كيف خسرت مملكة النفط السعودية حربها قبل أن تبدأ؟

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

ظن الأمير محمد بن سلمان ولي عهد السعودية، الحاكم الفعلي لمملكة النفط، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيهبّ لنجدته بعد ضرب مصافي ومنشآت النفط في أبقيق وخريص، لكن ترامب لم يفعل. وظن بن سلمان أيضا أن ضرب القلب النفطي للمملكة في المنطقة الشرقية، سيحرك العالم، ويقلب الدنيا رأسا على عقب، لكن الأسواق التي اهتزت بعنف لمدة 48 ساعة، لم تلبث أن استعادت توازنها، حتى وإن كان التوازن الجديد عند مستوى أسعار أعلى من السابق. الأخ غير الشقيق لبن سلمان الأكبر منه سنا، الأمير عبد العزيز، الذي انتقلت اليه مؤخرا مفاتيح خزائن النفط السعودية، أسهم في التهدئة عندما أكد للعالم أن الإنتاج السعودي بأكمله سيعود للأسواق خلال أيام قليلة. الآن يصرخ بن سلمان الصغير داعيا العالم لنصرته معلنا أن الاعتداء على السعودية يمثل اختبارا لقوة الإرادة الدولية! هو لا يزال يعتقد أن أحدا سوف ينهض، ويأتي لنصرته والدفاع عنه. لكن يبدو أن ذلك لن يتحقق، وقد باتت مملكة النفط السعودية مكشوفة عاجزة تستجدي الآخرين لحمايتها، بينما طائراتها متفرغة لضرب اليمن، وضباطها وجنودها هناك يلقون حتفهم يوما بعد يوم، وأخيرهم وليس آخرهم كان قائد القوات السعودية في حضرموت، الذي لقي مصرعه مع عدد من جنوده يوم الخميس الماضي. أليس من الأجدى أن تتفرغ هذه القوات الجوية والمدرعة لحماية مملكة النفط وثرواتها، بدلا من قتل الأبرياء في اليمن وتخريب منشآتهم؟

مملكة النفط السعودية، في واقع الأمر، خسرت دعوتها للحرب منذ اليوم الأول؛ فلماذا تقوم الحرب بينما النفط يتدفق من منابع الإنتاج إلى شرايين العالم؟ ولماذا تقوم الحرب، وقد أثبتت عملية ضرب مصافي أرامكو وحقول خريص، أن النفط الذي تدعو واشنطن إلى تأمين مروره في الخليج، من الممكن ألا يتم تحميله في الناقلات، بل يمكن وقف إنتاجه من الأصل؟ ولماذا يكتتب العالم في حرب، هي في حقيقتها مجرد مشروع استثماري لصناعة السلاح الأمريكية؟ ولماذا يشارك آخرون في حرب عدوانية، لا تأخذ في اعتبارها حقائق الوضع في الإقليم، بعد أن شرعت واشنطن قانونا لحرمان إيران من تصدير نفطها، بهدف خنقها وإسقاطها؟ هم جميعهم يعرفون أن تشديد الخناق على إيران، وسياسة (الضغوط القصوى) الأمريكية، يعني ببساطة أن إيران ليس لديها ما تخسره، ولا سبيل أمامها غير المقاومة. إيران في حقيقة الأمر، ليست جديدة على مقاومة العقوبات والحصار السياسي والإقتصادي.

مواقف العالم من الدعوة إلى الحرب واضحة. العقلاء في الصين وروسيا واليابان وألمانيا وفرنسا وغيرها، يصنعون حاجزا قويا ضد انزلاق العالم إلى حرب قد يمتد لهيبها من السعودية إلى الخليج ككل، وربما إلى العالم، حيث توجد الكثير من الحسابات المعقدة، التي تنتظر لحظة للتسوية أو التصفية بطريقة عنيفة، خصوصا وأن العراق هو الآخر يقف على حافة منها.

الحرب فرصة للربح

الرئيس الأمريكي، الذي لا تفوته فرصة لتحقيق أرباح من وراء مملكة النفط السعودية، قال إنه سينتظر نتائج التحقيقات في حادث أرامكو، وأكد استعداده للدفاع عن السعودية، إذا هي طلبت ذلك. ترامب يقول بطريقته: ادفعوا لي آتيكم بمدد! محنة السعودية هي فرصة لتحقيق أرباح استثنائية. ولماذا لا، والسعودية تملك احتياطيات من النفط تصل إلى ما يقرب من 300 مليار برميل، أي ما يعادل ثروة تصل إلى نحو 20 تريليون دولار. وقد جرب ترامب سياسة تتكون من خليط من التودد والإبتزاز، وحصل من مملكة النفط السعودية على عقود تقترب قيمتها من 400 بليون دولار منذ عام 2017. ليس ترامب فقط، بل إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هو الآخر لم يفوت الفرصة، وعرض على السعودية وهو يلتقي في أنقرة رئيسي تركيا وإيران، أن تشتري أسلحة روسية، لأن الأمريكية فشلت في حماية ثروة مملكة النفط السعودية.

محنة السعودية، تحولت عالميا إلى مجرد فرصة للربح، ولا علاقة لها باختبار الإرادة العالمية ولا بتلك الأوهام التي تسيطر على محمد بن سلمان، بأن العالم سيهب لنجدته. من واشنطن إلى الخليج، وجد داعية الحرب مايك بومبيو في حادث أرامكو فرصة لمحاولة إعادة تعويم اقتراح تشكيل قوة أمنية بقيادة الولايات المتحدة. الإقتراح المتعثر وجد، هذه المرة، تجاوبا سريعا من السعودية والإمارات، حيث أعلنت الدولتان الانضمام إليه مع كل من البحرين وبريطانيا. هذه القوة في حقيقة الأمر هي مجرد ذراع من أذرع المشروع الاستثماري الأمريكي في الخليج، الهادف إلى تهديد إيران. السعودية والإمارات والبحرين ستدفع الفاتورة، بزعم حماية مرور نفط، قد لا يتم استخراجه أو تحميله من الأساس.

التكلفة الاقتصادية

الهجوم الذي تعرضت له مصافي أرامكو وحقول النفط في أبقيق وخريص، أوقف ما يزيد عن نصف إنتاج النفط السعودي لعدة أيام. ومع أن السعودية أعلنت بعد ثلاثة أيام أنها استطاعت إعادة العمل في المنشآت بنحو ثلث طاقتها، فإن استمرار توقف الإنتاج بنسبة تزيد عن 60 في المئة من طاقة الإنتاج في المصافي، يعني استمرار خسائر السعودية. وقد حاولت مملكة النفط استخدام مخزونها الإستراتيجي، لتموين الدول والشركات المتعاقدة معها، لكنها واجهت مشكلتين في آن واحد. المشكلة الأولى هي حاجة السوق المحلية، حيث يتم تشغيل محطات الكهرباء وتحلية المياه والشركات الصناعية وغيرها باستخدام وقود بمواصفات محلية. والمشكلة الثانية هي أن التعاقدات مع البلدان والشركات المستوردة، تتضمن مواصفات للنفط الخام من حيث كثافته ونسبة الرصاص وغيرها. وقد واجهت السعودية مشكلة مع الهند، عندما عرضت شحنة نفط بديلة، بمواصفات غير تلك المتعاقد عليها. هذه المشكلة ترتبط بالخصائص التقنية لمعامل التكرير وإنتاج المشتقات النفطية، فهناك مصافي مصممة لتكرير الخامات الثقيلة، وأخرى متخصصة في التعامل مع الخامات الخفيفة. لذلك فإن توريد النفط إلى عملاء السعودية لا يتعلق بالوفاء بالكمية فقط، وإنما يتعلق أيضا بالمواصفات. وربما لهذا السبب ثار الجدل بعد شيوع أنباء عن طلب السعودية إمدادات من النفط الخفيف من العراق. وسوف يظهر تدفق شحنات شهر أكتوبر، ما إذا كان مخزون النفط السعودي وطاقة التشغيل الحالية لمصافي أرامكو، قادر على توريد النفط إلى عملائها بالكميات والمواصفات المطلوبة. في كل الأحوال سينخفض معدل النمو الإقتصادي في السعودية هذا العام إلى نصف معدل العام الماضي، لأسباب أهمها زيادة تكلفة الحرب في اليمن بعد انسحاب الإمارات عسكريا، وانخفاض إنتاج النفط طبقا لاتفاق أوبك، ثم بسبب كارثة أرامكو في أبقيق وخريص.

كذلك فإن الحادث سيترك آثارا سلبية على طرح حصة من أسهم أرامكو في السوق. وتشير تقارير من داخل الرياض إلى تعرض الأمراء والشركات الثرية لضغوط شديدة للإكتتاب في الطرح المحلي، الذي من المقرر أن يسبق الطرح العالمي، بهدف إنجاحه. لكن نجاح الإكتتاب عالميا أصبح محفوفا بالمخاطر جراء الوضع العسكري في الخليج. مملكة النفط السعودية ستواجه مصاعب كبيرة في دمج اقتصادها الجديد غير النفطي عالميا، في ظل سياسة عدوانية ضد جيرانها، سواء في اليمن أو في إيران.

تراجع أهمية مملكة النفط

الجديد الذي أظهره الهجوم الذي تعرضت له منشآت أرامكو هو أن تأثير اضطراب إمدادات النفط العالمية من الخليج، سيكون في معظم الأحوال تأثيرا قصير المدى، وأن الدول المنتجة للنفط لديها فائض كبير في طاقات الإنتاج. كذلك فإن شركات النفط الأمريكية التي تسعى لزيادة نصيبها في أسواق العالم، لها مصلحة في انقطاع الإمدادات، على أن يكون هذا الانقطاع محدودا وتحت السيطرة، وذلك على الرغم من الأضرار التي يمكن أن تتعرض لها قطاعات أخرى في الاقتصاد الأمريكي والعالمي. لقد ارتفعت الأسعار يوم الهجوم بنسبة وصلت إلى نحو 20 في المئة لتتجاوز 70 دولارا للبرميل. لكنها في اليوم التالي بدأت في التراجع، وما تزال مستقرة فوق حاجز الـ 60 دولارا، بينما تواصل أوبك وروسيا الالتزام باتفاق تخفيضات الإنتاج. وفي ظل هذه المعطيات، وما لم يشتعل الموقف فجأة، فإن أسعار النفط يمكن أن تستقر حول معدلها الحالي، مع احتمال للانخفاض أكبر من الزيادة.

هذا يعني، من الناحية السياسية، أن العالم ليس في عجلة من أمره، لاتخاذ إجراءات تحد من خطورة تأثير انقطاع إمدادات النفط، لأن عرض النفط وفير رغم التوتر، ولأن الأسعار يحددها الطلب وليس العرض. لكن إلحاح إيجاد حل اللأزمة في الخليج يمكن أن يزداد في حال انفجار الوضع لأي سبب من الأسباب، ربما نتيجة حماقة من حماقات واحد من القادة العسكريين على أي من الجانبين. الحوثيون قالوا إن الإمارات ليست بعيدة عن مرمى نيرانهم، وهم قادرون فعلا على توجيه ضربة للإمارات، التي إذا تعرضت لذلك، فإنها ستصاب بالهلع، لأنها قصر هش من زجاج، يعيش ويزداد رخاء في السلام، ويسقط ويتناثر قطعا في الحرب. الحوثيون أيضا يهددون الملاحة في باب المندب، وقد أظهر البيان الذي أصدرته السعودية بخصوص إفشال هجوم بزورق مفخخ قبالة الساحل الغربي لليمن، أن أسلوب الزوارق المفخخة يمكن أن يستخدم على نطاق واسع في مضيقي باب المندب وهرمز، من أجل وقف إمدادات النفط وإرباك التجارة العالمية. ونظرا لأن الحوثيين أثبتوا براعة في تصنيع واستخدام الطائرات المسيرة، وفي إعادة تأهيل وتطوير الصواريخ القديمة التي كانت في حوزة اليمن منذ زمن، فإنهم يستطيعون فعلا تهديد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها. ولن تكون (إيران الدولة) في حاجة إلا إلى استخدام قوتها في الدفاع الشرعي عن أمن حدودها ضد أي اعتداءات من الخارج.

في هذه الحالة فقط، سيكون العالم في عجلة من أمره، لاتخاذ إجراءات لمحاصرة خطر الحرب، وليس لتشديد الحصار على إيران. المزيد من الحرب ليس الحل. الحرب تعني من حماية سياسة العدوان السعودية على اليمن، وتعني تكريس سياسة الضغوط القصوى الأمريكية على إيران. أما تأمين تدفق ومرور إمدادات النفط، فإنه يستلزم البحث عن السلام. باختصار نقول إن أمن السعودية يبدأ من إنهاء الحرب على اليمن، وإن أمن الخليج يبدأ من إنهاء العقوبات الأمريكية على إيران، وإن أمن الخليج هو مسؤولية دوله وليس مسؤولية الولايات المتحدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية