أشكال التلقي الأدبي ومظاهر التجديد في الغرب الإسلامي

يلاحظ الباحث المغربي عبد الجليل شوقي، أن المصطلحات الموظفة من طرف نقاد القرن الثامن الهجري في الغرب الإسلامي، اختلفت في الدلالة على عتبة المبدأ في القصيدة الشعرية، لاختلاف المرجعيات، بين ما هو لغوي وما هو نقدي، الشيء الذي أدى إلى فوضى تجلت في توظيفها متجاورة في النص النقدي الواحد، بحيث أحيانا تؤدي المدلول نفسه، وأحيانا أخرى تختلف من حيث الكم: الحرف الأول، الكلمة الأولى، المصراع الأول، البيت الأول… وهو اختلاف لا نعدمه في التراث العربي القديم.
في كتابه «جمالية البناء الفني في النقد الأدبي العربي: أشكال التلقي ومظاهر التجديد بالغرب الإسلامي» الصادر عن «دار الوطن» المغربية، يشير الباحث عبد الجليل شوقي إلى أنه ـ إلى جانب مبدأ القصيدة ـ لقي الانتهاء منها كذلك اهتماما من لدن نقاد القرن الثامن الهجري، في الغرب الإسلامي، نظرًا لأهميته التي تتجلى أساسا في أنه آخر ما يبقى في أذن المتلقي.
ويخصص المؤلف فصول الكتاب لبحث قضايا البناء الفني للأثر الأدبي عامة، والقصيدة على وجه الخصوص، من خلال الوقوف عند المتن النقدي في مصادر الفترة المدروسة، وتتبع روافده المعرفية وخلفياته العلمية والفكرية، وتلمس أهم آثار التجديد فيه. ومن ثم، فهاجس مؤلف الكتاب هو البحث عن أشكال تلقي نقاد القرن المذكور، لجهود النقاد القدماء من العرب والعجم من جهة، والوقوف عند مظاهر التجديد التي جادت بها جهودهم التنظيرية من جهة أخرى.
وتمثلت أشكال التلقي ـ حسب المؤلف ـ في مستويات مختلفة، أولها: «التأصيل والتأكيد»، فكانت هذه القراءة تكرارا لما جاء لدى الناقد الأدبي القديم، ثم هناك مستوى «الرفض والتخييب»، إذ جاءت قراءات نقاد الفترة المدروسة للقضايا النقدية في ثنايا مصادر النقد الأدبي القديم، فقد وجدوا أنفسهم في تعارض مع ما جاء به تراثهم.
أما المستوى الثالث من التلقي فيتجلى في «النقاش والتمحيص»، بحيث سعى نقاد الفترة المدروسة إلى تطوير الفكر العربي عامة والدرس النقدي خاصة، وخلق حوار فكري معه، بهدف تجديده وإخصابه، وهو نقاش ينأى بنفسه عن أن يكون غوغائيا صداميا، بل استند إلى الحجج والنصوص القمينة بترجيح رأي عن آخر.
في حين يتمثل المستوى الرابع من التلقي في «التجاوز»، بهذا الشكل سعى نقاد الغرب الإسلامي إلى تجاوز بعض الأفكار التي أضحت غير صالحة آنذاك.
أما مظاهر التجديد فانصبت على التجديد الموسيقي، من خلال أنماط الإبداع الدوبيت والموشح والزجل، كما انصبت على التجديد الهيكلي، من خلال بناء مبدأ القصيدة وفصولها.
يخصص المؤلف الفصل الأول من كتابه لدراسة البناء الموسيقي في الخطاب الشعري، من خلال طرق قضية الإيقاع العروضي المتمثل في الوزن والقافية من جهة، والإيقاع الداخلي من جهة ثانية، وكذلك مظاهر وأشكال التجديد التي عرفتها موسيقى الشعر.
ويقف في الفصل الثاني عند قضايا هيكلة القصيدة الشعرية، من خلال دراسة مبدئها وانتهائها، وتناول وحدة البيت فيها وأجزائه، وانتهاء بدراسة قضية وحدة القصيدة على مستويات: المنطقي والجمالي والنفسي والنظمي والصوتي.
يكتب المؤلف على ظهر الكتاب: إن الإحساس بالجمال إحساس متغير، نظرا لتبدل مواضيعه ومناحي تمظهراته في الحياة اليومية للإنسان على مر العصور. الأمر الذي يدعونا إلى الاعتقاد بأن مواطن الجمال في الأدب عامة، وفي البناء الفني للآثار الأدبية خاصة، يختلف باختلاف العصور؛ إذ إن ذلك البناء الذي كانت تطرب له أذن الجاهلي لم تعد كذلك زمن أبي نواس، ولم تعد كذلك ـ بالطبع ـ زمن لسان الدين ابن الخطيب، وهكذا إلى عصرنا الحالي.
ولعل التفسير الذي يجعل هذه الحاجة متجددة عبر العصور يكمن في تغير وظائف الفن من جهة، وفي التغيير الواقع في إحساس المتلقي بالجمال من جهة ثانية، بحيث إن كل زمن يتطلب حاجة جمالية معيّنة، وفق تطورات اجتماعية وفكرية ووفق مرجعيات ذوقية مختلفة ومتغيرة.

٭ كاتب من المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية