استجاب ، الأحد الماضي، 50 شخصاً لدعوة التظاهر ضد إقامة البؤرة الاستيطانية الجديدة على أراضي بيت جالا، التي يجري بناؤها في هذه الأيام.. وثمة عدد من الأمتار من القسيمة التي صادقت فيها المحكمة العليا على هدم مطعم ومنزل لعائلة قيسية.
أحد المشاركين في المظاهرة قال إن عدد المتظاهرين القليل يدل على أن سكان القرية المسيحية يقدرون أن هذه حالة خاسرة، وليست لديهم القوة لمنع عملية الهدم المتوقعة للنبع الجميل في القرية الموجود في وادي المخرور، وهو المكان الذي يمكن تقريباً الاستجمام فيه والابتعاد عن التحضر الرهيب في منطقة بيت لحم.
العدد القليل للمتظاهرين يمكن ربطه بأن جهود السكان وشخصيات محافظة بيت لحم تتركز الآن في محاولة للخروج من أزمة اجتماعية صادمة، لا يتم التحدث عنها، والتي نشأت في أعقاب عملية الهدم. وهي تكشف الشك والعداء بين المسلمين والمسيحيين، بين السكان الأصليين واللاجئين وبين السكان والسلطة الفلسطينية. وهي تتضمن أحاديث عن “تجار الأراضي”، اعتذارات واعتذارات يتم نفيها، وملثمين، وغاز الفلفل، والإحراق المتعمد. وإذا كان عدد المشاركين المباشرين في المظاهرة قليلاً، فإن الأزمة تكشف مجموعة سكانية متعبة تجد صعوبة في مواجهة الخطر الأكبر: خطط البناء الإسرائيلية.
في حزيران الماضي، عندما صعد مستوطنون للمرة الأولى من أجل التسييج وتمهيد قطعة أرض فوق تلة خضراء، فوجئوا سكان بيت جالا باحتمال أن أحداً منهم باع لليهود سبع قسائم في المنطقة قبل خمسين سنة. البائع غادر البلاد منذ فترة. وعائلته – الوطنية حسب كل الآراء – مصدومة من هذا الاكتشاف أو الشك. مصدومة.. لأنه عندما يشتري يهودي أرضاً في قلب الضفة الغربية، ستتحول آجلاً أم عاجلاً إلى وكيل سيادي – فعلي لدولة إسرائيل، وإلى خشبة قفز لتوسيع دائرة سيطرة إسرائيل على الفضاء الفلسطيني الآخذ في التقلص.
في مرحلة ما، إن اليهودي الذي -كما يبدو- اشترى القسائم وباعها لـ”الكيرن كييمت”، وتم تسجيلها على أنها تعود لشركة “همنوتا”، وهي شركة فرعية لـ”الكيرن كييمت” وتدير الأراضي لصالحها. الكلمات المتحفظة “ربما” و”كما يبدو” مطلوبة؛ لأن شراء الأراضي في الضفة الغربية من قبل اليهود لم يكن في أي يوم عملاً بريئاً. وهناك كثير من التزوير. وإلى أن تتبين الأمور في المحاكم الإسرائيلية، فإن البؤرة الاستيطانية يمكن أن تتحول إلى حي يهودي مزدهر.
المارد الديني
لماذا الآن تحديداً يتذكر الصندوق القومي الادعاء بأن الأرض تعود له؟ متى بيعت الأرض له؟ هل كان الحديث من البداية يدور عن شخص وهمي تظاهر بأنه شخص عادي واشترى الأراضي؟ هذه أسئلة قد تظهر في المحكمة، وربما لا.
هناك من يقولون إن الاكتشاف الصادم أو الاشتباه بأن الأمر يتعلق ببيع أرض ليهودي، كان قبل ذلك، في عام 2017. عائلة رمزي قيسية التي تسيطر على القسيمة منذ عشرات السنين أدارت صراعاً عائلياً لعدة سنوات ضد أوأمر الهدم التي أصدرتها الإدارة المدنية بشأن المطعم والمنزل الذي بني. فجأة، دخلت “همنوتا” إلى الصورة وقالت إن الأرض تعود لها. الكلمات المتحفظة هنا “يمكن أن يكون” مطلوبة لأنه يصعب جداً الحصول على تفاصيل دقيقة وكاملة ممن يتعلق الأمر بهم. الغموض وعدم الوضوح هما جزء من المشكلة والأزمة. على كل الأحوال، قبل ثلاث سنوات لم يكن واضحاً حجم مطالبة “الكيرن كييمت” بالملكية في المخرور.
في 26 آب الماضي، هدمت الإدارة المدنية المطعم (للمرة الثالثة) والبيت الذي بنته عائلة قيسية لنفسها. والد العائلة، رمزي قيسية، بقلب متألم أمسك بصليب كبير من الخشب على رأسه صورة العذراء. في الوقت الذي كانت فيه الجرافات تهدم، وقال للعدسات في فيلم تم تصويره في المكان، بأن المسلمين واليهود لن ينجحوا في طردهم من المكان. في كلمة “مسلمين” يمكن الاستنتاج أن الأمر يتعلق بالسلطة الفلسطينية وكبار شخصيات فتح، خاصة مواليد مخيمات اللاجئين في المنطقة. المارد الديني خرج مرة أخرى من القمقم، حفنة من التوترات الطبقية طويلة المدى بين اللاجئين والسكان المحليين.
الفيلم القصير تحول إلى فيروس، وانتشر غضب على تلك الأقوال، عندها جاء الاعتذار. ورغم ذلك، بعد بضعة أيام، ظهر في قسيمة عائلة قيسية ملثمون، يبدو أنهم مسلحون. ورغم الهدم، بقي أبناء العائلة في المكان. تقول العائلة إن الملثمين أرادوا قتل الوالد رمزي وابنه. وسواء كان هذا صحيحاً أم لا، فقد قاموا برش أبناء العائلة بغاز الفلفل واختفوا بعد أن ظهرت في المكان قوة للجيش الإسرائيلي، التي من غير الواضح من استدعاها.
في الوقت نفسه، ثمة تراكتور إسرائيلي كان يعمل بدون إزعاج على تمهيد الأرض في القسيمة الثانية في أعلى الطريق، في طريق البؤرة الاستيطانية الجديدة. في مواقع أخبار فلسطينية وردت تقارير عن البؤرة الاستيطانية الجديدة وليس عن الهجوم المجهول. الشائعة حول ذلك انتشرت بالتدريج. “أشخاص غاضبون من الفيلم ومن الأقوال ضد المسلمين”، قدر أحد سكان مخيم الدهيشة للاجئين. “السبب غير مهم، هذا أمر يجب عدم القيام به”، قال لي شخص مسلم من سكان بيت جالا.
سكان من بيت جالا يؤكدون أن هناك قسائم في المخرور في أيدي أشخاص ليسوا من مواليد القرية. بكلمات أخرى– مسلمون. وتحديداً من سكان مخيمات اللاجئين. من قال إن اللاجئين ممنوعون من شراء أراض وفلاحتها؟ كثير من سكان بيت جالا غادروا إلى الخارج، فلماذا لا يحافظ آخرون على الأراضي والأشجار؟ المشكلة هي أن عدداً من صفقات الشراء، كما يبدو، لم تكن سليمة. سكان من القرية قالوا إن من يقوم بذلك هنا هي “مافيا” لأشخاص أقوياء لديهم مكانة سياسية واجتماعية، لكن الحديث لا يدور عن موضوع مسلم ضد مسيحي؛ فثمة مسيحيون أيضاً هم أعضاء في هذه المافيا.
السلطة الفلسطينية تقوم بعملية تسجيل منظمة للأراضي من أجل كشف مكان تزوير، وفي حالة واحدة قيل لي إن التزوير اكتشف، لكن هذا لم يساعد، فمن وضعوا أيديهم على الأرض لم يتركوها. اتهامات عائلة قيسية تأتي على هذه الخلفية. في القسيمة المجاورة لقسيمتها، وكذلك للبؤرة الاستيطانية الجديدة، تم في بداية الأسبوع إحراق بيت حجري زراعي صغير. صاحب القسيمة هو أحد سكان مخيمات اللاجئين في المنطقة. من أراد الإحراق؟ من يجرؤ على ذلك؟ المصلحة؟ الشك المتبادل لم يتأخر وزاد التوتر.
كل ذلك حدث في الأيام التي أعلنت فيها الحكومة الفلسطينية بأن مجالس محلية بدأت بتوسيع مخططاتها الهيكلية بدون الأخذ في الحسبان بتصنيف المنطقة (أ، ب، ج). ما يحدث في المخرور يظهر إلى أي درجة فارغ هذا الوعد من مضمونه: ليس لبيت جالا وقرى أخرى أي سيطرة على المنطقة التي تعتبرها إسرائيل مناطق ج، وتفعل فيها ما تشاء. أي، ليس للسلطة الفلسطينية سيطرة على ما يحدث، وإن عائلة قيسية تستعين بمحامين خاصين وتستبدلهم الواحد تلو الآخر، وكأن مسألة الأراضي هو موضوعها الخاص وليس الشأن في موضوع وطني فلسطيني عام يقتضي تمثيلاً من محامين من قبل السلطة.
في عام 2001، في بداية الانتفاضة الثانية، عندما قام مسلحون فلسطينيون بإطلاق النار على مستوطنة غيلو، قام الجيش بالقصف ودمر منزل عائلة قيسية في بيت جالا. ودفعت السلطة الفلسطينية تعويضاً جزئياً عن الضرر، وأقام الأخوة من بيت قيسية بيتاً جديداً في المكان. رمزي قيسية يحمل بطاقة إقامة في الضفة الغربية، وزوجته ميشل وأولاده هم مواطنون إسرائيليون، أصحاب حق انتخاب. ميشل ولدت في القدس لأم مهاجرة من عين كارم، التي بقيت كطفلة في دير في القدس، ولأب فرنسي جاء إلى المنطقة من لبنان. انتقلت والدتها إلى السكن قرب ابنتها في بيت جالا قبل بضع سنوات، وهي تعاني من مرض الألزهايمر، قالت ميشل قيسية. وأضافت: “عندما أحضرناها إلى هنا، إلى المخرور، اعتقدت أنها في عين كارم، وأرادت العودة إلى بيتها هناك”.
تراث عالمي
المخرور منطقة زراعية تبلغ مساحتها 3 آلاف دونم، وتتميز بمسطحات من السلاسل الحجرية القديمة وحقول الزيتون وكروم العنب وأشجار الفواكه ومواقع أثرية ونظام ري تقليدي (بالأساس في منطقة قرية بتير). وفيها مناطير – مبان حجرية زراعية قديمة، وهواء نقي، وفيها من النبيذ و”الزيت الأكثر جودة في فلسطين”.
في 2014 أعلن عن المنطقة كموقع تراث عالمي: “فلسطين أرض الزيت والعنب – مشهد ثقافي لجنوب القدس، بتير”. اعتبر هذا الإعلان إنجازاً فلسطينياً في إطار الجهود لمنع بناء جدار الفصل الذي كان سيهدم المسطحات القائمة على السلاسل الحجرية والمشهد. منطقة المخرور تربط بين الخضر وبيت جالا، وحوسان وبتير والولجة، التي فصلت معظم أراضيها الزراعية عنها من أجل إقامة مستوطنة “هار غيلو”، وجدار الفصل ومتنزه للإسرائيليين فقط. شارع 60 يتجاوز بيت لحم، والأنفاق التي أقيمت في التسعينيات قضمت التواصل الزراعي والتاريخي للمشهد. الآن، ثمة مصادرات جديدة لأراضي المخرور وبيت جالا استهدفت توسيع الشارع الالتفافي الذي يتجاوز بيت لحم والأنفاق، ويحظر على الفلسطينيين السفر فيها، وهدفها تقصير زمن السفر بين مستوطنات غوش عصيون والقدس.
لذلك، بؤرة استيطانية على تلة من تلال المخرور هي أمر مهدد جداً. الخميس الماضي، طلب منا شابان بسوالف الخروج من القسيمة. انضم إليهما شخص بالغ وكرر الطلب، ولكنه كان مستعداً للحديث خارج البوابة. “نحن ثلاثة في المكان، بصورة دائمة، ومعنا عدد من المتطوعين”، قال في الوقت الذي كانت فيه زوجته صامتة وتنظر إلينا. وحسب قوله، هو من الون موريه، وقد استأجر الأرض من شركة “همنوتا”. “لقد ذهبت إلى “الكيرن كييمت” وبحثت عن قطعة أرض”، قال، وأضاف: “أروني عدة أماكن، واخترتُ منها هذا المكان”. (يوتم بيرغر كتب بأن مستوطنة نفيه دانييل تقف خلف التأجير).
وحسب أقواله، لا توجد أي علاقة مع عملية الهدم التي نفذت في الأسفل: “العلاقة مع الجيران جيدة. أشخاص آخرون ليسوا من هنا، قاموا قبل ثلاثة أشهر بقطع أشجار الزيتون التي زرعناها”، قال، وأضاف: “خلال الخمسين سنة المقبلة سنبقى هنا”. لماذا خمسين وليس مئة سنة؟ سألت. وأجاب: “هي مدة عقد التأجير”.
بقلم: عميره هاس
هآرتس 13/9/2019