الجزائر اليوم وجسد الثقافة السقيم

حجم الخط
0

أُعلن أخيراً في الجزائر، عن انتخابات رئاسية قبل نهاية السنة، مع أن الجو العام لا يوحي أن الناس مستعدون للذهاب إلى الصناديق، لكن القرار بات واقعاً، ومهما كان اسم الرئيس المقبل، وبغض النظر عن انتمائه، سوف يصطدم بورشات عدة، قصد تصليح ما أفسده النظام السابق، في العشرين سنة الفارطة. سيكون الرئيس المقبل ملزماً بترميم الحال السياسي، والنظر في القوانين والنصوص، ومطالباً بكسب ثقة الشعب ـ وهو أمر قد يتعذر عليه ـ وإصلاح الاقتصاد، وإنقاذ الدينار مما وصل إليه، لن تكفيه خمس سنوات، كي يفعل كل شيء، ولا شك في أن الثقافة سوف تكون في ذيل الاهتمامات، فهي ليست خبزاً يقتات منه الناس، ولا نفطاً يدر المليارات على الخزينة، وحالها بلغ سقماً وطوقته الأمراض، وسيكون علينا انتظار سنوات أخرى، كي نشرع بابها، وكل محاولة في تقويم ما اعوج تحتاج إلى سنوات أخرى من الترقب، وقد يجب علينا أن ننتظر عقدين آخرين كي نبني ما تهدم منذ 1999 إلى الآن.
استهلك الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة ثمانية وزراء ثقافة، وجعل من الثقافة مرادفاً للهرج والصخب ومهرجانات تبتلع الميزانية، بدون أن تعود بالفائدة على المواطن، مد يديه إلى قوانين أساسية في الكتاب والسينما والتراث، كسب لطف مثقفين، توددوا له، ومنهم من كتب شعراً في مدحه، وآخرون كتبوا كلمات أغانٍ، كما لو أنه واحد من أبطال الميثولوجيا الإغريقية، ونفر منه كثيرون، فضلوا الانعزال أو المنفى، بدل الخوض في المدائح المجانية، وتشويه سيرهم. يُحسب له أنه ضاعف ميزانية الثقافة، ولكن ليس حباً في الثقافة، بل كي يحولها إلى وسيلة للترويج له، ونجح في الدفع بهذا القطاع في حملاته الانتخابية، لقد كانت الثقافة ساقية أطالت من عمره في الكرسي، لكن في النهاية حوّل مجراها، وهو ما سوف نأتي على ذكره، ويلزمنا عقدان أو يزيد، كي تستعيد الثقافة في الجزائر دمها.
في السنوات الأخيرة، صارت «الرقابة» أمراً عادياً، في الجزائر، ابتذلها النظام السابق وجعل منها أمراً مقبولاً، بقوة القانون والتحايل على التشريعات، ومن بين القوانين الحساسة، التي جعلت الجزائر بلداً منغلقاً على نفسه، هو قانون الكتاب، الذي أعاد الاحتكار للحكومة، في صناعة الكتاب واستيراده وتوزيعه، وتحول الناشرون المستقلون إلى أسماك صغيره يبتلعها حوت الحكومة، سلبت منهم صلاحيات وانقلب القانون ضدهم، ولا يختلف اثنان، في أن قانون الكتاب، الذي عُرض للمرة الأولى، قبل ست سنوات، ثم وافق عليه البرلمان، بدون أن يأخذ الوقت الكافي في المناقشة، والذي يمنع النشر والتوزيع وتلقي الكتاب، أو استيراده بدون الحصول على ترخيص، لم يكن سوى وثيقة أولية، قصد ردم سوق الكتاب في البلد، وبسط يد وزارة الثقافة، على كل ما يطلع من المطابع، وما يأتي من خلف الحدود. أمام هذا الاحتكار، تقلصت الحرية الفكرية، بل بلغ الأمر أن سمعنا محافظ الجزائر الدولي للكتاب يفتخر، في ندوة صحافية، بمنع كتب، من بينها كتب لمؤلفين جزائريين، افتخر أنه طبق تعليمات الرئيس، ولم يبال أنه يدوس حق المواطن في المطالعة.
كما أن هذا القانون يقف حائلاً دون التفكير، مستقبلاً، في استثمارات ثقافية بين ناشرين جزائريين ونظراء لهم من عرب أو أوروبيين، والأمر المحير في هذا القانون أنه تم سنه، بدون الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات أو شكاوى الفاعلين في سوق الكتاب، فقد سلك النظام الأسبق خطاً تعسفياً في تعامله مع الثقافة، يدعي أحياناً الإصغاء، بتنظيم ورشات ولقاءات، ولكن مسودات القوانين تأتي عكس ما انتظره الفاعلون في ذلك المجال، ويتعامل مع الكتاب كما لو أنه من الكماليات مثل، الفواكه المدارية أو الأجبان الفرنسية.

 الحراك الشعبي، الذي تشهده الجزائر منذ فبراير/شباط الماضي، ولا يزال مستمراً، هو لحظة سينمائية بامتياز، وهناك من المخرجين من يوثق له كل أسبوع، لكن سيتعذر عليهم أن تتحول صورهم إلى أفلام في حال رفضت الوزارة الترخيص بذلك.

إن التحرر من سنوات الجماد، التي عرفها البلد في العشرين سنة الماضية، سيأتي من تحرير الكتاب، وإتاحته للقارئ، وعدم ممارسة وصاية على عقله. هل سوف يفكر الرئيس القادم في تعديل هذا القانون؟ نستبعد ذلك، وعليه تظل مقاومة الناشرين المستقلين (الذين لم يعترف بهم قانون بوتفليقة) شرطاً في خيار التغيير.
العام الماضي، منعت وزارة الثقافة فيلماً عن الشهيد العربي بن مهيدي، ورغم أهمية الرجل في تاريخ الجزائر الحديث، فقد أصرت على موقفها، ووجد منتج العمل نفسه مكتوف اليدين، بحكم أن قانون السينما يقف إلى جانب وزارتي الثقافة والمجاهدين، ويمنحهما صلاحيات كاملة في الترخيص، أو منع أي فيلم، فهذا القانون يحول السينما إلى صنعة احتكارية، بين يدي الحكومة، ينظر إليها في نصه على أنها «نشاط تجاري»، بينما أرقام الوزارة نفسها تخالف ذلك الرأي، حيث تشير الأرقام الرسمية، إلى أن الجزائر بأكملها لا تتوفر سوى على 342 قاعة عرض، 90٪ منها ورثتها من الوجود الفرنسي، وما هو متاح للجمهور (في بلد يتجاوز تعداد سكانه 40 مليون نسمة) ليس أكثر من 80 قاعة عرض، كيف تصير السينما نشاطاً تجارياً في غياب الصالات؟ هذا القانون الذي يتيح للحكومة منع أي فيلم من العرض، يتضمن مواد ضبابية، يصعب تأويلها، مثلاً يشير في واحدة من الفقرات إلى منع تمويل أفلام تسيء للأديان ولثورة التحرير، بدون أن نعرف ما هي حدود «الإساءة» أو ما هو المقصود منها؟ ما يعزز من سلطة الرقابة في تأويل القانون على مقاسها، ومنع أو السماح لفيلم بالعرض طبقاً لمنطقها الذاتي. لذلك شاهدنا قبل عام غلق قاعة سينما (زينات) بتهمة عرض فيلم تم تأويله على أنه إباحي، ومنع فيلم آخر من العرض في «أيام بجاية السينمائية»، بدون تقديم مبررات. والأغرب في هذا القانون أنه يمنع أفلاماً يقول أنها «تمس النظام العام»، فهل الفن يخل بالنظام العام حقاً؟
إن الحراك الشعبي، الذي تشهده الجزائر منذ فبراير/شباط الماضي، ولا يزال مستمراً، هو لحظة سينمائية بامتياز، وهناك من المخرجين من يوثق له كل أسبوع، لكن سيتعذر عليهم أن تتحول صورهم إلى أفلام في حال رفضت الوزارة الترخيص بذلك.
قبل شهرين ونصف الشهر من بدء الحراك الشعبي، الذي أطاح بالرئيس الأسبق، نشرت مجلة «ساينس» الأمريكية تقريراً يُفيد باكتشاف أدوات حجرية وعظام حيوانات، تعود إلى 2.4 مليون سنة، شرق الجزائر، آنذاك كانت الحكومة بصدد التحضير لعهدة خامسة لبوتفليقة، ووجدت في ذلك الاكتشاف فرصة لها، كي تنسبه للرئيس، وحصلت انقسامات بين الباحثين، بين من أستلذ إرضاء الرئيس، ومن عارض، وكادت الخلافات أن تتعاظم لولا أن بوتفليقة رحل قبل موعد انتخابات إبريل/نيسان الماضي. الباحثون في عصور ما قبل التاريخ، في الجزائر، لا يزاولون عملهم بحرية، ينتظرون إشارة من الحكومة قبل الشروع بأبحاث أو الكشف عنها، ولا يحق لهم نسبتها إلى جهة ما، بدون أن يحصلوا على ترخيص من جهات أعلى.
في خضم هذا السقم الثقافي، وغلق الباب أمام المبادرات المستقلة، تتهيأ الجزائر لانتخاب رئيس جديد، قبل نهاية العام، بدون الحديث عن المؤسسات الثقافية، في مدن البلاد الداخلية، التي صارت مؤسسات بيروقراطية، وتصليح الحال لا يبدو من الأولويات، صحيح أن بوتفليقة رحل لكن قوانينه تظل ـ للأسف ـ سارية إلى ما لا نعلم!

٭ كاتب من الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية