أبدت البروفيسورة فدوى عبد الرحمن عدم اطمئنانها للواقع السياسي الراهن في السودان ومستقبله، حين قالت إن المشهد فيه مرتبك، وتخوفت من عدم تحقق العدالة ومحاكمة المفسدين في النظام السابق، بسبب عدم تعيين رئيس القضاء والنائب العام. وخرجت مظاهرة حاشدة دعت لها قوى الحرية والتغيير، الخميس الماضي ضد المحاصصة وطالبت بالعدالة والقصاص، كما طالبت بتعيين القادرين على المحاسبة وتحقيق العدالة.
وكانت فدوى ضمن المرشحين لمجلس السيادة، إلا أن الأستاذة الجامعية وأول سودانية تنال الدكتوراه الفخرية من جامعة عالمية ودرجة الأستاذية في كليات الدراسات الإنسانية في جامعة الخرطوم، والتي تعمل حالياً أستاذة للتاريخ المعاصر في جامعة الخرطوم، اعتذرت عن المنصب في المجلس السيادي بسبب الطريقة التي كان يدار بها ملف الترشيحات وإبعاد رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم السابق محمد الحسن التعايشي من عضوية المجلس، الإبعاد الذي قالت إنه بسبب المحاصصة والجهوية القبلية، فهل هي قراءة مبكرة لما يجرى الآن؟ هذا ما سنتعرف عليه في هذا الحوار الذي شرحت فيه رأيها حول إبعاد السياسيين في الفترة الانتقالية التي سمتها بالحرجة، كما تطرقت إلى الوثيقة الدستورية المليئة بالثغرات والتي يرى البعض أن تزويراً حدث فيها.
كما تحدثت عن دور جامعة الخرطوم في تعيين واستبعاد وزراء الفترة الانتقالية. وفي ما يأتي نص الحوار:
*برزت عدة تيارات وآراء حول الفترة الانتقالية، هناك من أبدى تفاؤلاً لكنه مشوب بحذر، ويرى ضرورة الانتباه إلى تربص العناصر المتبقية من النظام السابق، وآخر أعلن تخوفه من دون مواربة، بل أعلن اعتراضات صريحة على شراكة العسكريين، وتيار يرى أن الكفاءة التي كانت مبدأ مضمناً في وثيقة إعلان الحرية والتغيير تم خرقها، كيف ترين المشهد الآن؟
**المشهد الآن في تقديري مرتبك بعض الشيء، وأهم أسباب الربكة عدم اكتمال تعيين الأجهزة العدلية رئيس القضاء والنائب العام، والتخوف في حالة تعيينهما أن تكون شخصيات محسوبة على العهد البائد، ولا يتم تحقيق العدالة الانتقالية المطلوبة ومحاكمة المفسدين والقتلة. سبب آخر للربكة هو عدم ارتياح الكثيرين للطريقة التي تم بها اختيار بعض الوزراء وانتهاء الأمر إلى محاصصات وجهوية. وكان ذلك واضحاً إذ تأخر إعلان الوزارات لهذه الأسباب.
*لهذا تمت الدعوة للمليونية الخميس الماضي، وللمفارقة أن من دعى لها الحرية والتغيير الجهة الحاكمة الآن؟
**نعم مفارقة، فقوى الحرية والتغيير هي التي وقعت الوثيقة الدستورية ودعت في الوقت نفسه لهذه المليونية، فهل تريد بهذا تهدئة الشارع الغاضب؟ أم تريد أن يتولى الشارع بضغطه إصلاح ما ورد حول الثغرات التي في الوثيقة؟
*هل كانت قوى الحرية والتغيير موفقة بإبعادها للكوادر السياسية عن إدارة الفترة الانتقالية؟
**نعم كانت موفقة في إبعاد الكوادر السياسية إن كانت تريد للفترة الانتقالية أن تكون فترة إنجاز بعيداً عن المشادات السياسية وأن تعمل الكوادر السياسية على الاستعداد للانتخابات المقبلة بمراجعة برامجها لتتناسب مع التغييرات والمفاهيم الثورية، كي تقدم للشباب الذي قاد الانتفاضة طرحاً جديداً يختلف عن الطروحات القديمة.
*وهل يعني الارتباط السياسي عدم الكفاءة وفقاً للشروط التي وضعت من قبل الحرية والتغيير؟
** الارتباط السياسي لا يعني عدم الكفاءة، فكم من سياسي كفء لكن إبعاد السياسة في هذه الفترة والاقتصار فقط على الكفاءة قرار صائب.
*وأين الصواب في ذلك؟
** الصواب في إبعاد السياسيين خلال هذه الفترة الحرجة التي لا تحتمل، فالفترة الانتقالية قصيرة لا تحتمل أَي نوع من المناكفات، وهي فترة لمحاولة وضع الأمور في نصابها. دخول السياسيين الأكفاء قد يرضي بعض التيارات السياسية ويبعد آخرين يَرَوْن انهم اكفاء ويستبعد آخرين فندخل في مسألة محاصصات أكثر من كفاءات.
*هناك من يقول ان الوثيقة حدث فيها تزوير وليس تعديلا؟
**المشكلة ليست في التعديل نحن أمام مشكلة كبيرة لابد من إيجاد مخرج منها يضمن سيادة القانون والعدالة.
*طالب قانونيون بإصدار قانون ديمقراطي للهيئة القضائية، يستند إلى قواعد العدالة ويضمن استقلال القضاء مهنياً وإدارياً ومالياً، ويضمن استقلال القضاة في أداء مهامهم ويوفر لهم التدريب المتواصل على القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، إلا أن رفض المكون العسكري بتعيين النائب العام ورئيس القضاء الذي اختارته الحرية والتغيير لن يمكن ذلك.
**هذا طلب مشروع وأساسي لكنه سيصطدم بالرفض ويعتمد على جدية المكون العسكري في المجلس السيادي في إنفاذ العدالة الانتقالية وإصرار المدنيين في المجلس على ذلك.
*الوثيقة الدستورية لم تتطرق بشكل واضح لتعيين حكومات الأقاليم؟
**وهذه ثغرة وفقرة كان يتوجب الاهتمام بها، لأن مشكلة الدولة الرئيسية منذ الاستقلال هي ترتيب العلاقة بين المركز والأقاليم بصورة تعمل على إزالة الغبن المتراكم وتحقيق التنمية المتوازنة.
*مبادرة جامعة الخرطوم التي كانت شريكا أساسيا في العملية السياسية هل ستتواصل؟
** أساتذة جامعة الخرطوم أول من أصدروا بياناً مفصلاً في 27 كانون الأول/ ديسمبر 2018 نص على تنحي المخلوع وإقامة فترة انتقالية لمدة أربع سنوات. ولم تقف المبادرة عند ذلك بل قامت بدراسات في جميع مناحي الحكم ونظمت ورش عمل لم تترك شاردة ولا واردة إلا وطرقتها. وَمِمَا يبعث السرور في النفس أن المبادرة في أصلها جاءت من شباب الأساتذة ودعمهم الشيب.
*وهناك من قال إنها كانت وراء اختيار واستبعاد الوزراء؟
**هناك تمثيل للمبادرة ضمن قوى الحرية والتغيير التي رفعت القوائم لرئيس الوزراء، القول إنها وراء اختيار واستبعاد الوزراء، غير دقيق وغير صحيح.
*هل ابتعادك عن السيادي كان قراءة مبكرة لما يحدث الآن من إرباك ومحاصصة؟
**اعتذاري عن السيادي بعد اعتماد ترشيحي من مكونات قوى الحرية والتغيير الخمسة كان سببه مبدئياً هو الاعتراض على الطريقة التي يدار بها ملف الترشيحات، وقول لا للمحاصصات والجهوية والقبلية التي أبعدت محمد الحسن التعايشي مرشح تجمع المهنيين. الثورة ثورة مفاهيم ولا يمكن أن نعود بالشباب للمربع الأول وصادف أن يكون المرشح المبعد رئيس اتحاد طلاب جامعة الخرطوم الذي عرف بتميزه ومقدراته، لكن كنت أتمنى أن يتدارك الأمر في الترشيحات لمجلس الوزراء الشيء الذي لم يحدث في بعض الحالات.
*هل أنت نادمة على اعتذارك عن منصب السيادي؟
**بل العكس، سعيدة لأنني ثبت مبادئ متناسقة مع ثورة المفاهيم وأبنت أن المبادئ أهم من اعتلاء أعلى منصب في الدولة مع التأكيد بأن خدمة الوطن تأتي من أي موقع.
*الآن تكاد كل القوى السياسية والفكرية تجمع على أن السودان وطن متعدد ومتنوع الأعراق والقوميات واللغات والمعتقدات والثقافات. ولم يعد هذا مجرد أطروحة في مجالس الدوائر المستنيرة والدراسات، بل أصبح كثيف الحضور في خضم الصراعات السياسية والاجتماعية الدائرة بمختلف الأشكال كيف يمكن أن نحقق ذلك؟
**هذا الأمر كان يتوجب الانتباه له منذ خروج المستعمر لكن وللأسف وبدلاً عن فهم هذه التعددية والتنوع انشغلت النخب السياسية التقليدية بوضع دستور إسلامي، الآن وكما توضح أصبح الاعتراف بهذه التعددية أمرا لا مفر منه ويجب تقنينه وأن يفرد له حيّز في مناهج التربية الوطنية.
*وجود حكومة ديمقراطية منتخبة شكليا هل يعني وجود مجتمع ديمقراطي؟
**إن كان سؤالك عموميا لا بالطبع، الديمقراطية التي أعرفها هي التي تأتي بممثلين للشعب عبر اقتراع نزيه وفي حالتنا هذه أرى صياغة قانون للانتخابات يأتي بممثلين للشباب والمجتمع المدني والنقابات إلى جانب الأحزاب المعروفة. وكي لا تكون الديمقراطية شكلية يجب ان يبدأ ترسيخها من مرحلة لجان الأحياء فصاعدا. التعليم والتنمية شرطان أساسيان لديمقراطية حقيقية. لا نريد الرجوع للديمقراطية المبنية على الجهل والطائفية.
*وزيرا الإعلام والعدل صرحا ان التعيين والفصل ليس من اختصاصاتهما. هل مرد ذلك الثغرات التي في الوثيقة أم ان الوزراء بلا صلاحيات، خاصة تفكيك النظام السابق كان من ضمن أهم المطالب؟
**حسب علمي أن الوثيقة جعلت سلطة إعفاء وتعيين قادة الخدمة المدنية من سلطة مجلس الوزراء لا سلطة كل وزير في وزاراته. يعني ذلك وجود ثغرات في الوثيقة وكان الأفضل ان يترك الأمر للوزير المعني بدلا من إغراق مجلس الوزراء في تفاصيل تشغل المجلس عن تحقيق أهداف الثورة. وعلى رئيس الوزراء تدارك الأمر باعتماد توصية الوزير.
*كيف يمكننا ان نضمن كسر الحلقة الشريرة – ديمقراطية – انقلاب عسكري، وكيف يمكن استقرار نظام ديمقراطي؟
**أولا محاسبة الانقلابين على الانقلاب على النظام الديمقراطي وليتنا فعلناها منذ وقوع أول انقلاب عسكري وقد كان ذلك أولى مطالب انتفاضة 21 أكتوبر 1964 ضاع مع الأسف بسبب المزايدات السياسية فقد صوتت الحكومة الائتلافية المكونة من حزب الأمة والحزب الوطني الاتحادي ضد محاكمتهم عندما تكونت الحكومة عام 1965. وجاء انقلاب أيار/مايو ولم يحاكم نميري وزمرته ولم يطلب للعدالة. الآن يجب محاكمة مدبري انقلاب حزيران/يونيو 1989 الذين انقلبوا على الديمقراطية الثالثة وكما تعلم هناك بلاغ مفتوح. الشيء الآخر مرتبط بسؤالك عن الديمقراطية الشكلية. وإذا ما أردنا كسر هذه الحلقة الشريرة التي تحدثت عنها فعلينا ببناء الديمقراطية الحقيقة التي ذكرتها لك.
*معلوم أن والدك هو أول وزير للمعارف السودانية وقد كان قياديا في حزب الأمة لكنه ترك العمل السياسي. هل فدوى الآن بلا انتماء حزبي أم أن وجدانها يميل إلى حزب أبيها؟
**أنا بلا انتماء حزبي هذه حقيقة. أميل إلى الحزب الذي يُؤْمِن بالديمقراطية ويمارسها ممارسة حقيقية وصحيحة ويؤمن كذلك بالتعددية وحقوق الإنسان والمواطنة.