سيظل سؤال الأصل، أحد أهم الأسئلة التي تتمحور حولها الخطابات، بمختلف اختصاصاتها ومرجعياتها الفكرية والفلسفية. وهي أهمية لا تنحصر فقط في امتياز التساؤل عن إشكالية شائكة، ومنغلقة على أسرارها الغامضة، بقدر ما تمتد إلى مستوى ذلك الانجذاب الفطري والطبيعي، الذي يتميز به الكائن، تجاه الحيثيات الملازمة لظهور الشيء أمام أنظاره، بحثا عن السبب/الأصل المباشر أو اللامباشر، المؤدي إلى حضوره أو غيابه. إما في صيغة فكرة، صورة، أو صوت. بصرف النظر عن هويته وفضاءات انتسابه.
ومن المؤكد أن هذا الانجذاب الفطري، يتمحور أساسا حول القضايا العامة والعملية، التي تواجه الغالبية العظمى من الشرائح المجتمعية في حياتها اليومية. ذلك أن ردود أفعالنا تكون عادة منسجمة مع حدود معرفتنا بالخلفيات الكامنة خلف الأفعال/ الذوات /القيم، التي نكون مطالبين ومعنيين بالتفاعل معها، سلبا أم إيجابا.
لكن ضمن هذا الانجذاب العام، يمكن الإشارة إلى ما يمكن توصيفه بالانجذاب الخاص، وهو المتعلق بالإشكاليات النظرية الفكرية والعلمية، التي تستقطب أساسا اهتمام النخب المختصة، باعتبار أن الاشتغال بها يستدعي مبدئيا توافر قدر لا يستهان به من المؤهلات الفكرية والمعرفية. وبالنظر إلى حساسية هذا الشرط، فإن الإشكاليات المتميزة بتمنعها عن البوح بـ«أصولها» وبالأسباب والعلل الفاعلة في وجودها، تظل نسبيا في جهة مهملة من دائرة اهتمام العامة بفعل افتقارهم إلى هاجس التساؤل النظري. لكن بدون أن تغادر دائرة اهتمامهم ككل، والمتسم عادة بطابعه الفضفاض والهلامي. ففي ظل عجز هذه الشرائح عن مقاربة الإشكاليات المعقدة عقلانيا، على غرار تلك المندرجة في خانة أصول الظواهر والأشياء، تحضر تأويلات موازية تقترحها علينا السلط الدينية، أو العرفية. هدفها أولا، إسعاف المتسائل، بمقولات ثابتة ومسكوكة. تعفيه من مشقة البحث والتفكير. وثانيا، إشعاره بمحدودية طاقة العقل البشري، في الكشف عن خبايا وحقائق، تقع في حكم الغيب. حيث ليس له سوى أن يصرف انتباهه عنها جملة وتفصيلا، تلافيا لتورطه في متاهات يندرج فهمها واستيعابها ضمن خانة القوى المتعالية عن الإرادة البشرية.
والملاحظ أن الإنزال الصارم الصادر أساسا عن المرجعيات الدينية في هذا الإطار، لا يهدف فقط إلى تقديم الأجوبة الشافية، التي تستأنس بها العامة في تساؤلها عما قل من الأصول المركزية والكبرى، بل إنه فضلا عن ذلك، يتضمن نبرة إنذارية وتهديدية موجهة ضد المتشككين في حقائق هذه الأجوبة. وكما هو واضح، فإن القضية الأساسية التي تعنينا هنا، هي حالة التوجس الذاتي والجماعي، الملازمة للمنهجية المتطلعة إلى تأطير الأصل واستكناه جذوره، وهي حالة تنسحب على العامة، كما تنسحب على الخاصة.
فبالنسبة للشريحة الأولى، فإنها رغم استعدادها الفطري للامتثال إلى أوامر السلط التوجيهية، التي يمارسها عليها كل من النص الديني، والنص العرفي. وأيضا رغم قابليتها اللامشروطة للاقتناع بما تتلقاه عنهما من تعليمات، إلا أن تساؤلاتها تظل محتفظة في قلب الصورة بهامشها المضمر والمبطن، علما بأن الحضور الدائم والضمني لطيف السؤال، يعمق لدى المتسائل حالة الخوف المشوب، بما يشبه الشك المتطلع خفية إلى التعرف عما تخفيه السلط المتعالية من أسرار، لا تني تلقي بظلال تطوافها على كعبة الأصل. علما بأن تفاقم الشك، قد يفضي إلى بوح، يعتبر في نظر العرف ضربا من «التجديف» الذي يستحث رموز السلط المتعالية، على التسريع باستئصال جذوره، مهما كلفها ذلك من ثمن.
ملحاحية طرح السؤال، الحاضرة بقوة لدى النخب، تشكل تهديدا مباشرا للقلاع الرسمية المتخصصة في إصدار الفتاوى الخاصة بحقائق الأصل، لذلك سيكون من الطبيعي، أن تستهدف بالمتابعة والمراقبة، اللتين تعتبران تمهيدا محتملا لمستويات متقدمة من العنف المادي والرمزي.
ولنا في تاريخ المسارات العقدية والسلطوية، خير دليل على هذا القول، حيث يتربص السحل بأنفاس كل المتورطين في النبش عن أصل الظلال المناوشة لصفاء الصورة، التي ليست في نهاية المطاف، سوى ظلال متمردة، مسكونة بالسؤال العاق المنافي لطقس الكتمان.
أما بالنسبة للنخب، فإن الأمر يأخذ مسارا أكثر جذرية، حيث تقترن لديها منهجية السؤال، بمنهجية البحث، وإنجاز المنهجيتين معا، يستدعي تسليط الإضاءة المعرفية على جماع التفاصيل، التي تنبني بها الأنساق. مع العلم أن هاجس التعرف، يحتل مركز الثقل في الأولويات المطروحة على هذه الشريحة، ما يستبعد أي تجاوز أو تأجيل، لما قد يشكل التباسه عقبة في طريق بناء النسق، لذلك فإن عقلانية استبعاد الملتبس، هي الوجه الآخر لمشروعية استشراف المجهول، كي يصبح معلوما وواضحا. بصرف النظر عن هوية هذا المعلوم، التي يمكن أن تحيلنا على الأسباب المؤثرة في الالتباس. كما يمكن أن تحيلنا مباشرة، على صورة الأصل التي كانت إلى حين، محتجبة وغائمة.
ومن المؤكد أن ملحاحية طرح السؤال، الحاضرة بقوة لدى النخب، تشكل تهديدا مباشرا للقلاع الرسمية المتخصصة في إصدار الفتاوى الخاصة بحقائق الأصل، لذلك سيكون من الطبيعي، أن تستهدف بالمتابعة والمراقبة، اللتين تعتبران تمهيدا محتملا لمستويات متقدمة من العنف المادي والرمزي. وفي أحسن الأحوال، السعي المدبر إلى تأجيج نار الخلاف المعرفي في مضاربها، والمفضية إلى الضياع التام لصورة الأصل، بين ما لا يحصى من التكهنات، كي يظل محتفظا بقداسته وصفائه لدى المؤسسات الوصية على ديمومة احتجابه، أو على النقيض من ذلك، بالإمعان في تشظيته وتفكيكه، بما يطيح بعروشه المتعالية ويحوله إلى مجرد أثر بعد عين.
تصاعد حدة هذه المضاربات وتجاوزها لمنطق الاختلاف إلى بؤس الاختلال، يعصف بإمكانية صياغة أي رؤية عقلانية، يراعى فيها الحد الأدنى من الموضوعية تجاه الأصل. يمكن ملامسة ذلك الالتباس الكبير في المجال الإبداعي، حيث لم تفلح عقود تحديثه الطويلة، في تخليصه من عقدة الأصل، استنادا إلى مقولات التناص بمختلف مشاربها، والمراوحة بين لعبة استحضار الأصل الغائب، وتشظيته بين نصوص أخرى محايثة. ما يوحي باستحالة الإبداع خارج ما هو موجود سلفا. كما لو أننا فقط بقوته يمكن أن نبدع أشياء جديدة. ربما بفعل كوننا محاطين بالعدم من كل حدب وصوب.
العدم الذي يتلذذ بفضح عجزنا عن خلق شيء ما، مهما كان بسيطا، جزئيا وعابرا. وبالتالي، فإن حدود اشتغالنا تظل جد مقننة بما سبق الاشتغال عليه من قبل، أي ذلك الأصل، الحاضر ضدا على رؤيتنا المتمردة في تضاعيف ما ندعي إبداعه.
٭ شاعر وكاتب مغربي