بغداد-“القدس العربي”: كشفت إحصائيات حكومية وحقوقية ودولية حديثة، أرقاما مفزعة عن العديد من مظاهر التدهور الاجتماعي في العراق، أبرزها ارتفاع حالات الطلاق والانتحار والبطالة والفقر وفشل التعليم وغيرها من الأزمات المزمنة، التي تعكس الانهيار الشامل للمنظومة الاجتماعية منذ 2003 وحتى الآن.
ففي حالات الطلاق، كشف “مرصد الحريات للدفاع عن المرأة المعنفة” (منظمة مستقلة) عن ارتفاع كبير في حالات الطلاق هذا العام.
ونقل المرصد، الإحصائيات الرسمية الصادرة من مجلس القضاء الأعلى، التي أشارت إلى أن نسب الطلاق في العراق في النصف الأول من سنة 2019 بلغت 33970 يقابلها 149459 حالة زواج، فيما بلغت حالات الطلاق في سنة 2018 في حدود 73569 حالة طلاق يقابلها 245296 حالة زواج في بغداد والمحافظات العراقية باستثناء محافظات إقليم كردستان، وبارتفاع عن عدد الحالات في سنة 2017 التي بلغت 49328 حالة طلاق يقابلها 262007 حالة زواج.
وعبر المرصد عن “تخوفه من ارتفاع حالات الطلاق في نهاية العام الحالي وتسجيل نسبة تتجاوز الحد المعقول، بعد ارتفاعها في السنوات الأخيرة”.
وحسب إحصائية أخرى للمحكمة الاتحادية، فقد “تم تسجيل أكثر من ثلاثين ألف حالة زواج في عموم المحاكم العراقية خلال شهر تموز/يوليو الماضي، بينما سجلت أكثر من سبعة آلاف حالة طلاق” أي أن حالات الطلاق شكلت ما نسبته الخمس قياسا بحالات الزواج.
كما سجلت المحاكم أكثر من أربعة آلاف حالة طلاق خلال شهر حزيران/يونيو الماضي.
وهذه الإحصائية للمحاكم لا تشمل حالات الطلاق في إقليم كردستان شمال العراق.
وقد عزا قانونيون وخبراء، تصاعد معدلات الطلاق في العراق، إلى جملة أسباب منها تدهور أوضاع الأسرة العراقية اقتصاديا، وتدخل رجال الدين في تفريق الزوجين خارج المحاكم الحكومية، وتأثير وسائل الاتصالات الحديثة وأسباب أخرى.
وللأسف فان ارتفاع حالات الطلاق لا يعد المؤشر الوحيد على تدهور أوضاع المجتمع، بل هناك العديد من الظواهر الغريبة والشاذة التي تعاني منها العائلة العراقية حاليا.
الانتحار
وفي المجتمع العراقي الذي كان الانتحار فيه قليل الوقوع رغم كل الظروف الصعبة التي مرت عليه، كشفت مفوضية حقوق الإنسان، عن ارتفاع في عدد حالات ومحاولات الانتحار في البلد خلال العام الجاري.
وأعلن عضو المفوضية فاضل الغراوي في بيان إن “عدد حالات ومحاولات الانتحار من بداية عام 2019 ولغاية الأول من أيلول/سبتمبر بلغت 274 حالة لعموم محافظات العراق”. وكذلك ذكرت إدارة مستشفى الشيخ زايد في بغداد، انها انقذت 60 شخصا حاولوا الانتحار خلال شهر آب/اغسطس الماضي فقط.
وكان المتحدث باسم شرطة السليمانية، كوسرت أحمد، أعلن عن تسجيل أكثر من مئة حالة انتحار خلال العام 2017 لافتا إلى أن أغلبها تمت بسبب الأزمة المالية التي يمر بها الإقليم.
وقد أدى تصاعد حالات الانتحار إلى إطلاق دعوات لبحث هذه الظاهرة وتحديد أسبابها ووضع الحلول لها، ومن ذلك تأكيد ممثل المرجعية الدينية في النجف عبد المهدي الكربلائي، خلال خطب صلاة الجمعة: “أن الانتحار أصبح ظاهرة ومشكلة” منوها إلى أن “ذلك يؤشر إلى وجود خلل مجتمعي وخلل في مؤسسات الدولة”. وشدد على ضرورة “الاهتمام ببناء القيم والمعنويات للإنسان العراقي”.
وتعزو الجهات المطلعة، أسباب تصاعد حالات الانتحار إلى مشاكل اجتماعية وضغوط نفسية والبطالة وتفشي حالة الإحباط من امكانية حصول تغيير أو إصلاح في أوضاع البلد.
الفقر والبطالة
وعن الفقر والبطالة كشف وزير التخطيط نوري الدليمي، في تصريح صحافي ان “نسبة الفقر بلغت 20.5 في المئة لعام 2018 واحتلت محافظة المثنى الأعلى بنسبة الفقر إذ بلغت 52 في المئة”.
ونوه الوزير إلى أن “نسبة الفقر خلال السنوات السابقة كانت 23 في المئة في عام 2007 وانخفضت إلى 19 في المئة في عام 2012 لكنها ارتفعت إلى 23 في المئة عام 2014 نتيجة أحداث داعش وانخفاض أسعار النفط، بالمقارنة مع 28 في المئة عام 2004”.
وأدعى الدليمي “انخفاض معدل البطالة في العراق خلال عام 2018 إلى 14 في المئة، إلا أنه أقر أن “معدل بطالة الشباب بلغ 19 في المئة في العام نفسه، وهي الأعلى نسبيا مقارنة بالمعدل الوطني”.
ويعتقد المطلعون أن حجم البطالة الحقيقي هو أكبر بكثير من الأرقام الرسمية المعلنة.
فشل العملية التربوية
وإذا كان الجميع يتفقون على أن التعليم هو أهم ركائز البناء الاجتماعي السليم، فإن العراقيين يدركون الآن فشل العملية التعليمية منذ 2003.
فقد كشف الجهاز المركزي للإحصاء، أن عدد التلاميذ المتسربين في المدارس الابتدائية بلغ 131 ألفا و468 تلميذا وتلميذة في العام الدراسي 2017-2018.
كما اصيب التعليم في العراق بارتفاع نسبة الرسوب في الامتحانات النهائية، وهو ما اعترف به وكيل وزارة التربية السابق نهاد الجبوري، عندما كشف عن إحصائية تفيد برسوب مليون و400 ألف طالب وطالبة في مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والاعدادية خلال عام دراسي واحد، رغم أن العراق قد يكون البلد الوحيد في العالم الذي فيه ثلاث أدوار امتحانات.
وكان الواقع المزري للتعليم، مبررا لإطلاق عدة جهات، تحذيرات من خطورة تدهور هذا المرفق الحيوي، حيث دعا ممثل المرجعية الدينية أحمد الصافي في إحدى خطبه، أهل القرار إلى تدارك إصلاح التعليم في العراق قبل ان “نحاصر بجيل لا يحب بلده” مشيرا إلى وجود “غفلة وعدم استشعار بهذه الخطورة والبعض لا يكترث ولا توجد آذان صاغية وهناك تصدع في المجتمع وراؤه عوامل عدة قد تخلف حالة فوضى”. وشدد على أن “الإهمال في التربية تسبب في عيش الأسر حالة من التفكك، بسبب افراغ عقول أبنائهم”.
وأكد السياسي والمفكر نديم الجابري، على أن “السياسات العامة للحكومة تسببت في تراجع التعليم في العراق”. وقال في حديث تلفزيوني “إن هناك طريقة ممنهجة لتدمير التعليم في العراق” مشيرا إلى وجود متنفذين يملكون مدارس أهلية دمروا التعليم الحكومي، وكاشفا أن التعليم العالي في العراق خرج، ولأول مرة، عن التصنيف الدولي وأن دول العالم لم تعد تعترف بشهادات خريجيه.
وتشير منظمة “هيومان رايتس ووتش” الدولية، إلى أن “التعليم الأساسي في العراق يمر بأسوأ حالاته، وهناك 14 ألفا و658 مدرسة، تسعة آلاف منها متضررة، و800 طينية البناء، وأن هناك حاجة إلى 11 ألف مدرسة جديدة”.
الجريمة في العراق
وتصاعدت الجريمة المنظمة (قتل، خطف، سرقة) في البلد لأول مرة في تاريخه الحديث، حيث صنف “مؤشر الجريمة العالمي” (نامبيو) العراق من بين الدول التي تشهد ارتفاعاً في معدل الجرائم لعام 2019.
وكشف المؤشر في تقريره السنوي، أن “عدداً من الدول العربية والافريقية أبرزها مصر والمغرب والجزائر تصدرت قائمة الأعلى بمعدل الجرائم تلتها سوريا ثم العراق في قائمة أخطر دول العالم في جرائم قتل وتعذيب واغتصاب الأطفال والقتل العمد والسرقة إضافة إلى الجرائم الأسرية والانتحار”.
وضمن الجرائم الاجتماعية الإتجار بالبشر، إذ كشف المرصد العراقي لضحايا الإتجار بالبشر، عن خمس عشرة شبكة إتجار بالبشر في بغداد والمحافظات تستدرج النساء وتستغل كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة والفتيات دون السن القانوني. في مؤشر خطير على ظواهر جديدة تعكس حجم انهيار المجتمع. وقال تقرير للمرصد إنه وثق 15 شبكة إتجار بالبشر في بغداد وعدد من المحافظات، تعمل على استدراج النساء للعمل ضمن شبكات الدعارة، واستغلال كبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة خلال كانون الأول/ديسمبر 2018 وحتى كانون الثاني/يناير 2019 فضلا عن تجارة الأعضاء البشرية وتهريب العمالة الأجنبية. كما وثّق المرصد وجود شبكات إتجار بالبشر في البصرة وأربيل.
المخدرات
وأغرقت مدن العراق بشكل مخيف بعد 2003 ومصدرها الرئيسي هو إيران، فتقوم شبكات محلية مرتبطة بأحزاب سياسية وميليشيات بترويجها، ولا يمر يوم إلا ويتم إلقاء القبض على تاجر أو ناقل أو متعاطي للمخدرات بأنواعها سواء داخل المدن أو عند النقاط الحدودية بين العراق وإيران.
وكانت مفوضية حقوق الإنسان في العراق، كشفت نهاية عام 2018 عن إحصائية تظهر مستوى إدمان المخدرات في العراق (المثبتة رسميا فقط) وأشارت إلى أن الذكور أكثر تعاطيا لها وبواقع 6672 موقوفا في مراكز الاحتجاز، أما الإناث فعددهن 134 موقوفة.
والغريب انه رغم الواقع المأساوي الذي وصل إليه المجتمع العراقي فان العديد من المسؤولين ما زالوا يعلنون عن انجازات تحققت في عراق ما بعد 2003 ومن ذلك إعلان قائد حزب الدعوة ورئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي، بانه “لولا حزب الدعوة لما كان هناك شيء اسمه العراق”!
ومما لا شك فيه، ان التدقيق البسيط في الإحصائيات والأرقام المرعبة عن انهيار المجتمع، يتوصل إلى ان المشكلة ليست فقط في وجود منظومة الفساد المتحكم في كل جوانب المجتمع من أجل نهب مقدرات البلد، أو الفشل في إدارة الدولة منذ 2003 بل أن القناعة لدى العراقيين مترسخة بأن الانهيار الشامل الذي وصلت إليه أوضاع بلدهم هو برنامج شامل تنفذه قوى داخلية وخارجية، تلتقي بعض أهدافها الخبيثة على تدمير أسس البناء الاجتماعي والتربوي من أجل خلق أجيال مدمرة لا تهتم بالبناء الاجتماعي السليم والوطنية والإنسانية، لكي لا تقوم لهذا البلد قائمة في الحاضر والمستقبل. وبالتالي فإن وجود العراق كدولة ومجتمع مهددة بخطر حقيقي لن يتم تجاوزه إلا بثورة إصلاحية عارمة تقتص من رموز الفساد والخراب والفشل.