في متحف رافع الناصري: إلى ميّ مظفّر

في بيتهِ، في الطابقِ العلويِّ، في عمّانَ، هذا الصيفَ،
كنتُ أقولُ: لِمْ فكّرتُ في بوذا؟
وكيفَ سرحتُ وسْطَ «حديقةِ الغزلانِ»؟ كيفَ؟
وليس لي قمرٌ خريفيٌّ، هنالكَ في سماءِ بحيرةٍ،
أقصى جنوبِ الصين، في «خْوانجُو«، ولا أزهارُ لوتسها،
أنا ابنَ القيروانِ، مدينةٍ نوميّةٍ، لليلِ بابٌ لا يزلّجهُ علينا في
استراحتنا الطويلةِ، غيرُها.
لا شأنَ لي بالليلِ فيها، الفجرُ فجري، الطيرُ في وُكُناتِها،
والأرضُ أُكسيدُ الحديدِ وحمرةُ الحجلِ، السحابُ هناكَ
أزرقُ فاقعٌ كالفجرِ في عمّانَ، هذا اليومَ، يصحبني
رفيقا غامضا.
شاراتُ أشجارٍ على طرُقي، وحزٌّ مثلُ نصْلِ البرقِ يشطُرني،
ونيْزكُ نُدبةٍ في القلبِ، إذ أمشي، ولكنْ لا أراني.
كنتُ وحدي في ندَى الكلماتِ، وحدي
أقتفي في الظلّ ضوءَ الناصريِّ، أطوفُ في لوحاتهِ.. الكلماتُ
أزهارُ الهواء، وماؤها ماءُ النباتِ، وكانَ بي حزنٌ عراقيٌّ، له
طعمُ الأوابدِ أو طيورِ الطينِ والغدرانِ.. رائحةُ الجلودِ، نسيجُها الكحليُّ،
حزنٌ طيّبٌ. وأنا أقول نصيبنا اليوميُّ في السبعينَ هذا الحزنُ،
والضحكاتُ ملْحُ دموعنا.
والناصريُّ مصارعُ الألوان كان بمِسْحةٍ منهُ، فِرونيكيّةٍ، وبريشةٍ وبريّةٍ
كفراءِ سِنْعِبةٍ، يلطّفُ واقفًا ألوانَ لوحتهِ، بأزهارِ الحواشي، أو يلاطفُ طيفها، يتتبّعُ الأضواءَ، يمسكُها، يلعّبُها، يطعّمُ ظلّها.
ولكلِّ لونٍ صوتهُ أو حرفهُ.
لا دالَّ في الألوانِ، لا مدلولَ، هذا الرسمُ مثلُ الشعرِ، مثلُ الموتِ، يُعْرَفُ، لا يُعَرّفُ. قلْ لهذا الموتِ: أمهِلني قليلًا أنت، حُلْ بينِي وبينِيَ أنت، هلْ يتنفّسُ الأشياءَ غيرُكَ أنت؟
هلْ للناصريّ مدينةٌ أخرى سوى بغدادَ؟ سيّدةٌ سوى ميٍّ؟ ونهرٌ غيرُ دجلةَ؟(يومَ ألقاني أخي في النهرٍ كيْ أُشفِي على موتي.. صرختُ .. وكدْتُ.. كان أخي يهلّلُ ضاحكًا.)
بغدادُ خُطّتْ بالرمادِ رمادِنا من قبلِ أن تُبنى
كُراتُ القطنِ تومضُ في خطوطِ الرسمِ، والمنصورُ كان يسيرُ في الماكيتِ، وسْطَ حوائطِ النيرانِ، في فُصْلانِها ورحابها ليلا.
مدوّرةٌ كـ»أدعِيتي» لها من ضفّتي اليسْرى إلى اليمْنى، وليسَ سوى يَدِي بنّيّةً، في الدفترِ الصينيِّ، في أوراقِ رزٍّ ناعمٍ أو سائلٍ، سوداءَ، تضربُ والمدينةُ تحت ليلِ الأمريكانِ، تميدُ.. لي أفراخُ أسماكٍ، هنالكَ، في جيوبِ النهرِ، إذْ نبني لها، برقائقٍ ذهبيّةٍ، من قِلْيهِ، من طلْحِهِ، من رملهِ وحصاهُ بيتَا.. ثمّ نحملها على راحاتِنا، قبلَ الرحيلِ، لبيتها الأبديِّ هذا النهرِ.. نَخْفِرُها معا حتى حواشي الماءِ..
في بيكينَ كان لقاؤنا بالماءِ أوّل مرّة، نحنُ العراقيّينَ.. لي ذكرى قواربَ في بحيرةِ «هانَزُو« وأنا ابنُ دجلةَ، ليس لي مجذافها الخلفيُّ، أو ريشُ النوارسِ، كي أحلّقَ فوقها.. من نهرِ «تيجو« كان لي إيقاعُ دوّاماتهِ.. للجالسينَ على الضفافِ هناك، أصواتُ البواخرِ وهْيَ تقطعُهُ كموسيقى الزنوجِ، ولي أنا أثرُ السفينةِ، خطّها أو ثَلْمُها، والبحرُ أبيضُ ثمّ أخضرُ ثمّ أزرقُ ثمّ أسودُ، ثمّ أزرقُ.. ذاك لونُ فراغنا.. قلْ كيفَ أمسكهُ؟ ولي ذكرى محاراتٍ مُسطّحةٍ مدوّرَةٍ، وألوانٌ تسمّيها لنا الأشياءُ: لولا البرتقالُ، أكانَ لي هذا الصباحُ تحيّةً من أحمدَ الجعفيّ حفرًا في النحاسِ؟ أكانَ لولا اللوتسً البرّيّ أو لولا البنفسجُ، كلّ عائلةِ النبات، الياسمينُ النخلُ والزيتونُ والمانجو يجيءُ بها إليّ «جنائنيّ» النهر سيّدهُ جواد سليم.. تلكَ كواكبي فيها تدورُ.. الأرضُ بستاني.. ونحنُ أنا وميٌّ، ليسَ أكثر من محارٍ نازلٍ في فارغِ الأصدافِ، ليلتَها، بحلمٍ واحدٍ.
بغدادُ هذا الحاضرُ الأبديُّ، من أنقاضِ أزمنةٍ بنيناها، تعلّمنا رُباعيّاتِنا الأولى بها: فلَكٌ وهندسةٌ وموسيقى، حسابٌ، والمدينةُ من رمادِ الرسمِ تنهضُ، ثمّ تسبتُ في رمادِ مَغولِها.
بغدادُ أزمنةٌ تراوحُ في زمانٍ واحدٍ.. في كلّ بابٍ، كلِّ سوقٍ.. في سديمِ صباحِها وضبابِه.
هي لم تكنْ روما ولا منصورُها الليليُّ نيرونٌ، ولا فردوسَ ملْتنْ.. ربّما «البَنْديمنومُ».. أنا رُميتُ مقيّدًا في بابها، والوجه؟ وجهي؟ صورةُ الشيطانِ أم ظلّ الملاك؟ براءتي ندمي؟
على أطرافِها تطفو الجزيرةُ كلّ صيفٍ، ثمّ تغرقُ، ثمّ تنصَلُ وسْطَ أحراجٍ من الحلفاءِ.. يبقى الساحلُ الطينيُّ لي.
مازالَ لي في الكرخِ، في حانوتِ خمّارٍ، ندامى، مسْكُ صهباءٍ تدبُّ، وجونُ عَطّارٍ، ونور الكوبِ مخروطِ الزجاجِ، يدورُ في أطباقِ فضّتهِ «اسقني، عطشان يا ولدي.. اسقني»
وكأنْ شربتُ.. شمَمْتُ ريحَ المسكِ في الكيزانِ.. حينَ همَمْتُ، أومأ باسما «أنت الغريبُ. فكيفَ آخذُ منكَ؟»
كيفَ إذًا أجمّعُ طيفَ حلْمٍ لم يزلْ متخلّعَ الأوصالِ؟ كيفَ أعيدهُ لمنامِهِ؟
لكأنّني مسترْوِحٌ ظلّ الطرائدِ في جبال القيروان بعيدةً.. لكأنّني؟

أنا لستُ رسّامَ الحدائقِ، ليس لي فخّ لأنصبَهُ لشمس هذا الصيفِ في عمّانَ حيث نهضتُ هذا الفجرَ، بي حزنٌ شفيفٌ مثل غصنِ الجذعِ منبثقًا.. تُرى؟ أم عرقُ لؤلؤةٍ؟ ولي الكلماتُ أزارٌ وحلْيٌ ليس إلّا..
إنّما في ضوءِ لوحتهِ، أرى ظلاًّ له يَشْتَمُّني
ابنُ السبيلِ أنا، وساقي الماءِ في الكيزانِ، حين يضيئني هذا الرمادُ رمادُ ضوءِ الناصريّ، أدورُ حولي إذ يدوّمُ كلّ ظلٍّ، أو تكفّ الأرضُ في بغدادَ عن دورانِها.
اللونُ يحمضُ كالحليبِ، الناصريُّ يطيرُ أبعد من يديهِ.. يطيرُ وسْطَ «حديقة الغزلانْ».

٭ شاعر من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية