الشعر بوصفه وعدا

في ستينيات القرن العشرين، نشب صراع قوي بين من ظل يعتقد بفكرة الالتزام في الشعر، بالمعنى الماركسي للعبارة، مثل بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي، وسعدي يوسف، ومن كان يسبح في فلكهم، بحيث وجدوا في مجلة «الآداب» البيروتية، ملاذا آمنا لهم؛ وبين من احتكموا إلى المرجعية الليبرالية، وتكتلوا في مجلة «شعر» اللبنانية، وعلى رأسهم يوسف الخال، وأدونيس، وأنسي الحاج، وشوقي أبي شقرا، وجبرا إبراهيم جبرا، ومحمد الماغوط، وغيرهم من الشعراء، ممن آمنوا بالحرية، كاملة وغير منقوصة، في التعبير؛ منتصرين بذلك لمبدأ «الفن من أجل الفن».
والحق أنه، في رحاب «مجلة شعر»، استطاعت قصيدة النثر العربية، أن تتقوى من خلال تنظيرات أنسي الحاج وأدونيس، ضدا على ضربات النقد التقليداني، عدو الفكر والتحرر. وفي خضم هذا الصراع، سينشأ جيل من الشعراء الجدد المتعطشين للطارئ والمختلف.. جيلٌ مُشبع بأفكار أكثر جرأة ووعدا، آثر البعض وسم هذه المرحلة بـ «ما بعد الحداثة». جيل لا ينظر إلى القصيدة إلا بعين الريبة والتجريب، التي دافعت عنها «مجلة شعر» بقوة شديدة، ضدا من كل دوكسا جمالي معطى أو متفق عليه.
وعلينا أن نتفق بداءة على أن الكتابة (نقدا) عن التجارب الشعرية المابعد حداثية (الحداثة الأصيلة) بما هي تجارب مغايرة تماما لما دأبت عليه عادات الشعر العربية، تقتضي بالضرورة، رؤية مغايرة، في الممارسة النقدية وعاداتها، أو بالأحرى تشترط رؤية ذات مرجعية حداثية جدا (أي بامتدادها المابعد حداثي)، تتغذى من حقول معرفية عديدة، بما يجعلها قراءة تعي جيدا خطورة ما هي ذاهبة إليه، من جهة، ومن جهة أخرى تفيد النص، من حيث أسانيدها وعمقها المعرفي.
وأنا، هنا، أقصد بالحداثة، ما تتبطنه من نضج في تعاملها مع بنيات التقليد، وقيمه، وسلوكاته، وممارساته، وسلطة خطاباته المضمرة. الحداثة، أيضا وعطفا على ذلك، بما هي طريق للمخاطرة والمغامــــرة الإبداعيــــين (نيتشه)، والكشف النقدي (هايدغر). إن الحداثة، مغامرة وذهاب نحو آفاق جديدة، أو طرق جديدة في الكتابة.

الشعر مقترحات، وممكنات، لا يمكن حصرها أو اختزالها في مقترح واحد، تهندم، بشكل مسبق، بهندام شعرية الطلل.

وبناءً على ذلك، فإن الكتابة الشعرية الحداثية، هي كتابة/ تجربة حدودية، بتعبير فيليب سوليرز، من ضمن ما تراهن عليه، أن تُهجّج اليد الكاتبة، وتطوح بالجسد المُنكتب، بعيدا، أي في تخوم لهبه، حيث المضايق والمعابر، تعِدُ بالانفراج، على مستوى الانحباس الذي قد يخنق القصيدة، بوصفها اختيارا فقط، من ضمن اختيارات أخرى في أرض الشعر.
أعود وأقول إن الشعر مقترحات، وممكنات، لا يمكن حصرها أو اختزالها في مقترح واحد، تهندم، بشكل مسبق، بهندام شعرية الطلل. الشعر إصغاء لنداء الوجود، وكشف «أليثيا» بتعبيرهايدغر، لما يمكن أن يَعِدَ به هذا الوجود من مآلات وتحققات. والعارف بمتاهات المضايق، من الشعراء، وحده القادر على استنفار جيش حواسه، لكي يضع النص الشعري، بعيدا عن أي مساومة محتملة مع الماضي، والمُتعارف عليه من أعراف أو تقاليد، في انفراط تشققاته – النص- وتصدعاته، مثل ما ذهب إليه أبو نواس، حينما ربط الشعر بالمضايق. أليس هو القائل «يعرف الشعر دفع إلى مضايقه»؟
علينا أن نتفق ثانية على أن الكتابة الشعرية اليوم، لم يعد مسموح لها، بغير الإقامة الجوالة بين السؤال والسؤال المعرفيين، بما يمارسانه (السؤالان) من تحريض، وشغب، ومشاكسة، وتحفيز لشعرية النص باستمرار، أي بما يجعل اختياراته الجمالية والفنية، مرعبة ومخيفة لمرضى فوبيا المغايرة والطارئ، أولئك الذين لا يجدون بُدّا من التحصن ضد هذا المختلف، سوى بالانكماش والتكتل والتقوقع في الماضي، تماما كالقطيع. يقول الناقد صلاح بوسريف في هذا الشأن «لا يمكن النظر إلى الشعر باعتباره شيئا يأتينا هكذا بالصدفة، أو هو على موعد دائم معنا». والحق أن شعرية الكتابة، بالمعنى أعلاه، قد وحدت بين الشعرية والفكر، وأنها لم تعد تشتغل بدون استراتيجية، إذ هي تعي جيدا أن الفضاء الثقافي ليس سطحا واحدا، بقدر ما هو مجرات متعددة الأبعاد في التاريخ والواقع، عموديا وأفقيا (الدكتور سلام أحمد إدريسو).

٭ شاعر وناقد مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية