دخلت تونس في مرحلة جديدة من مسار الانتقال الديمقراطي بتنظيم الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها والتشريعية لسنة 2019. وأكدت مختلف تقارير المنظمات الوطنية والإقليمية والدولية التي راقبت العملية الانتخابية في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية السابقة لأوانها على أن هذه المناسبة استوفت عددا هاما من شروط الانتخابات النزيهة والديمقراطية والشفافة.
ولعلّ المتمعّن في تطورات المسار الانتقالي منذ سنة 2011 يلاحظ بداية حقيقية لتأصيل عميق لمفهوم المشاركة السياسية داخل المجتمع التونسي وحرصا من عدد كبير من المواطنين والمواطنات على القيام بواجبهم الانتخابي في كنف حرية الإرادة والمسؤوليّة. وتجلّت معاني المسؤولية مثلا في سير عملية الاقتراع بشكل طبيعي عموما واعتراف بنتائج الانتخابات منذ 2011 بشكل يقطع مع عقلية التشكيك والمؤامرة.
وتجلّى تأصيل الثقافة الديمقراطية وممارستها في وضع أسس مؤسساتية للانتخابات خاصة الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وقيام منظمات المجتمع المدني بعمل مواطني كبير من أجل توعية المواطنين بقضايا المشاركة السياسية وضمان مراقبة فعلية لسير العملية الانتخابية.
إنها المرة الأولى في تاريخ تونس التي ننتقل فيها من نظام احتكار المشاركة السياسية من طرف منظومة الاستبداد إلى مرحلة جديدة قد تنتج ديمقراطية متكاملة.
ولكن هذه التطورات الايجابية لا يمكن أن تحجب عنّا مشاكل ومخاطر ظهرت على مدى الحملة الانتخابية الأولى من غياب لنقاش عميق حول قضايا البلاد ومستقبلها وغلبة للتجاذبات والعنف اللّفظي الذي كاد يتحول أحيانا إلى عنف مادي. ولا ننسى أن الحملة عرفت تواصلا لمظاهر الاخلال بقواعد الانتخابات من مال سياسي مشبوه ودعاية غير قانونية وعدم احترام للقرارات.
وان عزوف عدد كبير من المواطنين والمواطنات ظاهرة مقلقة زادت من تشكيك البعض في جدوى انتخابات لا يشارك فيها الجميع.
إننا أمام مرحلة مفصلية من تاريخ الانتخابات في تونس تتطلب وقفة جماعية لمعالجة الخروقات وضمان تأسيس نهائي لمنظومة انتخابية تُحترم فيها قواعد دولة القانون، انتخابات لا يقع فيها استعمال الإرادة الشعبية واحتواؤها لصالح من يريدون كسب الغنائم أو من يريدون فقط معاقبة الحاكمين.
نريدها انتخابات تجسد الحق في المشاركة السياسية في جميع أبعاده وتأخذنا على طريق الديمقراطية. ولذلك تقتضي المرحلة أن نعيد التأسيس لثقافة سياسية عميقة تؤمن بمجموعة من القيم والمبادئ مثل دولة القانون والمؤسسات والحريات والعدالة. ثقافة سياسية لا تقتصر على النخب بل تنشر عن طريق التعليم والإعلام وأنشطة الثقافة الشعبية. كما تقتضي المرحلة مواصلة تأسيس منظومة متكاملة سياسية وقانونية تضمن المراقبة والمحاسبة للجميع كما تضمن شعور الإنسان بوجود المساواة والعدالة.
يعيش عالمنا اليوم مجموعة أزمات كبرى بسيطرة التوجهات الشعبوية على السياسة وتفاقم اللاعدالة والتمييز في المجتمعات وإنكار الكونية في الثقافة وغلبة المصالح المتوحشة في الاقتصاد وتنامي نزعة استعمال الحرب والعنف في حل النزاعات محليا وإقليميا ودوليا.
مرحلة الأزمات هذه تطرح أسئلة جوهرية على وجودنا. فهل نحن ذاهبون إلى عالم أكثر إنسانية وكرامة أم نحن ذاهبون نحو مزيد من العنف والإقصاء والتهميش؟
سؤال يعيدنا إلى جواب منظومة القيم ومن بينها قيمة المواطنة. نحن بحاجة في تونس وفي بقية البلدان العربية إلى افتتاح عصر المواطنة الحقّة التي تقوم على الحقوق والحرية والتي تقطع مع ثقافة الاستبداد وتتجه نحو ثقافة الكرامة.
هذا زمن الديمقراطية الذي نسعى إلى تأسيسه. زمن طويل صعب ولكنه السبيل الوحيدة نحو استعادة إنسانيتنا.