في عصر انفراط الحداثة: السياسة هي فن الخديعة المعمّمة المنظّمة!

حجم الخط
0

مطاع صفدي

الفكر الغربي اليوم لم يعد يتحدث عن الحداثة، عن ما بعد الحداثة، بل عن انفراط الحداثة. وما يعني الانفراط هنا ليس التبعثر والتفرق، بقدر ما هو الانتشار إلي حد الانفلاش والشطط، والايغال في تعشق الحداثة إلي حد افتراسها حتي اللحم والعظم. فلا يتبقي من ذاكرتها الثقافية إلا شعار الهرولة وراء كل جديد، والانسياح الطفولي وراء كل أفق لامع، والتعلق بالعرضي من كل شيء، بالصوت والصورة والشائعة والأكاذيب متي تداولتها بعض الألسن أو الأقلام. هنالك إذن سلطة جديدة لها قانون استبدادها الخاص. إنه استبداد الشكل العرضي من كل شيء، شرط أن تكون له لَمْعتُه الخاصة، وأن تتشارك في اكتشافه بعض العيون الباحثة عن الطرافة، وتتناقل خصائصه بعض الألسنة الثرثارة. فالعرضي واللامع والصاخب أمسي يسلب الإنسانَ رؤيّتَه وتَبَصُّرَه في أشياء العالم من حوله. يشعر أنه منساق فيما يريد أو لا يريد. ليس ثمّة فسحةٌ للاختيار. وهو حتي عندما يتشبث بإرادة الاختيار، فإنه لن يتحرر من غواية المعروض المهاجم بسهولة. وقد يعتقد أنه يمارس حريته. لكنه عملياً لن يختار إلا نسخة أخري من جنس البضاعة المعروضة عينها. فالانجذاب نحو صرعات الاستهلاك اليومي من بضائع (السوق) سواء منها المادية والإعلامية وحتي الثقافية، يحيل الفرد نفسه إلي كائن استهلاكي لذاته. بمعني أنه يعيد صياغة رغباته وأفكاره بحسب ما تبثّه كلُّ سلعة كأنها مركز تأثير وترويج لرغبات وأفكار أخري، عليه هو أن يتبناها كما لو كانت نابعة من ذاته. وهكذا تخلق السلعةُ الحاجةَ إليها، بدلاً من أن تكون الحاجة هي صانعة الرغبات الدافعة إلي إنتاج موضوعاتها. هذا بالرغم من تنامي النزعة الفردانية التي صاحبت تحولات المشروع الثقافي الغربي منذ تأسيس ثورة الحق الإنساني وإرساء أولي قواعد استقلال الفرد عن كل من مؤسستيْ الدولة والدين معاً. ما أعطي للحداثة أرضية اجتماعية خصبة لازدهار كل أشكال التقدم الحضاري ثم المدني تحت رعاية السياسة المتنورة التي التزمت ثقافة الحريّات الأساسية والدفاع عن مكتسباتها المضطردة.

غير أن السياسة هذه، في عصر الحداثة الفارطة اليوم، راحت تنزاح من مهمة الترشيد للحكم الصالح إلي موقع التبرير للحكم القائم، مهما كانت هويته أقرب إلي الرشاد أو الفساد. والتبرير عادة يحترف مهنة الترويج. وبذلك تنغمر السياسة تحت سطح البوارق الإعلامية. فالأفكار والمشاريع التي تطرحها لن تحوز علي ضمانتها من أحقيّتها، بقدر ما تتوقف علي براعة العرض والتجميل والحذلقة اللفظية في استهواء الجماهير. وتصير السياسة في عصر الحداثة الفارطة امتداداً لفن الغواية المعمّمة، أي أنها الفن الأعلي الضامن لترويج الأحلام الذهبية ضداً علي واقع متعارض، فالت من إرادة للتغيير حقيقية، بقدر ما تتحول الحداثة كسياسة إلي خادمة طيّعة لمصالح السوق. وهذا ما يفسر الحالة التي يلاحظها الفكر الغربي فيما يتعلق بتقهقر مستفحل للديمقراطية كما يتجسد في الميل المتزايد للدولة نحو مركزة السلطة والجنوح أكثر فأكثر نحو نظام رئاسي واسع الصلاحيات، والمتحرر من رقابة إعلام فاقد لسيادته علي أجهزته المالية، المملوكة من قبل الاحتكارات الاقتصادية الكبري وطنياً وعالمياً.

علي سبيل المثال عن هذه الحالة يمكن القول أن معركة الرئاسيات الفرنسية الأخيرة قد حفلت بإنذارات وإشارات صارخة عما يمكن تسميته بالتمهيد المنظم لاستعادة منهج الازدواجية في القول والفعل. وكان ذلك بالغ الوضوح في تركيبة السياسة الإعلامية المرافقة لحملة الترشيح، فيما يعلنه مرشح اليمين من إصلاحات تمتّ في معظمها إلي الخطاب اليساري، بهدف استمالة البعض المؤثر من الطبقتين العمالية والوسطي. وفي الوقت عينه يستخدم -هذا الخطاب- مسألة الأمن المدني كحجة مؤيدة لنوع الحكم الموصوف بالمتشدد، الذي يمكن الالتفاف من خلاله علي مبادئ الحريات العامة، وكذلك كمدخل إلي إلغاء المكتسبات الحمائية أو تحجيمها، وإحلال الشركات الخاصة مكان مؤسسات الضمان بكل أشكاله. ويتم هنا بعد الاطمئنان (الحكومي) إلي تحييد أحزاب اليسار وإضعافها في عين جماهيرها، بوصفها عاجزة عملياً عن الدفاع عن مصالحها، وتحقيق أبسط شعاراتها. وهكذا سيتابع الخطاب الإعلامي لسلطة الرئاسة القادمة أطروحته في الحفاظ علي غواية (الهدف التجديدي) لكي يملأه بمضمون مغاير تماماً، ساعياً إلي ما يدعوه بتحرير الرأسمالية، والمقصود انفلاتها من كل رقابة شعبية، وتنصلها من معظم الأعباء الاجتماعية بدءاً من خفض الضرائب، وإطلاق حرية الصرف للعاملين في مؤسساتها، والانضمام إلي حلقة الاحتكارات العالمية الكبري.

غير أن الأدهي في كل هذه التحولات هو أن الدولة الأوروبية العريقة في أنظمتها الديمقراطية، أمست في رأي أهم مثقفيها مرشحة لاستنساخ النموذج البوشي رغم إخفاقاته المتراكمة في شتي الحقول لسياسته الداخلية والخارجية. وقد يجيء الاستنساخ هذا من المدخل الأمني بحيث يجري التضخيم المفرط لظاهرة الإرهاب، وبالتالي قد يتقبل الرأي العام إجراءات الحد من الحريات مقابل ازدياد درجة الرقابة علي السلوك الشخصي، وتنويع أجهزتها وأساليبها. وفي مثل هذه الأجواء يُعاد تصنيف الناس بحسب مقاييس مفتعلة، ويُصار إلي أدلجة الإقصاء لقطاع الأغراب والمهاجرين. (فالبوشيّة) بعد أن تعلمت من الصهيونية رفع المسألة الأمنية إلي مستوي الحاكمية العليا التي ستحدد وتقيّم مختلفُ فعاليات المجتمع بالقياس علي ضوابطها، أوامرها ونواهيها، كأنما يجيء الدور لكي تلتحق الدولة الأوروبية بركب الخوف والتخويف أخيراً، حتي لا يتبقي في عالم اليوم أية نماذج دولتيّة حافظة لذاكرة ديمقراطية حية ومشعة، وقابلة لأن تكون قدوة للدول الأخري المحرومة حتي من تلفظ أسماء الحرية والعدالة.

ثقافة الحداثة في أصلها تقوم علي بداهة ألا تكون للعنف المؤسسي ثمة مشروعية يستمدها من تسلطه عينه كأمر واقع. فما يمثّل الأمر الواقع هي كل الموانع المحبطة للمبادرة الحرة الصانعة لشخصية الإنسان المستقل، علي أنه ينبغي ألا تُفهم هنا المبادرة الحرة كأيديولوجيا للربح غير المحدود في النطاق الاقتصادي، بل هي المعبّرة عن نزوع الإنسان لتحقيق ذاته ما فوق القيود المتوارثة أو المفروضة في ظل أنظمة الطغيان المباشرة وغير المباشرة. فأن يبادر الفرد لأن يكون الإنسان الحر الذي يطمح إليه، ذلك هو الشرط الوجودي المؤسّس لمفهوم سيادة الإنسان واستقلاله، الذي يصير، هو عينه، إلي تأسيس استقلالية المجتمع، ومناعته العفوية أولاً ضدّ الاستئثار بالمصالح العامة لكل الناس، من أي جهة طاغية يأتي سواء من داخله أو خارجه. ولعلّ ظلم أهل القُربي هو الأشد، أي حينما يجيء العنفُ من قبل الدولة، فتتحوّل من كونها الحكمَ في توزيع الحقوق والواجبات علي المواطنين دفعاً لشطط الأنانية وغواية الاستئثار، تتحوّل إلي محور التمركز في صناعة أوهام الحرية والعدالة.

ما يحدث للسياسة في عصر الحداثة الفارطة هو أنها تصير إلي فن الخديعة المعمّمة، المنظمة. هناك طبقة من أسماء الأفكار التجديدية والحقوق المغبونة والشعارات المستحيلة، تغطي تحتها شبكيات عنكبوتية من صفقات المصالح الفئوية الضيقة، والتواطؤات غير المشروعة بين قوي الأمر الواقع من رموزها المموّهة. فقد اكتشفت ثقافة الليبرالية الجديدة أنه من الممكن اختطاف شعارات القوي المعارضة عينها، ورفعها أعلاماً صاخبة فوق نشاطاتها الحزبية والانتخابية خاصة.

وما دامت اليساريات لا تزال تتعامل مع مبادئ اطلاقية لا توقيت لها، ولا إمكانية تحقيق منظورة لبرامجها، فإنه يمكن لليمين الليبرالي أن يدّعي التبنّي لبعض رموزها الجذابة جماهيرياً، وأن يستخدمها وقوداً جاهزاً لإطلاق شرارات إعلام عرضي باهر الألوان والأضواء، غاوٍ وجاذب لجماهير الحداثة الفارطة المأخوذة بمشاهد الألعاب النارية في كل مسرح من مسارح حياتها الاستهلاكية، وهكذا يمكن لأرباب الليبرالية الجديدة أن يهزموا معارضيهم، ولو مؤقتاً بأسلحتهم المخطوفة منهم، بعد تفريغها من كل محتوي جاد وفعال.

ليست الخديعة غريبة علي السياسية، وخاصة نوع السياسة اليومية المتحوّلة إلي شبه حرفة ومهنة معترف بها كمؤسسة تتعاطي نفوذها علي أساس ادعاء الرأي الصائب، والموقف المجدَّد، والالتزام بأخلاقية العمل العام. في حين أن اعتمادها الأساسي قائم علي براعتها في استخدام وسائل التأثير الجماهيرية. فتمتزج فعاليتها اليومية مع إعلام لا يقيد نشاطه عادة بمعيارية صارمة في تعامله مع الحقائق. لكن الجديد هو أن هذه الفعاليات الثلاث: السياسية والإعلام والأعراف المهنية، هي التي تتعرض لأعمق التحولات. وربما أخطرها، مع اشتداد رياح العولمة المتوحشة، وعَصْفِها المدمر في كل ما كان يُعتبر من أعمدة الحضارة الإنسانية المتوارثة، وأمست اليوم تصارع من أجل البقاء، وتحت ضغوط الزوابع الأخري المشتقة من العولمة نفسها، كالليبرالية الجديدة، والحداثة الفارطة، والإعلام الإلكتروني الغازي لبيوت المعمورة كلها ليل نهار. ما تواجهه الدولة الموصوفة بالديمقراطية، والمتمرسة بتجاربها التاريخية الغنية، كما لدي بعض الغرب اليوم، هو هذا الغُلُوُّ في اغتراب سياسة المبادئ الضامنة للديمقراطية والحارسة لتحولاتها البنيوية المضطردة، والاستغراق في بحران السياسة الأخري الموصوفة بالتقنية، لكونها أمست مجرد جاهزية وسائل وحِيَلٍ وإجراءات مريبة صانعة لمراكز القوي ومصنوعة بها.

لكن الأدهي في كل هذا الاغتراب المتفاقم بين حقانية السياسة المبدئية ومرآوية (السياسوة) الأخري، أنه سائر علي طريق إلغاء الفوارق في الإحساس الجماهيري بين السياستين، إلي درجة الخوف من انتفاء الإحساس بهذا الاغتراب بينهما. ما يعطل بالمقابل وظيفة الاعتراض والمعارضة، ولكن ليس بقوة القمع من الأعلي ضد الأدني، بل بما يجعل هذا الأدني نفسه شريكاً طفولياً في الألعاب النارية الضاربة أطنابها في كل ساحة عامة. وهو المستهلك الأول لغواياتها العرضية بل المدمرة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية