احتدام الجدل في المغرب حول قضية هاجر الريسوني: هل هي متابعة حقوقية أم صراع بين السلطة والإسلاميين؟

سعيد المرابط
حجم الخط
1

الرباط ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي كانت المحكمة الابتدائية في الرباط، تشهد أطوار محاكمة الصحافية هاجر الريسوني (28 سنة)، ومجموعتها (الحقوقي السوداني رفعت الأمين والطبيب صاحب العيادة التي اعتقلت فيها)؛ كانت وقفة احتجاجية تقف خارج أسوار المحكمة، في تضامن حقوقي نددت من خلاله الفعاليات الحقوقية بملاحقة الريسوني، وطالبت باحترام الحقوق الفردية، وإسقاط القانون الجنائي الذي يعاقب على «الحق في الإجهاض».
وافتتحت جلسة، أمس الاثنين بمرافعة للنقيب عبد الرحمان بنعمرو، الذي نبّه المحكمة إلى المخالفات، التي شابت توقيف هاجر الريسوني، ومن معها، وتفتيش عيادة الطبيب، الذي كانت في عيادته، الذي كان يستوجب إشعارين، وليس فقط إشعارا واحد، معتبرا أن هذا الدفع لم ترد عليه النيابة العامة في مرافعتها وأعاد إلى التركيز على الاختلالات، التي شابت الخبرة الطبية، المضمنة في ملف هاجر الريسوني، إلى الاختلالات القانونية، التي رافقتها، معتبرا أن بطلان الخبرة الطبية، بطلان لكل المحاضر.
وقال المحامي التوزاني، عضو هيئة دفاع هاجر الريسوني، إن أولويات تدبير السياسة الجنائية تنص على حالة التلبس في محضر الاستنطاق، إلا أنه في هذه الحالة لا توجد حالة تلبس، مستغربا رفض تمتيع هاجر الريسوني بالسراح المؤقت بحجة وجود تلبس في ما نسب إليها، على الرغم من أن التلبس هو الوضوح، الذي لا يدع مجالا للشك، وهو ما يغيب عن حالة هاجر الريسوني.
وفي الوقت الذي قدمت فيه النيابة العامة مرجعين قانونيين لوصف الخبرة الطبية، التي أجريت على هاجر الريسوني، وهو ما رد عليه الدفاع بالقول إن المادتين تطبيق لحالتين مختلفتين، ولا يمكن الاستناد عليهما لوصف خبرة واحدة، مشددا على أن الحالتين لا تنطبقان على هذه الواقعة القانونية.
وانتقد ممثل النيابة العامة الأسبوع الماضي، مداخلات دفاع هاجر الريسوني ومن معها، واعتبر أن هناك من أخطأ الزمان والمكان، وقال «ليس هذا هو مكان تغيير النص القانوني»، ورد عبد العزيز التويضي، امس على ممثل النيابة العامة، وقال «نحن لا نناضل داخل المحكمة لتغيير النص بل من أجل فهم حقوقي للنص».
وقال النويضي «ممثل النيابة العامة قال إن هذا ليس زمن النضال من أجل تغيير النص، وهذا يعني أننا ننازع في النص الذي من اختصاص المشرع» وأضاف «نحن لا نناضل في قاعة المحكمة من أجل تغيير النص، وسنرافع في مكان آخر أمام المشرع حول تغييره» و»نحن نرافع من أجل تفسير للنص يخدم حقوق الإنسان، لأن هناك تفسيرا محافظا يخدم الدولة».
وشدد النويضي على أن مبدأ الشرعية يجب أن يفسر في مفهومه الواسع، ويتعلق بأن هذا القانون، يجب أن يراعي جملة من الشروط، ومنها أن يكون النص منسجما مع الدستور والمواثيق الدولية.
ووسط احتجاج هيئة الدفاع، أعلن القاضي المكلف بملف الريسوني ومن معها، عن رفضه لكل الدفوعات الشكلية التي تقدم بها الدفاع الأسبوع الماضي واحتج دفاع هاجر الريسوني على الطريقة التي اختار بها القاضي البت في الدفوعات الشكلية، حيث لم يعلن الدخول في التأمل والمداولة.
وقال رئيس هيئة الحكم، بخصوص الدفع المتعلق حالة التلبس، إن «الدفاع قال إن هناك عملية خداع وصنع حالة التليس التي يعتبرها غير موجودة ولا بد من إعطاء تعريف حالة التلبس، فهي حالة لا علاقة لها بالأركان القانونية للجريمة وإنما بكشف ارتكاب الجريمة» وإنه بالنظر إلى ما تضمنه محضر الانتقال والتفتيش، فإن المحكمة ترى أن «حالة التلبس متوفرة في نازلة الحكم»، مشيرا إلى «رفض الدفع لعدم ارتكازه على أساس قانوني سليم».
كما رفض القاضي الدفع الشكلي المتعلق بالطعن في محضر التوقيف والتفتيش والحجز، واعتبر أن المحضر قانوني تم وفق ما يقتضيه القانون.
وبخصوص الخبرة الطبية، قال القاضي، إن وصف الوثائق مرجعه الأساسي هو القانون وليس الأطراف، وأضاف، «الشهادة المنجزة لا تعدو أن تكون شهادة أنجزت طبق مقتضيات المادة 64 من قانون المسطرة الجنائية»، والتي تنص على إنجاز المعاينات وليس الخبرات وأن الخبرة المنجزة لا يمكن اعتبارها بمثابة خبرة قضائية، وتم إنجازها في مرحلة البحث التمهيدي ولا يمكن الاحتجاج بعدم الإذن من طرف وكيل الملك، الذي لم يكن قد وضع يده عليها.
وأضاف القاضي «عرض الظنينة على الطبيب من صميم أفعال الشرطة القضائية، خاصة أن هناك إشارة إلى وجود علامات العياء كانت ظاهرة عليها، مما تطلب بالضرورة عرضها على فحص طبي».
كما رفضت المحكمة ملتمس رفع الاعتقال، وقررت إرجاء البت في طلب استدعاء الشهود.
وشرعت المحكمة، بعد ظهر أمس الاثنين، في الاستماع إلى المتهمين في ملف ما بات يعرف بقضية هاجر الريسوني، واستمع القاضي أولا إلى الطبيب، الذي تشبث بأقواله، وقال إنه لم يقم بأي عملية إجهاض لهاجر الريسوني وقال «أجريت لها فحصا بالصدى، وتبين لي أن لديها دم ولم تكن حاملا». وأوضح الطبيب أن تدخله جاء بالنظر إلى أنه لو استمر النزيف، فوضعها الصحي في خطر، وأضاف: «لم أجر لها إجهاضا بأي طريقة، والعملية كان لا بد لها من تخدير» وأنه لم يغادر العيادة إلا بعد أن استفاقت هاجر عقب تخديرها «اطمأننت عليها ثم خرجت، لأنه كانت لدي حالة مريض أخرى خارج العيادة».
وتحدث الطبيب عن تعامل الشرطة معه في عيادته، ووصفه بالعنف النفسي «تعاملوا معي بعنف نفسي، رفضت أن أعطيهم الملف الطبي للمريضة، إلا إن كان لهم أمر قضائي، فقالوا لي إن لهم الحق بكل الوثائق، ورفضت مدهم بالملف الطبي».
واحتج دفاع هاجر الريسوني على الطريقة، التي اختارها القاضي للبت في الدفوعات الشكلية، إذ لم يعلن الدخول في التأمل والمداولة، وقال عبد العزيز النويضي، عضو هيئة الدفاع «إنكم تبدون رأيا، ولا تعطون حكما، ويجب الفصل في الدفوع من خلال مقرر مكتوب».
وأثارت قضية هاجر الريسوني، الجدل في الرأي العام المغربي، بين من يراها من زاوية حقوقية محض، ومن يراها صراعا بين السلطة والإسلاميين، رابطين بين هاجر وعمها أحمد الريسوني، رئيس «الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» حاليا، والرئيس السابق لـ»حركة التوحيد والإصلاح»، الجناح الدعوي لحزب «العدالة والتنمية»، الذي يقود الحكومة المغربية.
ويرى عضو هيئة الدفاع عن هاجر الريسوني، المحامي عبد المولى المروري، في تصريح لـ»القدس العربي»، أن رفض المحكمة تمتيعها بالسراح المؤقت «لغز محير، لم أجد له مبررا»، رغم أن هنالك «جميع الضمانات، وهاجر لا تشكل أي خطورة على المجتمع، وما تتابع من أجله لا يشكل خطورة على المجتمع». وقال المروري، في تعقيبه على ممثل النيابة العامة، إن «ممثل النيابة العامة، حاول أن يبيض ما ارتكبته الشرطة القضائية؛ من أخطاء جسيمة، وصلت إلى حد التعذيب في حق موكلته».
وقال أحمد رضا بنشمسي، مدير التواصل والمرافعة بقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، في منظمة «هيومن رايتس ووتش»، لـ»القدس العربي»، إن منظمته تتابع قضية الصحافية هاجر الريسوني، التي «تعتبر من طبيعة التهم الموجه إليها؛ انتهاكا لمجموعة من الحقوق التي يتمتع بها الانسان، من بينها الحق في احترام الخصوصية والحرية الفردية».
ويعتقد بنشمسي، أن «هنالك تصفيات لحسابات سياسية، لأنها صحافية في جريدة معارضة، وتنتمي لأسرة معارضة».
واعتبر بنشمسي الصحافي المغربي السابق بـ»تيل كيل»، أنه لا وجود لدافع وراء «عدم تمتيعها بسراح مؤقت، لأنها لا تشكل خطرا، وهنالك ضمانات بحضورها للمحاكمة، ولن تهرب»، مضيفا «أنه لم يكن يجب إلقاء القبض عليها من اليوم الأول في قضية تنتهك حقوق الإنسان، وحتى لو اعتقلت يجب تمتيعها بسراح مؤقت، ولكن اعتقالها يطرح أسئلة عديدة».
وندد سامي المودني، رئيس «المنتدى المغربي للصحافيين الشباب»، في تصريحه لـ«القدس العربي»، بـ«ما تعرضت له الزميلة من تشهير ومس بحياتها الخاصة في عدد من وسائل الإعلام، التي لم تحترم أخلاقيات مهنة الصحافة».
ودعا المودني إلى «احترام الحق في الحرية، واحترام الحياة الخاصة للمواطنات والمواطنين، والحريات الفردية بجميع أشكالها دون أي شكل من أشكال الانتقاء، بما يتوافق مع الحقوق الكونية».
واثارت قضية هاجر الريسوني، مرة أخرى نقاشًا ساخنًا بين التقدميين والمحافظين بالمغرب، حول القوانين التي تنتهك الحريات الفردية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية