شيخوخة فلورونتينو

حجم الخط
3

الشيخوخة هي أرذل العمر، هي العجز، المرض، الحياة التي تسحب شيئا فشيئا من المرء بدون أن يشعر بذلك، هي بدء مسلسل الموت وفراق الأحبة، هي الأوجاع المفاجئة جسديا ومعنويا، هي الهشاشة بمعانيها العميقة، لكنّها أيضا عمر الحكمة، والخبرة، وعمر الطرافة كما تضيف صديقة لي، وهي تحدثني عن رواية طريفة لكاتبة فرنسية اسمها باسكال غوتييه بعنوان «العجائز» نالت جائزة رينودو لكتاب الجيب سنة 2012 فيها الكثير من السخرية من الحياة، وكأنّ الشيخوخة تكشف أسرارا ما كنا لندركها في عمر النهم للعيش.
ثمة عائق اللغة الذي يجعلني بعيدة عن كتب أشتهي قراءتها، وقد تمنيت أن أقرأ تفاصيل هذه الرواية من باب الفضول، لأعرف أين تكمن الطرافة في شخصية تخطت عتبة الشيخوخة، واقتربت من خط النهاية في سباق الحياة. أليس الموت أكثر ما يخيفنا؟ فلماذا يصبح أليفا في عمر معين؟ فنخطط فيه للوصايا، ولمن ستكون تركتنا، سواء كانت مادية أو فكرية، بل إننا نفكر عميقا في ما قد يتبقى منا بعد الغياب؟ ألا يتحوّل ذلك العمر المهيب إلى ما يشبه أغنية لجاك بريل، أو موستاكي؟ بموسيقى هادئة وكلمات هي أقرب للهمس الذي يجب الإصغاء إليه بتركيز لفهمه.
نعم إنّها تساؤلات، ولكنها أيضا أجوبة لمن يرتعب من التجاعيد الصغيرة التي تعلن قدوم ذلك الكابوس المزعج الذي لا ينتهي حتى ينهي حياتنا.
يبدو لنا دائما أن الشيخوخة فارغة تماما من المتع، إنّها محطّة انتظار للقطار الذي يأخذنا إلى حياة بدون جسد، وبدون متع، نجهل تماما ما ينتظرنا فيها، كجماعة تؤمن بالقيامة والجنّة والنّار، سوى أن الأمر يشبه دخول محكمة عصيبة، الخروج منها نحو الحرية أمر مبهم. شيء لم يفكّر فيه همنغواي حين أطلق رصاصة في فمه، هو الذي عاش فترات مليئة بالمغامرات الشيقة مع صيادين من كبار السن، فكتب «العجوز والبحر» وأقنعنا بأن الحياة تستحق العناء، وأن الصراع من أجلها قد يتحوّل إلى مبدأ، أو مهمة يجب إتمامها، أو حرب على شيء اسمه سوء الطالع، ينتهي في الغالب ببطولة يعترف بها المجتمع، أو على الأقل باحترام شخصي للذات. أكثر من سرّ تبوح به حكاية وكلمات همنغواي، وهو يصف صراع العجوز مع الحظ السيئ، مع البحر، ثم مع السمكة التي شاءت الصدف أن تكون بحجم أكبر مما تتحمّله طاقته، ثم في النهاية مع أسماك القرش التي تأتي على صيده، ولكنّ المكافأة التي نالها كانت معنوية محضة حتى حين ظلّ حظه العاثريلاحقه .
هناك شيء نناله أحيانا يكون أكبر من تأمين لقمة العيش، أو تحقيق الثراء، أو التمتع بالكثير من ملذات الحياة، قد يكون الامتلاء الروحي بالرضى، وهو شعور همنغواي نفسه عند ممارسته لهواية الصيد واحتكاكه بالصيادين ومحبته لهم، حتى أن الصحافيين استقروا على الصيّاد الكوبي غريغوريوفوينتس الذي جمعته علاقة صداقة طويلة بهمنغواي ، واستنبطوا أنه «سانتياغو» عجوز البحر في روايته، الرّجل الذي مات سنة 2002 عن عمر الـ104 سنوات بدون أن يقرأ رواية صديقه أبدا، ولكنّه قدم زورقه هدية للحكومة الكوبية، قبل أن تدركه المنــــية، حيث وضـــع أمام بيت همنغواي ليصبح جزءا مهما من تاريخ كاتب عظـــيم، عاش حياة زاخرة مع فئة من الناس قد تمثل هامشـــا منسيا لدى الكثيرين، وبذلك شارك في تأثيث مكان لا يزال محجة لعشاق همنغواي، ورائعته «العجوز والبحر».

الشيخوخة عمر مفتوح لاستثمار ما تبقى من العمر في أشياء جميلة، بحكم أنها عمر استخلاص النتائج من التجارب السابقة، واستدراك ما لم نعشه في حينه.

تعود هذه الرواية إلى ذهني إذن، متسائلة عن الخط الفاصل بين المهنة والهواية، وهل تصبح المهنة هواية بعد التقاعد، حين ترتبط بالشغف الشخصي؟ وحين يتخلّص الشخص من أعباء الضرورة الملحة لممارسة المهنة بدون قضبان الوقت، التي تحجز الواحد منا في قفص يتجاوز السجون في قسوته.
الشيخوخة عمر مفتوح لاستثمار ما تبقى من العمر في أشياء جميلة، بحكم أنها عمر استخلاص النتائج من التجارب السابقة، واستدراك ما لم نعشه في حينه. قد تكون الأمور صعبة التخيل على أفراد مجتمع مغلق، لكنّها قد تكون تلك المحطّة التي عاشها «فلورينتينو أريزا» في رحلته نحو حبيبته «فرمينا دازا» رحلة شاقة وطويلة، ذاق فيها الحرمان بكل أنواعه، لكن عمر الشيخوخة حلّ عليه بكل بركاته، في أصعب الأزمان على الإطلاق، حين كانت الكوليرا تحصد أرواح الناس بالعشرات يوميا.
اختار غابرييل غارسيا ماركيز نموذجيه الصعبين ليخبرنا بمرارة الظلم لهذا العمر الحساس، حين يقرر المجتمع ما يناسب الأشخاص حسب أعمارهم، وأن يزيد من قائمة الممنوعات، بدل أن يقلّصها حين يتقدم المرء في السن، وكأنه يعيش طفولة ثانية تحتاج لكثير من التوجيهات، نتخيل الموقف مع أصدقاء لنا يتحوّلون لآباء وأمهات لآبائهم وأمهاتهم، لا في الاهتمام بهم، بل في التضييق على مساحات تحركاتهم، حتى يتحوّل عالم العجزة إلى إقامة جبرية، يرغم الأبناء آباءهم للمكوث فيها قبل الإقلاع نحو السماء. ثمة إمكانية لحياة ثانية حتى في السبعين، وإلاّ لماذا كتب ماركيز «الحب في زمن الكوليرا» وهو على عتبة الستين؟ تراه شعر بالخوف وهو يقف أمام منعرج المحطّة الأخيرة من عمره؟ لا تأكيد على هذا المعطى، فقد ذكرت في مقال سابق عن شيخوخة بعض رموز الشعر والأدب، كتاب هرمان هسه «في مديح الشيخوخة» وذكرني بعض رفاق القلم ـ كما فعل جمال البدري مشكورا – بشخصيات نسيت ذكرها مثل شخصية كلكامش والمتنبي ومسعاهما الغريب نحو الخلود ولفت نظري بعض المتابعين إلى ترجمة عربية صدرت آنذاك في القاهرة لكتاب يحمل العنوان نفسه للفيلسوف الروماني ماركوس توليوس شيشرون، الذي كتبه في عام 44 قبل الميلاد، وهو كتيّب فيه من الغنى ما يجعله وثيقة تسعد كل مقبل على الشيخوخة، وهو القائل: «إن الموت في الصبا أشبه بانتزاع ثمرة من شجرتها قبل نضوجها، على عكس الوفاة في سن الشيخوخة حيث تسقط الثمار تلقائيا بعد نضوجها» .
فمن الذي قرّر أن الشيخوخة هي أرذل العمر؟ ومن أي مجتمع انبثق هذا الحكم القاسي على الإنسان؟ لقد كانت الشيخوخة مرتبطة دوما بالعجز الجسدي حين كانت ظروف الحياة قاسية وجوانبها الصحية أسوأ، حيث كان الإنسان يشيخ في الأربعين، ويموت في حدود الخمسين بأمراض سهلة العلاج اليوم، ويمكن الوقاية منها بلقاح يؤخذ في الطفولة، والأدب عموما يعج بتفاصيل تلك الظروف، خاصة الأدب الروسي وأدب أمريكا اللاتينية، أدب تشيخوف مثلا على سبيل الذكر لا الحصر، نموذج ممتاز لفهم تلك التفاصيل، بل إن حياته نفسها كانت صورة مكتملة لما أقصده هنا، هو الذي عاش فقط أربعا وأربعين عاما بسبب مرض السل الذي لم يكن له علاج آنذاك غير العيش في مكان مشمس غير رطب وتغذية جيدة لتحفيز الجسد على مقاومة الجرثومة اللعينة التي تسببه، والتي حصدت أرواح ملايين البشر، منهم رموز في الأدب والفن في القرون السابقة.
من خلال الأدب فقط، نكتشف أن الشيخوخة ليست شيخوخة واحدة، فقد تكون شيخوخة تشيخوف، وقد تكـــــون شيخوخة همنغواي، أو شيخوخة ماركيز التي ابتكرها في شخصية فلورونتينوو الذي بالصــــدفة يعني اسمه «مزهر» بالإسبانية… كلها أنواع موجودة في الحياة، كما في الكتب، مع كثير من التنظــــير والرؤى المختلفة، لكنها حتما لا تعني الدخول في غيبوبة الموت قبل حلولها.

٭ شاعرة وإعلامية من البحرين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية