يبدو أن الشعب التونسي قد اختار مرة أخرى أن يكون وفيا لميزة “مراوغة” النخب و “تكذيب” التوقعات. فقد فتح باب “الربيع العربي” في الوقت الذي كان الجميع بمن فيهم أشد المعارضين رفضا لنظام بن علي يعتبرون نظامه مستقرا ويبحثون عن بعض أشكال “التوافق” معه. وعلى امتداد السنوات الأخيرة وصل الشعب التونسي إلى حافة الهاوية من دون أن يقطع شعرة معاوية ويفتح الباب أمام الفوضى. ولا شك أن “وفاء” الشعب التونسي لهذه الميزة لا يكفي لوحده لتفسير نتائج الدور الأول من الانتخابات الرئاسية. ذلك أن النتيجة التي كان لها فعل الصدمة على الطبقة السياسية لها أسبابها السياسية المباشرة والسوسيولوجية العميقة. ففي السياسة سبقت هذه “الصدمة” وقائع لم تعرها الطبقة السياسية اهتماما وتجاهلتها. يمكن في هذا الإطار الإشارة إلى التراجع اللافت في نسب التصويت التي كان أدناها في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي لتشهد هبوطا متواصلا في انتخابات 2014 الرئاسية والتشريعية وفي الانتخابات البلدية لسنة 2018 وأخيرا في الدور الأول للانتخابات الرئاسية. تساوق هذا التراجع مع صراعات جانبية عاشتها الأحزاب السياسية وجعلتها تعيش انقسامات و”تجاذبات” لا علاقة لها بمشاغل التونسيين والتونسيات. وقد أدارت الطبقة السياسية ظهرها للشعب التونسي بعد أن أغرقته في وعود برخاء سريع وبجنة أرضية تملك مفاتيحها، ولكن زين العابدين بن علي كان يمنعها من استعمالها. هذه الوضعية التي تزامنت مع تنامي الحديث عن تنامي الفساد وضلوع النخب السياسية في الزبونية والفساد واستغلال النفوذ إلى جانب عجز واضح عن حلحلة الأوضاع وهو ما يعني بالنسبة لقطاعات واسعة من التونسيين والتونسيات في أفضل الحالات إعادة إنتاج نظام ما قبل 14 كانون الثاني/يناير 2011.
وجهت الاحتجاجات الشعبية والاعتصامات رسالة للنخب لكنها لم تلتقطها، كما لم تلتقط نتائج الانتخابات التشريعية الجزئية في ألمانيا التي هزم فيها مرشح “هامشي” نجل رئيس الدولة وتعامت عن سيطرة المستقلين على الانتخابات البلدية. وأبدت الطبقة السياسية التي هيمنت سواء كانت في السلطة أو المعارضة صمما غير مفهوم في التقاط ما وجهته لها فئات واسعة من المتعلمين وصغار الفلاحين و “المهمشين” ولم تحسن قراءة مظاهر الإحباط والتبرم التي عبر عنها شبان وكهول وشيوخ تدهورت وضعياتهم عوض ان تتحسن أو على الأقل تبقى كما كانت قبل رحيل بن علي. وإلى جانب هذه العوامل فإن “ارتباك” الأحزاب السياسية في الإعداد للانتخابات الرئاسية يفسر بعض أسباب “الدش الاسكتلندي” ويفسر سبب تقدم قيس سعيد ونبيل القروي. لم يعلن مهدي جمعة ويوسف الشاهد وعبد الكريم الزبيدي وعبد الفتاح مورو عن ترشحهم إلا أسابيع معدودة قبل انطلاق السباق في حين كان نبيل القروي وقيس سعيد يستعدان لهذا الموعد منذ سنة 2016 وان كانا قد اعتمدا أسلوبين مختلفين في ما بينهما وعن بقية المترشحين. وهناك نقطة أخرى ذات علاقة بالحقل السياسي يمكن ان تفسر النتيجة الحاصلة وتتمثل في تراجع مصداقية الإعلام السمعي نتيجة “ممارسات” حكومة يوسف الشاهد مع الإعلام العمومي والتي تعيد التذكير بـ”براديدغم” بن علي في توظيف الإعلام لإنتاج خطاب إيجابي عن السلطة وقنوات إذاعية وتلفزيونية خاصة توجهها حسابات مراكز قوى ونفوذ. ويعتبر أغلب التونسيين أن بعضها كقناة “الحوار التونسي” يلعب دورا في نسف منظومة القيم التي تسند البناء المجتمعي التونسي. هذه المعطيات السياسية متضافرة هي التي تفسر “رصاصة الرحمة ” التي أطلقها الناخبون التونسيون على طيف واسع من السياسيين الذين يتوزعون على الخريطة السياسية من اليمين إلى اليسار ولكن فقدوا القدرة على تقديم حلول حقيقية لأبسط مشاكل التونسيين. وهذا يعني ان ما حصل يوم 15 أيلول/سبتمبر الجاري لا يختلف في دلالاته عن الذي حصل يوم 11 كانون الثاني/يناير 2011 من حيث التعبير عن وصول منظومة إدارة الشأن العام إلى منتهاها ومن حيث التطلع إلى تغيير حقيقي. وقد يبدو ما حصل يوم 15 أيلول/سبتمبر 2019 أعمق في دلالته وتداعياته لأنه قد يتجاوز مستوى الرغبة في إحداث قطيعة مع المنظومة والنسق إلى إحداث قطيعة مع المنظومة التي أدارت أهم مفاصل اللعبة السياسية منذ استقلال البلاد في اذار/مارس 1956. ومن هذه الزاوية يمكن التوقف عند بعض جوانب “الجاذبية الانتخابية ” عند قيس سعيد ونبيل القروي. استفاد الرجلان ولأسباب مختلفة من صمتهما زمن “الثرثرة الانتخابية ” التي مارسها أغلب المترشحين ولم ينجح في تجنبها إلا مهدي جمعة والياس الفخفاح. قيس سعيد قاطع اختيارا وسائل إعلام فقدت الكثير من مصداقيتها ومن ألقها وأما نبيل القروي فقد حرمته إجراءات قضائية أثارت الكثير من الانتقادات حول سلامتها واستقلاليتها من حريته وجعلته يتابع حملته الانتخابية من وراء القضبان. رفض “النخب السياسية” لنبيل القروي وقيس سعيد واستهدافهما ماديا من خلال سجن القروي والسخرية من الاثنين خلق قاعدة للتعاطف معهما لدى فئات واسعة من الناخبين والناخبات. ولا يتوقف الأمر عند التعاطف فقط بل أصبح تماهيا مع شخصين في ملامح شخصيتهما ما يفسر هذا التماهي ويفرضه. من المهم هنا ابراز ما يفسر هذا التماهي. نبيل القروي وقيس سعيد يمثلان ارهاصات قطيعة ممكنة مع نسق أنتج الفشل المتكرر ولم يعد يبحث إلا عن إعادة إنتاج ذاته. طالما لم يبت القضاء نهائيا في التهم الموجهة لنبيل القروي فإنه يتمتع بقرينة البراءة علاوة على انه حتى وان افترضنا جدلا انه مذنب فإن عددا كبيرا من التونسيين تحوم حولهم الشكوك نفسها من دون ان يلاحقهم “سيف القضاء”. نبيل القروي وقيس سعيد متخففان من إرث مواجهة النظام السابق الذي تحول إلى عائق يحول دون نظر الطبقة السياسية للمستقبل وكلاهما يتحرك باستقلالية لافتة تجاه كل الأحزاب، وكلاهما لا يستند إلى عائلة سبقته في ممارسة العمل السياسي ولا يبحثان عن حاضنة جهوية وهو ما جعلهما أقدر على النفاذ إلى أعماق المجتمع التونسي. والرجلان رغم اختلافهما في أشياء عدة يمثلان نموذج نجاح لفئات واسعة من الشباب.
نبيل القروي الذي لم يرث مالا وليس سليل العائلات التي تعتبرها عدة تقارير سبب تعطل الاقتصاد التونسي لأنها تريد بكل السبل احتكاره، استطاع ان ينجح في مجال المبادرة الاقتصادية وان يجعل من قناة “نسمة” القناة الأولى في تونس من حيث نسب المشاهدة علاوة على انه جعل هذه القناة تبتعد عن الابتذال والإسفاف الذي سقطت فيه قنوات أخرى، هذا دون أن ننسى انه قد أعاد للتضامن بين التونسيين بريقه وأقام شبكة صلبة من التفاعل بين الراغبين في مساعدة المحتاجين وهؤلاء الذين لم تتعامل معهم الأحزاب إلا بوصفهم “خزانا انتخابيا” يشترى عند كل موعد انتخابي. قيس سعيد نموذج نجاح المثقف والمتعلم وهو “المتعفف الزاهد” المعرض عن المال العام والرافض للتمويل الأجنبي والاستاذ الذي يتماهى مع آلاف الطلبة والخريجين الذين وقع اقصاؤهم من سوق الشغل ومن قيادة الأحزاب السياسية ومن صدارة المشهد الاجتماعي وهو السياسي الذي ابتعد عن المال السياسي وعن شعوذة شركات اتصال تتوهم ان رجل السياسة هو منتوج معلب لا بد له من مظهر مصطنع حتى يمكن تسويقه. قيس سعيد ونبيل القروي أدركا ان الفعل السياسي انفتح على محددات جديدة من أهمها إلى جانب القرب الحقيقي الذي لا يخلو من التزام عاطفي العامل الجيلي وهو ما جعل قيس سعيد أقرب حسب نتائج التصويت من الشباب ونبيل القروي من الكهول والشيوخ وما يجمع بين الشريحتين هو تنامي الشعور بالهشاشة والخوف من المستقبل.