عندما تنتقل حركة التحرر من المستعمرات إلى قلب بريطانيا

حجم الخط
0

تعتبر «المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية» الدولة التي صنعت الجزء الأكبر من خريطة العالم خلال الثلاثة قرون الأخيرة، ابتداء من الولايات المتحدة الى البحرين بفضل الإمبراطورية التي أقامتها وامتدت الى مختلف أراضي المعمورة. وتجد نفسها الآن مقبلة على التفتت والتحول الى دويلات في حالة نجاح استفتاء اسكتلندا المرتقب الخميس 18 سبتمبر/ايلول 2014.
وتعبير «الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس» لهذه الدولة التي غالبا ما يسميها العرب تلخيصا ببريطانيا، يكشف مدى شساعة هذه الإمبراطورية التي لا يوجد مثيل لها في التاريخ، من حيث الحجم والتأثير، والتي مازالت تحافظ نسبيا على وجودها بفضل «تجمع الكومنولث» الذي هو روابط قانونية تتجاوز تجمعات أخرى وريثة الاستعمار مثل تجمع الدول الفرانكفونية.
بعدما تفككت هذه الإمبراطورية نتيجة حركات التحرر في العالم، ولكن بعد ان نجحت بشكل كبير في صنع خريطة العالم، من خلال الدول التي أنشأتها وأغلبها كيانات مصطنعة، ومنها بعض كيانات الخليج العربي، تنتقل عدوى التحرر الى داخل تاج المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية، التي تدريجيا ستصبح أقل عظمة بفعل استقلال أقاليم/دول عن المركز لندن، ويتعلق الأمر هذه المرة باسكتلندا، بعدما كانت جمهورية إيرلندا سباقة الى ذلك سنة 1916 في عز الحرب العالمية الأولى. ومنذ الاتفاق على استفتاء تقرير المصير بين رئيس الحكومة المركزية في لندن ديفيد كاميرون ورئيس حكومة اسكتلندا أليكس سالموند، لم يخطر على بال كاميرون والعائلة الملكية الحاكمة تقدم القوميين أنصار الاستقلال بهذه القوة في استطلاعات الرأي، وتهديد وحدة المملكة المتحدة.  وتمنح استطلاعات الرأي تعادلا تقنيا بين أنصار الاستقلال وأنصار الوحدة، ويحدث أن رجح استطلاع للرأي أنصار الاستقلال خلال الأسبوعين الأخيرين بعدما كانت الهيمنة دائما لأنصار الوحدة، وهو ما جعل ناقوس الخطر يدق في لندن.
وفي حالة استقلال اسكتلندا، ستفقد «المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية» من قوتها وقيمتها الدولية. ويعني الاستقلال في هذه الحالة خروج أكثر من خمسة ملايين نسمة من المملكة المتحدة، أي 8% من السكان، وفقدان 141 مليار دولار من الناتج الإجمالي القومي، وهو ما يعادل 8% كذلك، وفقدان القواعد العسكرية علاوة على فقدان الموارد الطبيعية ومنها احتياطات النفط وقرابة ثلث المساحة. وتتناسل الدراسات خلال الأسابيع الأخيرة التي تتحدث عن الوضع الاقتصادي لاسكتلندا في حالة الاستقلال، مثل دراسة قامت بها المجلة الشهيرة «ذي إيكونوميست» يوم 12 يوليو/تموز الماضي محذرة من سيناريو أسود ينتظر اسكتلندا مستقبلا رغم معطيات الواقع الحالية الواعدة.
لكن حالة اسكتلندا تتجاوز المفاهيم والتفسيرات الاقتصادية المحضة والضيقة، وتنتقل الى مستوى آخر مرتبط بالثقافة والتاريخ. كتب الصحافي والكاتب المثير للجدل أدريان أنتوني جيل في «سانداي تايمز» يوم 3 إغسطس/آب الماضي أن «رغبة مواطني اسكتلندا في بناء دولة خاصة بهم، تتجاوز التقاعد وسعر الماء الى تصحيح حالة من غياب الانصاف التاريخي». فالاستفتاء يؤكد أن شعور القومية الإسكوتلندية عميق وضارب في التاريخ، رغم الانضمام الى التاج البريطاني عبر وحدة مفروضة منذ قرون. ويجد سكان اسكتلندا أنفسهم في الزعيم التاريخي ويليام ولاس، وليس إليزابيث الثانية أو تشرشل.
انفجر هذا الشعور القومي فجأة وفي ظرف عقدين وتبلور في ما يشبه حركة تحرر لتلك الحركات التي شهدها العالم خلال الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، حيث تحولت لندن في أعين نسبة مهمة من سكان اسكتلندا الى قوة استعمارية يجب التخلص منها، ولكن عبر صناديق الاقتراع وليس عبر السلاح كما جرى مع حركات التحرر في مناطق أخرى، بل حتى في إيرلندا في بداية القرن الماضي أو مع الجيش الإيرلندي في شمال إيرلندا التابع للمملكة المتحدة.
استفتاء تقرير مصير اسكتلندا، سواء نتج عنه الانفصال أم لا، يحمل انعكاسات ستكون عميقة على القارة الأوروبية ومناطق أخرى في العالم، فهو منعطف يؤكد رغبة بعض الشعوب الأوروبية، التي اندمجت في دول وطنية كبرى، في التحرر والاستقلال عن السلطة المركزية. والظاهرة لا تقتصر فقط على «المملكة المتحدة وبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية»، حيث مشاعر القومية ترتفع في منطقة ويلز (بلاد الغال)، بل تمتد الى مناطق أخرى من القارة العجوز. ويبقى المثال البارز هو وضع القوميات في اسبانيا، فقد أعلنت حكومة كتالونيا تقرير المصير يوم 9 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وتعلن حكومة بلد الباسك استفتاء تقرير المصير السنة المقبلة. وتطمح كورسيكا الى الانفصال عن فرنسا، ويتكرر السيناريو نفسه مع شمال إيطاليا، وقد تنقسم بلجيكا الى قسمين، كما انقسمت السويد سنة 1905 وأصبحت السويد والنرويج.
هذه التطورات هي مقدمة لمؤشرات تغيير في الخريطة الأوروبية، فهذه الخريطة تتغير كل أربعة أو خمسة عقود، عكس الفكرة السائدة باستقرار الغرب. فمنذ التسعينات، ظهرت خرائط سياسية جديدة في أوروبا الشرقية، بعد انهيار جدار برلين بتفتت دول وظهور أخرى، وذلك في سيناريو شبيه بما حدث بعد الحرب العالمية الأولى والثانية، أو إبان القرن التاسع عشر، حيث ظهرت دول وغابت أخرى. ويبقى المحرك الرئيسي لهذه التطورات الجيوسياسية، هو الشعور القومي الضارب في جذور التاريخ وعنوانه الآخر «كرامة الهوية».
وعلاقة باستفتاء اسكتلندا، لم تتحدث لندن عن مؤامرة خارجية لتفتيت «المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية»، وإن كانت بعض الدول ستكون سعيدة باستقلال اسكتلندا مثل، فرنسا والمانيا لأنه يعني تزعمهما للقارة الأوروبية في ظل ضعف لندن، بل تتفهم رغبة جزء من الاسكتلنديين في الاستقلال. وهو الموقف نفسه الذي تبديه الحكومة المركزية في اسبانيا تجاه كتالونيا، الراغبة في الاستقلال. هذا لا يحدث في مناطق أخرى من العالم ومنها العالم العربي، حيث تتم مواجهة كل مطالبة بالحكم الذاتي أو الفيدرالية أو الحق في تقرير المصير بالتخوين والعمالة للخارج، في وقت تكون فيه السلطة المركزية العربية الأكثر خنوعا للخارج، ويكفي رؤية حسابات في البنوك الخارجية لحكام سقطوا مثل المصري حسني مبارك، أو الليبي معمر القذافي وآخرين يستمرون في السلطة من المحيط الى الخليج.
سيجري الاستفتاء اليوم الخميس 18 سبتمبر 2014 في اسكتلندا، وقد يتفوق أنصار الاستقلال، ووقتها نرى علم ما تبقى من المملكة المتحدة يرفرف فوق السفارة التي ستفتتحها في إدمبورغ، كما ترفرف الآن في دبلن عاصمة جمهورية إيرلندا بعدما انفصلت عنها سنة 1916. وقد يحدث ويخسر أنصار الاستقلال، لكن الشعور القومي وشعور «كرامة الهوية» سيستمر محركا قويا في تغيير الخرائط السياسية، والآن تعاني «المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وإيرلندا الشمالية» التي صنعت نصف الخرائط السياسية في العالم وتجد نفسها مرشحة للانقسام.

 ٭ كاتب مغربي

د. حسين مجدوبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية