عن الإلهام في السينما أو «ما الذي كان سيفعله لوبيتش؟»

حجم الخط
0

هذا السؤال علّقه بشكل بارز المخرج الأمريكي بيلي ويلدر في مكتبه، ليلجأ إليه كلّما احتار أثناء كتابة سيناريوهات أفلامه، ليفكّر في ما أمكن أن يفعله المخرج الأمريكي إرنست لوبيتش في حالة كهذه، في مشهد كهذا.
يمكن الحديث مطوّلاً عن الاستعارات (أو التناصّ) بين أكثر من مخرج سينمائي، ويسهل الحديث أكثر كلّما كان أحد الطرفين (ويكون، غالباً، كليهما) مُخرجاً كبيراً. قلتُ كليهما لأن المخرجين الكبار كذلك يستعيرون من كبار آخرين. لسنا أمام معادلة استعارة صغارٍ مَشاهد من كبار. ما يمكن أن يكون «تناصاً» في الأدب، هو هنا «استعارة»، أفضّل دائماً تسميتها تأثّراً كونها لا تكون، في حالات عديدة، مقصودة، أو – أفضل- إلهاماً، حيث يكون التأثّر في أخفّ حالاته وأكثرها تحرّراً، إذ يعطي الإلهامُ طرفَ الخيط وحسب، لكنها كذلك وأحياناً «استعادة» تكريمية، يتقصّدها مخرج ما امتناناً منه أو تذكّراً لمخرج آخر صور مشهداً مماثلاً، ابتدعه غالباً، وارتبطت الصورة به. يتقصدها ليتناولها، أو ليعيد تناولها، أكثر من مخرج من بعده، لا أقول ينسخها، بل يستعيرها يستلهمها، لتأثّره بصانعها.
مشروعٌ تماماً في السينما (أو الأدب) أن يسأل كاتب سيناريو «ما الذي كان سيفعله المعلّمُ هنا؟ ما الذي سيكتبه في السطر التالي؟»، سؤال كهذا قد يجرّ خلفه مَشاهد تكريمية للمعلّم. ليس ذلك «سرقة أدبية» ولا استغفالاً للمُشاهدين، بل إعادة إحياء لمَشاهد، لمجازات، بسياق آخر، بأسلوب خاص، وهذه الأخيرة هي الأساس هنا.
أيّ تأثّر لن يكون مستساغاً لمُشاهد متمرّس في السينما، ما لم يحمل أسلوباً خاصاً بالمخرج الثاني، النّاقل، المستعير، وإلا لكان استقطاعاً لمشهدٍ من سياقه وإلصاقه، عنوةً، ميكانيكيةً، في سياق آخر لفيلم آخر، وكان، بذلك تسلّقاً على «بنات أفكار» مخرج آخر شاعت فكرته التي صورها في مَشهد وصارت أثيرةً سينمائياً.
لا يتوقّف الحديث متى دخلنا هذه الحديقة من الإلهامات والاستعارات والمجازات التي تتداولها الأفلام في تاريخ السينما، بعضها فعلاً غير مقصود وبعضها مقصود، والمقبول منها هي ما تجلب جمالية خاصة، قيمة إضافية للمشهد المعروف، وبأسلوب خاص ميّز المخرج الثاني المستعير، سابقاً في أفلام له، جعل للمشهد، أو المَشاهد المُستلهَمة، في فيلمه، مصداقية ما، موثوقية ما، قابلية لتكون إبداعاً خاصاً تسبّب به أسلوبه.

من الطبيعي أن يكون المخرجون الكبار في هذا العالم مصدر إلهام لأجيال أخرى كبرت (سينمائياً كذلك) وتعلّمت بمشاهدة أفلامهم، بدون أن يكونوا مماثلين لهم ونسخاً عنهم

تاريخ السينما ممتلئ بأمثلة على هذه، سابقة لبيلي ويلدر ولاحقة، قد يكون آخرها الأمريكي كوانتين ترانتينو وأفلام عدّه له، وهو لا يخفي تأثّره بالإيطالي سيرجيو ليوني وآخرين، هنالك لقطات قد تبدو استنساخية من أفلامهم.
مؤخراً، في مؤتمر صحافي في مهرجان كان السينمائي، سُئل الفلسطيني إيليا سليمان عن «محاكاة» أفلامه (الأربعة) لأعمال المخرج الفرنسي جاك تاتي (المتشابهة أسلوبياً)، وكان رد سليمان نموذجياً في ذلك، أقتطعُ منه التالي: أنا أكنّ له كل الإعجاب، لكن أياً من أعمالي لم يكن بوحي منه». قد يكون السؤال (عن تاتي لسليمان) متوقَّعاً في مهرجان فرنسي، وإن كان لدى الأمريكيين تشبيهاً آخر متوقَّعاً يعود إلى المخرج الأمريكي بستر كيتن.
لدى سليمان أسلوبه الخاص، تأثيراته الخاصة على سينمائيين فلسطينيين، لنقل أنّ له في السينما تأثير محمود درويش في الشعر. لكنّه، سليمان، واعٍ تماماً لطبيعة تأثّره بأفلام لجاك تاتي أو بستر كيتن أو آخرين، إذ يؤكّد هنا إعجابه بتاتي، ثم يفصل شغله السينمائي عن شغل تاتي المختلف تماماً كما أراه. لا أميل إلى استسهال التشبيه بين مخرج وآخر فقط لأن كليهما مقلٌ الكلامُ في أفلامه المتركّزة على الإيماءات (حال سليمان وتاتي وكيتن). لم يقدّم سليمان في أي مشهد في أفلامه أيَّ استعارة مقصودة لأي مشهد من أفلام تاتي (حسب مشاهدتي)، فالتشبيه بين الرجلين هنا، لدى مشاهدين وصحافيين، كان شكلياً وحسب، وغير موفّق بالمرّة. لا أرى سليمان يتساءل: كيف أمكن لجاك تاتي أن يفعل ذلك؟ وإن كنت أرى ترانتينو يتساءل: كيف أمكن لليوني أن يفعل ذلك؟ فالحالتان مختلفتان، لدى سليمان وترانتينو. أذكرهما كحالتين متباينتين ومهمتين ومعاصرتين ولكل منهما فيلم جديد وشارك في مهرجان كان السينمائي الأخير.
من الطبيعي أن يكون المخرجون الكبار في هذا العالم مصدر إلهام لأجيال أخرى كبرت (سينمائياً كذلك) وتعلّمت بمشاهدة أفلامهم، بدون أن يكونوا مماثلين لهم ونسخاً عنهم، ويمكن لهم أن يوجدوا أسلوبهم الخاص يستقلون به عن آخرين ويمنح آخرين، من أجيال أخرى لاحقة، فرصة للتأثّر بهم كمصدر إلهام. أقول «يستقلون به» لأنّ للمخرجين مصدر الإلهام الأوّل كانت أساليب خاصة استقلّوا بها عن آخرين، فلكل من هؤلاء الكبار، أسلوبه الخاص والمستقل عن غيره: بيرغمان، تاركوفسكي، ويلز، أنطونيوني، فيلّيني، بونويل، هيتشكوك، لينش، غودار، ألمودوفار، كوروساوا، كوبريك، وغيرهم كثر. إذ لا يشبه أيٌ من هؤلاء الآخر، لكل منهم أسلوبه (ومواضيعه وتقنياته ورؤاه) السينمائي.
قد يسأل كثير من السينمائيين متأثّرين بمعلّميهم: «ما الذي كان سيفعله؟» ما أفضّله أنا هو جهل السينمائي بتأثير «معلّمه» أو بوجوده (أو بقتله كـ»أب»)، أو – أفضَل- عدم منح هذا المخرج أو ذاك رتبة «المعلّم» ذات التواضع الزائف غالباً، وذات الغاية التسلّقية أحياناً، وأنحاز لما قاله إيليا سليمان في المؤتمر الصحافي ذاته: «لا يمكن للإلهام أن يصدر عن شخص واحد فقط، بل إن السّحر فيه هو أنك لا تدرك مصدره بالتحديد».

٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية