سؤال يلح على عقلي وذهني منذ فترة تقارب العام.. سؤال يطاردني بدون كلل، ويتزاحم مع أسئلة كثيرة متشابكة حول الوضع السياسي الداخلي والخارجي، أغنية قديمة أحاول تذكر اسمها، موعد عودة الجماهير «الحقيقية» لمدرجات ملاعب كرة القدم الخرساء في مصر، ثمن علبة السجائر المهربة، نبتة الفرز السابع في بلدها الأصلي، وكونها بنصف ثمن سجائر «السوبر» المحلية والمحبوبة إلى رئتي، أو عما إذا كان من الأفضل الوقوف على عفريتة قطار أبي قير، أو ركوب الترام بدلا من ركوب ذوات الأربع التي يصيبها سعار ارتفاع السولار والبنزين يوما تلو الآخر، أو حتى سؤال هامشي عن جدوى أي من تجارب الحب السابقة.. وأخيرا سؤال حول الغربة إن كانت أشد إيلاما، وأنا قابع في حدود جغرافية أخرى؟ أم تكمن قسوتها الحقيقية في الشارع والسوق وسط ملايين الوجوه التي لا تتكرر كل يوم، رغم ألفة طفولية تسيطر على كل جوارحي وأنا أسير وسطهم في المسير نفسه، حتى إن ابتعدت نقاط وصولهم عن نقطتي المسكينة.
«هل فقدت الرغبة في الكتابة حقا؟»
يراودنى مجددا حتى وأنا أكتب هذه السطور المبعثرة، التي أقاوم بها فقدان هذه الرغبة.. إن وجد هكذا فقدان.. فحتى الآن لا أعرف إجابة حازمة على هذا السؤال. كالتائه في أول ولوج له للقاهرة.. أو كدرويش اختلطت عليه أمور الدنيا فضل طريق الوصول لليقين. فكثير من أوجه الحكايات تتناثر أمامي كل لحظة.. كالطفل الذي سخر وسط المقهى من الديكتاتور، وكلمته في افتتاح كأس الأمم الافريقية، فأضحك كل الجالسين، أو أم حباطة التي تغني وقتما لا يقف زبون على عتبة فرشها ليبتاع المش أو القريش، بعضا من أغاني إسماعيل ياسين وشكوكو وأحمد عدوية وبدرية السيد، وبالأخص موال «العدل فوق الجميع» لبدارة، أو حكايات أخرى عما تبقى من رسوم أو عبارات مختبئة متناثرة هنا وهناك على جدران شوارع الإسكندرية تذكر بأن ثورة ما قد قامت في هذا البلد، أو بمجزرتى بورسعيد والدفاع الجوي. وحتى حكايات أسمعها من بعض من إخوتى السوريين والليبيين والعراقيين والسودانيين عن أوضاع بلدانهم، مهما اختلفت الآراء. لأجد نفسي أنساق إلى جلسة لتدخين الحشيش مع صديق طفولتي محاولا الهروب من زحمة الأفكار والوجوه.
لكن حتى لسعة الحشيش لا تتركني هانئا بمتعتها السريعة الخفوت، لتتملكني شهوة مشاركة هذه المتعة مع كل الناس في الشارع، فأجدني أنسل وحيدا هاربا نحو طريق البحر، أعربد بصوت عال وصارخ كصرخة الميلاد في شوارع المدينة، أصدح أو أزعق أغنية عمرها قرن من الزمان لحنا وكلاما، كأعجوبة سيد درويش «أهو ده إللي صار»، أو حتى «حدوتة مصرية» بنسخة أحمد منيب المكبوتة أو «مصر يامه» للشيخ إمام، وأظل في مسيري هكذا، أردد كل أغنية لأكثر من مرة على مسامع كل من أمرُّ بهم، بل أتفنن في التنقل بين جانبي طريق البحر، أو أستغل وقوف السيارات والمشاريع وأتوبيسات النقل العام في إشارة مرور، وهم وحظهم أي أغنية أردد، وأنا أسير وسط ذلك الزحام المتوقف لهنيهة.. ولا أخفيكم أن صوتي أبشع ما يكون حين أغني، لكنني لا أغني ـ لا سمح الله ـ بل أصرخ.. كنديم مرّ ليلقى التحية وكفى.. فأتأمل وجوها متبدلة الانفعالات.. فمن الألفة للشفقة للدهشة للسخرية للتفكير في بضع كلمات أرددها. مجموعة من الانفعالات مصاحبة ليقين مشترك بين كل من أمر بهم أثناء عربدتي في شوارع المدينة.. وهي أنني مندوه ندهتني النداهة.. وهو لأمر عظيم الشأن إن صار المرء مندوها لبلد كمصر.. يكلمها وتكلمه.. يغضب منها ومن صمت هي مجبرة عليه حينا، ويدللها ويغازلها كمحبوبته الوحيدة والأبدية حينا أخرى.. وكم كثيرة هي الليالي التي اكتشفت أنني بقيت أعربد هكذا من المنتزة إلى المنشية، أو العكس. كما أعرف أن الكثير من أصدقائي ورفاقي شاهدوني مصادفة وأنا في نشوة عربدتي تلك.
أعود بعدها للبيت فأجدني لا أقوى على حمل القلم الهزيل.. فماذا سأكتب؟ ولمن؟ ولماذا؟ فيحتل رأسي صداع لا يقاوم، كالذي يسيطر الآن أثناء كتابة هذه الكلمات.. فينضب معين الحروف والكلمات والتصويرات داخل عقلي المسكين، الذي مازال يعرف ويؤمن بالحقيقة، وليس من السهل أن يخدعه زيف الدنيا اللعوب.. فمازال يعرف أن الكيان الصهيوني عدو تاريخي، رغم كل الانحطاط الحاصل، ومازال يعرف ويؤمن بأن وعي أم حباطة وفنكش ديلر الحشيش وعماد الفران وغيرهم من أغلبية الشعب الكاسحة، أسبق وأعمق من وعي أتخنها مثقف.. فلا عجب إن سمعت القهوجي يتحدث عن خطورة ما يسمى «صفقة القرن»، أو حدثك بائع السجائر المهربة عن كوارث تعويم الجنيه وقرض صندوق النقد الدولي، أو سخرية زميل عابر في الوقوف على عفريتة القطار من العاصمة الإدارية الجديدة.
ما أعرفه الآن أنني سأظل أقاوم طغيانهم وتجبرهم بكل صورة ممكنة، بالكتابة أو بالفعل.. سيظل الطفل المندوه في داخلي يعربد كل مساء في شوارع الإسكندرية، بدون خشية أن تأتيه ضربة مباغتة من الخلف على قفاه، بيد مخبر أو أمين شرطة لتقتاده إلى ما هو معلوم مجهول
فلما لا أكتب إذن؟ ولماذا أستسلم لصداع شيطاني يمنعني حتى من وضع تعديلات على المسرحية الغلبانة التي أنجزتها؟ بسبب الخوف؟
لا.. الخوف قواد على رأي العظيم نجيب سرور.. وكيف يخاف المرء بعدما صارع وواجه الموت مرات عديدة أمام قنابل الغاز المنتهية الصلاحية، والخرطوش والرصاص الحي وقت تفتح ربيع عمره في سنوات الثورة الأولى، أهناك أكثر من مواجهة الموت والخروج ولو للحظة منتصرا؟ نعم.. أن تتحول لآلة.. لخردة لا فائدة ترتجى منها.. لأطلال ثائر مهزوم يبحث عن مكان يبيع فيه قوة عمله لأكثر من 12 ساعة متواصلة، من أجل شراء سجائر مهربة رخيصة ومجهولة المصدر.. من أجل دفع مصاريف الكلية التي تغتصب شرعية التعليم المجاني.. من أجل تحويش أكبر قدر من الفلوس للهروب في مركب عبثية إلى الشاطئ الآخر.. من أجل دبلة خطوبة لا تعرف إن كانت ستكتمل أم لا.. أو حتى من أجل قطعة حشيش تأتي بها من يوميتك الزهيدة.
لا! هذه أسباب تدفع للمزيد من الخنوع والاستسلام.. ليست هي السبب الحقيقي لفقدان الرغبة في الكتابة.. فلا يوجد سبب لفقدان معدوم الوجود كهذا.. إنه القهر وحده يا سادة، القهر هو الذي يجعلك تشعر بثقل وزن القلم، رغم هزالة حجمه، فيمنعك من بذر التقاوى في أرض من صفحات بيضاء بكر. القهر الذي مصدره الوحيد ثورة مضادة تستعبد الشعب وتجوعه وتقتل أي إبداع أو تغريد خارج السرب في مهدهما، وتخاف من شعبية لاعب كرة منفي قسرا، وفي الوقت ذاته تبث الأمل الزائف عن الرخاء الموعود ـ وهو لتلك الطبقة الحاكمة فقط بالطبع- أو عن معان مجردة مثل الإرادة والتحدي و.. و.. و، أو أن يأكدوا لنا أن ابن مصر ضد الكسر، وكأننا لا نعرف هذه الحقيقة، رغم محاولاتهم كسر ابن مصر، كل يوم وبكل صورة.. وزغردي ياللي إنتي مش غرمانة. ذلك القهر الذي تستوجب مواجهته بالفعل والقول. والقول كثير ما يكون أقوى وأعمق تأثيرا من الفعل.. فالكلمة مكتوبة أو ملقاة ليست إلا روحا مقاومة.. تقاوم كل أشكال الذل والاستعباد والقهر الاجتماعي والطبقي والسياسي، وما أعظمها إن كانت نكتة كسخرية طفل المقهى المذكور أعلاه، الذي واجه الغولة بعينيها الحمراوين في خفة روح ودم متوارثة منذ أيام بردية الفلاح الفصيح.
لا أعرف إن كان ما كتب أعلاه مجرد هذيان مبعثر في صورة كلمات متراصة، أو مجرد فضفضة قد يقرأها أو لا يقرأها أحد.. ولا أعرف كيف كتبت، ولماذا، وإن كنت تحت تأثير الحشيش، أو تحت تأثير رائحة اليود الخارجة من أمواج البحر.. لكن جل ما أعرفه الآن أنني سأظل أقاوم طغيانهم وتجبرهم بكل صورة ممكنة، بالكتابة أو بالفعل.. سيظل الطفل المندوه في داخلي يعربد كل مساء في شوارع الإسكندرية، بدون خشية أن تأتيه ضربة مباغتة من الخلف على قفاه، بيد مخبر أو أمين شرطة لتقتاده إلى ما هو معلوم مجهول.. سيبقى يعربد مع بهية ويسامرها في خلوته بها وسط الزحام، أو في تبادل النكات والكلام الجاد والسباب والشخر والفصال في سعر كيلو البصل، أو هدمة جديدة، مع الملايين من جواهرها الدفينة التي كانت ومازالت وستبقى تنجبهم هنا وهناك، بدون أن ينضب معينها المقدس أبدا، رغم اغتصاب الطغاة والغزاة الجدد لخيرها الوفير والمتجدد بالثورة والحب وأناشيد ميلاد الفجر الجديد. ستبقى هي ملهمتي الوحيدة والأبدية، تمسح عني دموع غضبي منها لتبدله لنكتة. ستبقى مصدر مقاومتي الوحيد، للزيف والاستعباد والاستغلال والطغيان الممارس ضد كل الحرافيش والفقراء ومسلوبي الإرادة واللاجئين وأطفال غزة والقدس ودمشق وحلب وتعز وعدن وكل بقاع الأرض.
سأبقى، ولتبقوا أنتم أيضا، في مقاومة كل الممنوعات طمعا في ثورتها وحبها ووصالها.
٭ كاتب مصري