينات أفضل هداف أوروبي على مستوى المنتخبات بـ84 هدفا.
المستحيل ليس رونالدو
حتى بعدما تخطى رقم بوشكاش في كأس العالم، ظن كثيرون أن فارق الـ24 هدفا مع دائي، أشبه بالجبل يصعب على صاروخ ماديرا تسلقه، لكن ما حدث وما زال يحدث على أرض الواقع، أثبت للعدو اللدود قبل المؤيد أن كلمة “مستحيل” غير موجودة في قاموس الأسطورة رونالدو، ويكفي أنه بعد كأس العالم، ابتعد عن أحفاد فاسكو دي غاما قرابة العام، بداعي الإصابة التي حرمته من مباريات في المتناول، كان بإمكانه الخروج منها بعدد لا بأس به من الأهداف، ولو أنه نسف مقولة “رونالدو عاشق شباك الصغار”، بعد هاتريك إسبانيا في كأس العالم، لكنه مع أول ظهور بعد الغيبة الطويلة، نجح وبامتياز في تعويض ما فاته من يونيو/حزيران حتى مارس/أذار، بإضافة سويسرا لقائمة ضحاياه في نصف نهائي دوري الأمم الأوروبية، بسابع هاتريك دولي، في 45 دقيقة، ليأتي موعد الانتصار على الطواحين الهولندية في النهائي، ثم إنهاء عقدته مع الشباك الصربية، بتسجيل هدفه الشخصي في شباكهم، ثم سوبر هاتريك ليتوانيا، لتنهار أمامه عشرات الأرقام القياسية غير الاعتيادية، منها على سبيل المثال، أصبحت ليتوانيا البلد الأربعين التي لم تسلم من بطشه، كما اعتلى صدارة هدافي تصفيات اليورو تاريخيا بـ25 هدفا، غير أنه لديه ثلث الهاتريك المسجل باسم البرتغال 8 مرات كريستيانو من أصل 24، وهو البرتغالي الوحيد الذي سجل 4 أهداف في مباراة واحدة مرتين، والحدث الأهم والتحدي القادم بالنسبة له، تقليص جبل الأهداف مع دائي لـ16 هدفا فقط. والسؤال الذي يفرض نفسه، هل سيفعلها قبل أن يفجع عالم الساحرة المستديرة بقرار اعتزاله؟
الحظ البرتغالي
صحيح علي دائي كان محظوظا بما فيه الكفاية، بمواجهة منتخبات أقل من متواضعة جدا في عالم كرة القدم بدون ذكر أسماء، وهذا ساعده في كسر حاجز الـ100 هدف على المستوى الدولي، أيضا كريستيانو محظوظ بجنسيته كبرتغالي، وكما يعرف متابعو كرة القدم، البرتغال من الدول الكبرى في أوروبا، وفي السنوات الأخيرة باتت من أصحاب التصنيف الأول، وهذا في حد ذاته يجنبهم الصدام مع نظرائهم من الصف الأول كفرنسا وإنكلترا وألمانيا وإسبانيا في تصفيات اليورو وكأس العالم، كما الوضع في مجموعته الحالية في تصفيات أمم أوروبا 2020، بوجوده إلى جانب أوكرانيا وصربيا ولوكسمبورغ وليتوانيا، وبصرف النظر عن البداية غير الموفقة للبرتغال في مشوار التصفيات، فالواقع يقول إن الدون سجل 5 أهداف في مباراتين، والآن أمامه فرصة على طبق من ذهب لتقليص الفارق مع دائي، عندما يواجه لوكسمبورغ مرتين في عطلة الشهر المُقبل، وفي اللقاء الأخير للتصفيات في نوفمبر/تشرين الثاني، وقبلها بأيام سيستضيف ليتوانيا في الجولة قبل الأخيرة، وهذه المباريات من الطبيعي أن يغتنمها لتعزيز سجله التهديفي الدولي، وهذا لا يعني أن أوكرانيا في مأمن، قد تنضم لقائمة ضحاياه في عطلة أكتوبر، علاوة على ذلك، بنسبة تقترب من 100% ستقع البرتغال في مجموعة مماثلة في التصفيات المؤهلة لكأس العالم 2022، ما سيمنحه المزيد من الفرص ليس فقط لمعادلة رقم دائي، بل لتجاوز أهدافه، استنادا لما قاله في أكثر من مقابلة في الآونة الأخيرة، بأنه لم يتقاعد دوليا قبل المونديال المقبل.
الأفضل في التاريخ
من الأشياء التي تجعل رونالدو مرشحا لاعتلاء عرش هدافي منتخبات العالم، رغبته وجوعه لتحقيق ما لم يحققه بشر من قبل، بالنسبة للاعب مثله يملك 3 فنادق 5 نجوم، بالإضافة لاثنين جُدد في الطريق، أحدهما في المغرب والآخر في الولايات المتحدة، كان من السهل جدا عليه أخذ استراحة المحارب وهو بعمر 34 عاما، هو بنفسه قال في لقاء تلفزيوني: “أنا لم أعد بحاجة للمال”، وهذه حقيقة لأنه يلعب الآن من أجل أشياء أخرى، بالأحرى من أجل شيء واحد، أن يحسم لقب (GOAT) –الأفضل في التاريخ، الحائر بينه وبين غريمه التقليدي ليو ميسي، ولو أن من داخله يعتقد أنه تخطى الجميع عندما قال: “لا أعتقد أن هناك أي لاعب في التاريخ لديه إحصائية أفضل مني”، إلا على دائي حتى هذه اللحظة، لكن بمزيد من الإصرار والجهد المعروفين عنه، ستكون عملية تحطيم رقم الهداف الإيراني مجرد مسألة وقت، لأنه لم يفشل من قبل في تحقيق أي رقم أراد الوصول عليه، منذ الاستخفاف به عندما كان شابا يافعا في مانشستر يونايتد، وسُئل وهو بجانب ريو فيردناند من الأفضل في التاريخ، قال: “كريستيانو رونالدو”، رغم أنه آنذاك لم يكن حتى قدم أوراق اعتماده كنجم من الطراز العالمي، فما بالك عزيزي القارئ بالصورة المرعبة التي يبدو عليها في منتصف الثلاثينات؟
العقلية والبراعة
الطبيعي في عالم كرة القدم أو في حياة البشر عموما، أن يبدأ المنحنى في الانخفاض من بعد الثلاثين، وهذه الكأس تجرع منها جُل النجوم والأساطير، إما لصعوبة تحمل الإصابات أو لتراجع المخزون البدني، لكن لأنه بنجامين كرة القدم كما أشرنا أعلاه، فهو بحق لا يشبه أحد، اللهم لا حسد، يكفيك نظرة واحدة على قوامه الرياضي المثالي قبل شهرين من تجاوز ربيعه الـ35، وهذا بفضل غيرته على نفسه، بوضع نظام تدريبي وغذائي صارم، ليظهر بهذه الصورة التي يَحلم بها أي رياضي في العالم، والتي أيضا تجعله قادرا على العطاء في أعلى مستوى منافسة في كرة القدم لثلاث أو أربع سنوات قادمة، هذا في الوقت الذي تتضاعف فيه براعته ولمسته الأخيرة أمام المرمى، ربما لم يعد يرهق نفسه في عناء الأدوار الدفاعية أو الإفراط في المراوغة، لكن أمام المرمى أصبح وحشا كاسرا بالمعنى الحرفي للكلمة، ولك أن تتخيل عزيزي القارئ أنه منذ عام 2016 وحتى وقتنا الحالي، سجل مع منتخبه 32 هدفا من مشاركته في 30 مباراة، لذلك إذا حافظ على هذا المعدل المجنون، وهو المتوقع وربما أكثر، سنكون قريبا على موعد مع تحطيم رقم علي دائي الأسطوري.