نواكشوط-“القدس العربي”: يزداد تعاطي الرشوة انتشارا في افريقيا حسبما كشف عنه للتو مؤشر “الرشوة في افريقيا 2019”.
وكشفت استخلاصات مستقاة من نتائج المؤشر عن ارتفاع مذهل لمعدلات الفساد والرشى في القارة، حيث أن “شخصا على الأقل من كل أربعة مواطنين لم يصلوا إلى الخدمات العامة خلال عام 2018 إلا عبر دفع الرشوة”.
وأكدت نتائج استطلاعات المؤشر “أن غالبية المواطنين الذين شملهم الاستطلاع (47 ألفاً) في 35 دولة افريقية بين عامي 2016 و2018، يعتقدون أن الفساد يزداد سوءاً، وأن جهود الحكومات في محاربته ضعيفة وغير كافية”.
وفي هذا الصدد، دق وزير الخارجية الموريتاني الأسبق أحمدو ولد عبد الله ناقوس الخطر أمس إزاء مخاطر تعاطي نخب القارة الافريقية للرشوة.
وأكد في تصريحات لموقع “فرانس أنفو أفريك” الإخباري الآني “أن مأساة افريقيا تتجسد في فضيحة الانفلات من العقوبة التي تغطي النخب الفاسدة المسؤولة عن النهب المنظم لموارد بلدانها”.
واتهم ولد عبد الله “ما سماه الأوليغارشية الافريقية بتدمير القارة وتهديد مستقبلها بما يتعاطاه أفرادها من فساد مالي خطير”.
وقال “إن تكدس السلطة والثروات بين يدي هذه النخب أصبح سمة من سمات دول القارة السمراء”.
واستنتج ولد عبد الله هذه الاستخلاصات من تجربته الطويلة في القارة الافريقية التي تجول بين بلدانها واطلع على سياسات حكوماتها خلال سنوات طويلة قضاها مبعوثا خاصا للأمم المتحدة في افريقيا، كما توصل لأحكامه حول الرشوة من خلال تجربته في منظمة الشفافية الدولية التي هو عضو في مجلسي تأسيسها وإدارتها.
وقال “إن الرشوة تعتبر السرطان الذي يدمر القارة الافريقية”، مضيفا “صحيح أن الرشوة معضلة دولية لكنها في افريقيا أخطر لكونها محمية بانفلات النخب الفاسدة من العقوبة”.
وتوصلت جميع تقارير الشفافية الدولية خلال السنوات الأخيرة لنتيجة واحدة هي أن نخب الفساد الافريقية تواصل من دون عقاب، نهب الثروات وتبديد ممتلكات شعوب القارة.
وأكد ولد عبد الله “أن ترك نخب الفساد مستمرة في سلوكها الضار يهدد أمن واستقرار القارة”.
وقال “إن سيطرة القلة الأوليغارشية الافريقية على السلطة والثروات، تتواصل من دون انقطاع محتمية بالسيادة الوطنية لدول ترزح تحت نهبها وفسادها”.
وأضاف “أن انتشار الفساد في الدول الافريقية هو السبب في الحروب الأهلية المدمرة المنتشرة في دول القارة كما أنه السبب في الهجرة غير الشرعية”.
وقال “إنني لا أتـحدث هنا عن رشوة صغيرة تدفع لجمركي صغير أو لشرطي في أحد الشوارع، بل إنما أعنيه هنا هو الرشوة الكبرى التي تتعاطاها النخب القيادية المستفيدة من الانفلات الفاضح من العقاب”.
وزاد “لا بد لمكافحة الفساد من وجود صحافة حرة وشرطة حرة وقضاء مستقل، ولا تتوفر أية دولة من دول القارة الإفريقية على أي واحدة من هذه الأدوات الثلاث التي لا يمكن بدونها كبح مسلكيات الرشوة والفساد التي تنخر دول القارة وتدمرها وتعرضها للموت البطيء”.
وقال “الأخطر في كل هذا أن القضاء تتحكم فيه مجموعة متنفذة صغيرة توجهه حسب هواها وحسب ما يضمن لها الانفلات من العقوبة”.
وتابع تحليله لانتشار الفساد في افريقيا قائلا “هكذا تتبخر كل عام، تحت فساد المفسدين وارتشاء المرتشين دون عقاب، مئات المليارات من الدولار دون أن يحرك أي أحد ساكنا، بينما الأمر بعكس ذلك في أوروبا الغربية، لأن نهاية القادة تكون دائما باتهامهم ولو كذبا بممارسة الفساد، فمن اتهم بالفساد سيكون مصيره السجن والمحاكمة والعقوبة القانونية النافذة”.
واتهم الشركات متعددة الجنسية بمساعدة المرتشين والمفسدين على تدمير افريقيا، مضيفا قوله “ليس هناك مرتش بدون وجود راش دافع للرشى”. وتساءل قائلا “لم تتوصل سنغافورة وإندونيسيا على ما حققته من تقدم إلا بمكافحة الرشوة؛ فهل يقبل عاقل أن يرمي نفسه من قمة برج إيفيل مقابل مليون دولار؟”.
وتحدث عن آلاف الصفقات التي تبرم دون مناقصات، وعن آلاف الرخص التي تمنح للاستكشاف المنجمي والتنقيب عن النفط والغاز بتنازلات كبيرة للغاية مقابل رشاوى تدفع لمفسدين.
وختم ولد عبد الله تصريحاته مؤكدا “أن الرشوة لن تختفي من قارة افريقيا، بعصا سحرية بل بمحاربة طويلة المدى يساهم فيها الجميع مواطنين ومنظمات جمعوية وقادة دينيين، محاربة مستمرة واضحة الأهداف”.
وتؤيد هذه التصريحات ما توصلت له منظمة الشفافية الدولية في تقريرها الأخير عن الرشوة والفساد في افريقيا، حيث أكدت “أن الفساد يؤثر في رفاهية الأفراد والأسر والمجتمعات، ويلحق الضرر بمئات الملايين من المواطنين من خلال تقويض فرصهم في مستقبل مستقر ومزدهر”.