المتابع لحملة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الانتخابية يلاحظ أنه الأطوال حكما في تاريخ إسرائيل، لا يكل عن استخدام حيله التي تخوف الإسرائيليين وتذكرهم بأن “العدو على باب المدينة” وفي الداخل ولا مهرب لهم إلا بانتخابه وبقائه مؤبدا عليهم.
نجح نتنياهو في ألعابه السابقة، خاصة عام 2015 عندما أصدر تصريحاته بأن الفلسطينيين في داخل إسرائيل يحاولون إسقاطه ويتدفقون على صناديق الاقتراع أشتاتا وجماعات. في ذلك الوقت صدق اليمين المتطرف الحيلة وذهب أفراده إلى مراكز الاقتراع وأعيد انتخابه. وحاول نتنياهو اللعبة نفسها في انتخابات نيسان (إبريل) عندما لوح بورقة ضم مناطق من الضفة الغربية وفاز لكنه لم يستطع تشكيل حكومة أغلبية بسبب رفض زعيم البيت الإسرائيلي أفيغدور ليبرلمان الدخول معه في الائتلاف قبل أن يمرر قانون الجندية الذي يمنع المتدينين من الهروب منها بدخول المدارس الدينية. وفي العادة يطلب الرئيس من الكتلة الثانية في الانتخابات تشكيل الحكومة إلا أن نتنياهو أقنع النواب المنتخبين في الكنيست بحلها ودعا إلى انتخابات سريعة ستجري يوم الثلاثاء 17 أيلول (سبتمبر) الجاري.
الوضع كما هو
ولم يتغير شيء في اللعبة السياسية الإسرائيلية منذ نيسان (إبريل) من ناحية التكتلات والوعود والجو العام المائل أكثر لليمين، فلا يختلف معسكر الليكود أو ما يطلق عليه يمين- وسط عن معسكر أزرق أبيض والأحزاب التي تقع في يسار- وسط عندما يتعلق بالأراضي الفلسطينية المحتلة والدولة الفلسطينية. ومن هنا موقف قادة المعارضة لنتنياهو من وعد بضم وادي الأردن، سلة الغذاء في الضفة الغربية لو أعيد انتخابه. وبدلا من أن يعارض قائد الجيش السابق وزعيم تيار أزرق أبيض، بيني غانتس ما قاله رئيس الوزراء الحالي، زعم أن الفكرة هي فكرته وانه يدعم ضم الضفة الغربية بدلا من رفضها، لأنها لو نفذت لقضت على حلم الدولة الفلسطينية، خاصة أن حدود هذه الدولة ستمتد إلى وادي الأردن الذي يعيش فيه أكثر من 65.000 فلسطيني. واللافت في النظر أن تصريحات نتنياهو لم تلق أي اهتمام من الإدارة الأمريكية لدونالد ترامب التي ساعدته على شرعنة الضم بل وشجعته من خلال الاعتراف بسيادة إسرائيل على القدس ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، ومنح ترامب صديقه نتنياهو هدايا أخرى عندما اعترف بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية.
ويتغذى نتنياهو من السياق الجيوسياسي وانشغال العالم العربي بمشاكله الداخلية بعد ثورات الربيع العربي عام 2011 والحديث الدائم عن دفء العلاقة الإسرائيلية مع دول الخليج باسم مكافحة إيران وتأثيرها في المنطقة. ومن هنا نفهم الغارات التي شنها الطيران الإسرائيلي على مواقع في سوريا ولبنان والعراق مما أثار المخاوف من إمكانية اندلاع حرب مع لبنان. لكن نتنياهو يعرف أن حزب الله سيكتفي بالرد على الضربة لمعقله في الضاحية الجنوبية ببيروت بعمل استعراضي، لأن الحزب لا يريد الدخول في مواجهة مع إسرائيل بنفس الطريقة التي لا تريد هذه المواجهة العسكرية قبل الانتخابات.
تطبيع فكرة
لهذا لا تختلف الجولة الحالية عن سابقاتها من ناحية الحيل التي يستخدمها نتنياهو لمواصلة السحر على الإسرائيليين، سواء بالتخويف أو الوعد وهاجسه الوحيد هو البقاء في السلطة لأطول مدة ممكنة لأنها الوسيلة التي تحميه من الملاحقات القضائية وتهم الرشوة والتزوير وانتهاك الثقة العامة.
وتظهر استطلاعات الرأي أن المسافة بينه وبين منافسه غانتس متساوية، مما يعني حاجة كل منهما للأحزاب الصغيرة لتشكيل الحكومة. ومن هنا قد يجد نتنياهو نفسه أمام نفس المعضلة التي واجهها بداية العام، أي الحاجة إلى حليف يمنحه الغالبية. وما يهم في سياق الانتخابات الحالية أن المرشحين فيها لم يركزوا على القضايا اليومية التي تهم الناخب الإسرائيلي مثل الاقتصاد وإنما على استمرار سرقة أراضي الفلسطينيين كورقة مضمونة للسلطة واستمرار شيطنة الفلسطينيين في داخل إسرائيل واتهامهم بالتزوير وسرقة الانتخابات وبأنهم طابور خامس في قلب الدولة. لكن الضم هو ما أثار انتباه المعلقين في داخل إسرائيل وخارجها حيث لاحظ هؤلاء أن الفكرة ظلت حلما يراود اليمين الإسرائيلي لكنها اليوم أصبحت “مطبعة” بدرجة لا يتردد اليمين أو اليسار باستخدامها والحديث عن إمكانية تطبيقها على أرض الواقع، والسبب نابع من موقف الإدارة الأمريكية التي تزعم أنها تريد تحقيق صفقة القرن، مع أن الذين وكلهم ترامب بالإشراف على الصفقة، صهره وسفيره إسرائيل والمبعوث الخاص كلهم من داعمي حركة الاستيطان على أراضي الفلسطينيين. ولهذا السبب حذرت صحيفة “الغارديان” (11/9/2019) من تصريحات نتنياهو التي قالت إنها ستجعل تحقيق السلام في الأرض المقدسة مستحيلا. وقالت إن زعيم الليكود “أطر سرقة الأراضي بأنها عمل دفاعي، مع أن تبادل الصواريخ يوم الأربعاء يظهر أن جيش بلده منشغل على الجبهة الغربية لا الشرقية”. وأضافت أن السياسة الإسرائيلية أصبحت منحرفة بدرجة أن التحالف المعارض له، أي تجمع أزرق أبيض شعر بالغضب من نتنياهو ليس لأنه وعد بضم الأراضي بل لأنه لم ينسب الفكرة إليهم. فهم الذين فكروا فيها أولا. وتعلق أنه لو فاز نتنياهو أو خسر لم يعد هناك ما يمنع الكنيست من سرقة أراضي الفلسطينيين، كل هذا بسبب الدعم الأمريكي الأعمى لإسرائيل. وتساءلت الصحيفة عن توافق فكرة الضم مع ما تدعيه إسرائيل من مثل ديمقراطية، فهي لا تقوم كما تقول ببناء السلام ولكنها ولكن تبني سجنا عملاقا ومفتوحا. والفرق اليوم هو أن ما كان مجرد كلام لدغدغة عواطف القوميين أصبح ممكنا في زمن ترامب. ويبدو أن نتنياهو حريص كما ورد في صحيفة “الغارديان” (10/9/2019) على انتهاز الفرصة التاريخية التي قد لا تتكرر حالة لم يفز ترامب بولاية ثانية. لكن الفكرة، سواء دعمتها واشنطن أم لا قد تقابل بالرفض الحاد من غالبية المجتمع الدولي وستقوض محاولات نتنياهو حشد الدعم لاستراتيجية المتشددة تجاه طهران. ويظل كما تقول تعبيرا عن سياسي خائف وقلق ويعتمد في النهاية على أمريكا.
عالم عربي خامل
لكن ليس على رد العالم العربي الذي قالت صحيفة “نيويورك تايمز”(10/9/2019) إنه لم ينتفض كالعادة، مع أنه لم يعد ينتفض كثيرا على ما يجري في فلسطين كما تقول، بالإضافة لتعامل الشارع العربي مع التصريحات كوعد انتخابي يهم الناخب الإسرائيلي ولأن إسرائيل تحتل الضفة الغربية. لكن وعد نتنياهو يأتي في استراتيجية تحولات أدت لتغيير واقع القضية الفلسطينية من أولوية للقادة العرب وشعوبهم. وتأتي بعدما صادق دونالد ترامب على سلسلة من القرارات الأحادية التي اتخذتها إسرائيل تجاه المناطق المحتلة. ولا يزال عدد من الدول العربية مثل مصر وسوريا واليمن والعراق تعيش آثار الربيع العربي والانتفاضات ومواجهة تنظيم “الدولة” مما جعلهم يركزون على القضايا الداخلية. أما دول الخليج التي دعمت الفلسطينيين فهي تخشى اليوم من تأثير إيران الإقليمي وهو قلق تشترك فيه مع إسرائيل. وتركت هذه التغيرات الفلسطينيين بعدد قليل من الحلفاء العرب ممن لديهم استعداد للدفاع عن قضيتهم.
تعبوا من نتنياهو
والمشكلة في كل هذا أن الناخب الإسرائيلي مل من العملية الانتخابية ومن طول بقاء نتنياهو في الحكم، وهناك الكثيرون في الطبقة السياسية يريدون رحيله. وكما تقول مجلة “إيكونوميست” (12/9/2019) إن كانت استطلاعات الرأي دقيقة فسيفشل مرة ثانية في تشكيل حكومة أغلبية، بنفس الطريقة التي ستفشل فيها المعارضة. وتقول إن مواقف الرأي العام لم تتغير منذ الانتخابات الأولى، فلو واصل ليبرمان معارضته، فسيكون الكنيست تحت سيطرة أحزاب ترغب في رحيل نتنياهو. وهو ما يجمعها لكنه ليس كافيا لأن يدفع الأحزاب اليسارية العربية التعاون مع الأحزاب القومية اليهودية في نفس الحكومة. وكانت المشاركة في انتخابات نيسان/إبريل هي 68 في المئة وهي أقل بأربع نقاط من انتخابات عام 2015. والسبب في معظمه عدم مشاركة أبناء الأقلية فيها بشكل واسع. ولم تزد مشاركتهم عن 49 في المئة أي تراجع بـ 15 نقطة. وفي الوقت الذي ستشارك فيه الأحزاب الأرثوذكسية بأعداد كبيرة بناء على حث من الحاخامات إلا أن نتنياهو قلق من عدم اهتمام أنصاره. ولاحظ منظمو الاستطلاعات ولسنوات طويلة أن أنصار الليكود تعبوا من حكم نتنياهو الطويل وملوا من كثرة فضائحه. وقد لا يصوتون لأحزاب يسار – الوسط ولكنهم قد يختارون السفر إلى الخارج يوم الانتخابات أو الذهاب إلى البحر. وفي الماضي استطاع نتنياهو التغلب على عامل “الإجهاد من بيبي” من خلال التخويف من العرب، والآن جاءت خطته لضم الضفة الغربية التي يحلم بها المتطرفون، وهي “حيلة يائسة” مثل تلك التي حاولها في نيسان (إبريل). وكان لافتا المشهد المهين لنتنياهو عندما أنزله مرافقوه عن المنصة وهو يلقي خطابا في أشدود القريبة من غزة خوفا من صاروخ قادم، وهو الذي تعهد عام 2009 بتدمير حركة حماس التي تسيطر على القطاع. وهو ما عرضه لانتقادات ساخرة في إسرائيل، فمن خطاب درامي وعد به حصل الإسرائيليون على لقطات درامية. وتقول صحيفة “نيويورك تايمز” إن مستوى الثقة بات عميقا جدا في أسلوب نتنياهو الاستعراضي، وخاصة في وقت تقترب فيه انتخابات يشتد فيه التنافس حيث سيذهب الناخبون للاقتراع يوم الثلاثاء المقبل حتى أن بعض مؤيديه يشكون في صدقه حول ضم الأراضي وقالت واحدة من أنصاره عنه: “إنه ممثل.. وحان الوقت لأن يغادر خشبة المسرح”.
الصوت العربي
ولكن رئيس الوزراء “الساحر” يتمسك بالسلطة بدرجة يائسة دفعت حملته لوضع صور ضخمة له وهو يصافح الرئيس دونالد ترامب وأخرى وهو يصافح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في محاولة للتأكيد أنه وحده من يستطيع الوصول إلى مراكز القوة العالمية. مع أنه كما تقول صحيفة “نيويورك تايمز” (12/9/2019) لم يستطع الحصول على مباركة البيت الأبيض لوعده بضم وادي الأردن وتلقى ضربة بخروج جون بولتون من البيت الأبيض واستعداد ترامب للقاء الرئيس الإيراني حسن روحاني، فيما رفض بوتين وبشدة فكرة ضم وادي الأردن محذرا من أنها خطوة ستزيد من التوترات في المنطقة. وترى الصحيفة أن نتنياهو يريد الحصول على أي صوت في انتخابات الثلاثاء ويأسه واضح. ومصيره معلق بأيدي أنصاره والناخب العربي الذي يشكل نسبة خمسة في المئة من السكان، واستطاع الصوت العربي سابقا التأثير على مسار الانتخابات في عهد اسحق رابين الذي مرر بمساعدة الكتل العربية اتفاق أوسلو. ولهذا السبب يخشى نتنياهو الصوت العربي كما تقول ياردينا شوارتز في موقع “نيويورك ريفيو أوف بوكس” حيث رصدت التحولات في توجهات الناخب الفلسطيني في إسرائيل واستهداف نتنياهو له من خلال شعار “إما بيبي أو الطيبي” في إشارة إلى النائب أحمد الطيبي.
ورأت الكاتبة أن الناخب الفلسطيني بات أكثر وعيا بأهمية صوته، ولهذا حاول اليسار اجتذابه، وبلغت نسبة الأصوات التي ذهبت إلى الأحزاب الإسرائيلية في الانتخابات الأخيرة 17 في المئة. ورغم عدم مشاركة الفلسطينيين بقوة في الانتخابات الأخيرة إلا أن هذا نابع من خيبة أمل بممثليهم وأداء القائمة المشتركة في الكنيست. فقد بات الناخب الفلسطيني في إسرائيل حريصا على القضايا المتعلقة بحياته اليومية لا الأيديولوجيا ولهذا يخافه نتنياهو.