قضية هاجر الريسوني تضع علامة استفهام على مستقبل المغرب في مجال الحريات والحقوق

سعيد المرابط 
حجم الخط
0

الرباط-“القدس العربي”: “كنت أتمنى أنه عوض أن تصدر النيابة العامة بلاغها، الذي أصدرته، أن تطلق بلاغا يطلب من الناس الذين شهروا بي أن يوقفوا ذلك، وألا يحكموا علي قبل أن تصدر محكمتكم حكمها”… كلمات وجهتها هاجر الريسوني للمحكمة، تشي بأن المرأة المغربية تخشى من محاكم الشارع أكثر من محاكم الدولة.

نفور بين المجتمع المدني والساسة

الخوف من الناس ومن نظراتهم، قضية أخرى تضاف إلى قضية أوضحت النفور والبرزخ البيّن بين الطبقة السياسية والمجتمع المدني في المغرب، وجعلته بينا للغاية، فكل منهم في واد.

قضية الصحافية هاجر الريسوني، التي تقبع في السجن لارتكابها جرائم مزعومة كممارسة الجنس خارج إطار الزواج والإجهاض، وحدت كل القطاعات المدنية بطريقة غير معروفة حتى الآن.

فها هما الكاتبتان ليلى سليماني وسونيا تيراب تتصدران بيانًا وقعته بالفعل على الأقل 490 من النساء المعروفات من جميع المجالات، حيث جرمن أنفسهن بعد أن مارسن “الجريمة” نفسها التي ارتكبتها الريسوني: “جميعنا خارج القانون” في إشارة إلى هاجر.

وها هو الناشط الحقوقي، طارق البكاري ينتقد ذلك، ويؤكد في تصريحه لـ”القدس العربي” أن السلطة “أظهرت أنها لا تختلف في أصوليتها عن حركات الإسلام السياسي، الذي تدعي أنها حائط صد له، بل يمكن القول إن هذه المواد في القانون الجنائي أكثر تطرفا وتشددا حتى من الشريعة الإسلامية في أقصى تأويلاتها الحرفية والنصية”.

وبين التغلغل في الحياة الخاصة، والمكائد السياسية أو كليهما في الوقت نفسه، تدور قضية هاجر الريسوني، الصحافية البالغة من العمر 28 عامًا والتي تم اعتقالها في 31 آب/أغسطس.

وهي قضية هزت قسوة المجتمع المغربي الذي لا ينتهي به الأمر إلى التعود على هذه الأنواع من الحالات والقبول بها. فالطبقات “المحافظة” تدينه باعتباره تشريعًا قانونيا وشرعيا، والطبقة “التقدمية” لا ترى فيه ملاءمة مع مغرب الـ2019.

“قضية سياق يعيشه المغرب”

قضية هاجر بالنسبة للناشطة سارة سوجار، هي قضية “السياق الذي يعيش فيه المغرب؛ كقمع وهضم للحريات وضرب للحقوق، وكذلك سياق المحاكمات والتي من أهمها محاكمة نشطاء حراك الريف التي وصلت أحكامها إلى العشرين سنة، ومتابعات كثيرة في حق النشطاء، وفي حق الحقوقيين، وفاعلين سياسيين، وأي أحد ينتقد السلطة أو السياسة في البلاد. وهذا هو السياق العام الذي جاءت فيه قضية هاجر الريسوني”.

وتعتبر الناشطة الحقوقية، التي كانت ضمن شباب حركة “20 فبراير” أن أهم شيء في القضية هو “القانون الرجعي، المتخلف، المستمر منذ ما قبل دستور 2011 وقبل مصادقة المغرب على مجموعة من المعاهدات الدولية، من أهمها تلك المرتبطة بحقوق النساء، والمرتبطة بالحريات”.

“وأن تتابع امرأة بهذه التهم، كوقف الحمل، والعلاقات الرضائية، في سنة 2019 فهذا إشكال حقيقي” تقول سوجار لـ”القدس العربي” ومعناه أن “نضع علامة استفهام على مستقبل المغرب في مجال الحريات والحقوق”.

وتضيف أن “القضية الأخرى هي تعامل السلطة مع المسطرة الجنائية، ومع القوانين في المغرب، بحيث أننا نجد السلطة سباقة دائما إلى انتهاك مجموعة من المساطر والقوانين؛ من أهمها طريقة الاعتقال ونسج التهم، وكذلك نسج القصص التي تفتقر لأدنى الدلائل، وهذا يوصل أحيانا إلى الشطط في استعمال السلطة، لأن من يملك النفوذ يستطيع استعمال القانون والمسطرة والعقلية والسياق للتعبير عن مواقفه”.

وتؤكد سوجار على أن هذه القضية “ذات أبعاد مركبة، يصعب على الواحد أن يعطيها تفسيرا واضحا” مشددة على أن أهم ما فيها هي ثلاثة مطالب أساسية تكمن في: “المراجعة الشاملة للقانون الجنائي، فقد حان الوقت ليحسم المشرع في مرجعية التشريع في المغرب، هل هي مرجعية حقوق الإنسان والحريات، أم مرجعية الدين والتقاليد والأعراف، التي أكل عليها الدهر؟ وعلى المغرب الخروج من سياق قمع الحريات والحقوق، نحو سياق أوسع يضمن حرية الرأي والتعبير، وضمان الحق في ممارسة الحرية الشخصية وعدم استغلالها في أي شأن كان”.

وختمت تصريحها متمنيةً “الإفراج الفوري عن هاجر، وإسقاط التهم الموجهة لها التي لا تحمل أي معنى في ظل التحولات المجتمعية، التي نعيشها، والتي تثبتها الأرقام والإحصائيات، وواقع الشارع يثبت هذه التحولات والفوارق الواضحة ما بين قوانيننا والواقع”.

“القضية “قانونية وحقوقية وأخلاقية”

ثلاثة أضلاع للقضية، القانون والأخلاق والحقوق، تتقاطع في ملف سمم الأجواء في المغرب، حسب ما يعتبره الناشط الحقوقي خالد البكاري، في قضية هاجر الريسوني ومن معها من معتقلين، قائلاً لـ”القدس العربي” إن “مجموعة من القضايا؛ قانونية وحقوقية وأخلاقية، تتداخل في ما بينها”.

ويضيف مفسرا رؤيته للقضية، من الجانب الأول أنه “على المستوى القانوني، أثبتت مرافعات الدفاع، عجز النيابة العامة عن الإقناع في ردودها، وانتفاء أدلة حول الإجهاض الإرادي، وانعدام حالة التلبس، مما يدل على وجود نية استهداف هذه الصحافية، لأسباب غير معلنة، لكنها تلتقي سياقيا حول انتمائها العائلي لأسرة تضم رجل دين معارضا، وصحافيا مزعجا بخلفية يسارية، وقياديا في أكبر جمعية حقوقية في المغرب، كما تلتقي حول انتماء هاجر الصحافي لجريدة يعتبرها البعض، آخر الصحف المستقلة في المغرب عن دوائر المال والسلطة”.

وفي الجانب القانوني، يشدد على أن قضية هاجر الريسوني، “وضعت الذين صنعوها في المغرب؛ في وضع لا يحسدون عليه” مضيفًا، أن الأمر “لا يتعلق باستهداف صحافية أو معارض أو جريدة تغرد خارج السرب، مما توجد أمثلة له في المحيط الإقليمي، ولكن بما هو أخطر، وهو توظيف نصوص قانونية متخلفة تتدخل في الحياة الخاصة للمواطنين، نصوص تجرم العلاقات الجنسية الرضائية بين مواطنين راشدين، وتمنع المرأة من التوقيف الإرادي الطبي لحمل غير مرغوب فيه، لسبب من الأسباب، طبعا هاجر ومن معها نفوا هذه التهم، لكن المعيب، ليس فبركة تهم فقط، بل المتابعة على أساس مواد كان يجب أن يتم حذفها من القانون الجنائي، إذا كنا بالفعل نتوق لدولة تحترم اختيارات المواطنين”.

ومن الزاوية الثالثة، وبمجهر أخلاقي، يرى البكاري، أن “سقوط السلطوية كان مدويا، في عدم تحريك النيابة العامة تلقائيا لمتابعة المنابر الإعلامية التي قامت بالتشهير المخل بأخلاقيات مهنة الصحافة، في حق هاجر الريسوني أساساً”. مضيفًا أنه “تشهير وظف الأكاذيب الساقطة، وسرب تقارير طبية تدخل في نطاق السر المهني، ولم يتورع عن الحديث عن مناطق حميمية من جسد هاجر الريسوني”.

“لا أعرف كيف سأخرج”

في الوقت الذي يقوم فيه المجتمع المدني بالتعبئة، تتجاهل الأحزاب السياسية القضية، فهي منشغلة بإعادة تشكيل وزاري محتمل، أو تشكيل مجلس استشاري في المستقبل؛ يطور سياسة تنموية جديدة في المغرب.

وتم إلقاء القبض على الريسوني رفقة خطيبها السوداني، رفعة الأمين، وطبيبها النسائي ومساعد الطبيب وممرضة؛ عندما كانت تغادر عيادة في الرباط.

وألقى رجال الشرطة القبض على الأشخاص الخمسة، وجميعهم متهمون بالإجهاض غير القانوني، وقد يتعرضون لعقوبة سجن طويلة. ووفقًا للقانون الجنائي المغربي، لا يُسمح بإنهاء الحمل إلا عندما يكون هناك خطر على حياة الأم.

ولكن تشريع الإجهاض في حالات تشوه الجنين أو الاغتصاب أو زنا المحارم؛ لم يأت وقته بعد إلى المغرب، فقد تقطعت به السبل في البرلمان.

أما الاتهام الثاني ضد هاجر فهو ممارسة علاقات جنسية خارج إطار الزواج، والتي يعاقب عليها في المغرب بالسجن لمدة عام.

وفي 19 أيلول/سبتمبر رفض قاضي الاستئناف طلب الإفراج المؤقت عن الصحافية واحتفظ بها في السجن “لخطورة التهم” حسب رأيه، والتي أثقلت عليها، ولم تملك أمامها سوى كلمتها الأخيرة “لا أعرف كيف سأخرج وأنظر في الناس، بعدما تم التشهير بي وبعائلتي”.

“معاكسة لمجرى التاريخ”

وفي تدوينة على حسابه الشخصي، على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” كتب الباحث في الفقه الإسلامي محمد عبد الوهاب رفيقي، أن “الدولة الحديثة لا تعاقب على فعل لأنه حرام، تعاقب عليه لأنه مخالف للقانون، لأنه يمثل ضررا على المجتمع، أما الحلال والحرام فهي أمور تعني الفرد في علاقته بمعبوده وتخص قناعاته واختياراته”.

رفيقي، الذي يدعو إلى “رفع الوصاية عن حياة الناس الخاصة” يعتبر أن “تجربة الإيمان والاختيار الديني هي تجربة فردية في الأساس، ولا يمكنها أن تكون كذلك إلا بتحرير الإرادة كليا، من دون وصاية من مجتمع أو قانون أو دولة”.

وشدد الفاعل الديني في المغرب، على أن مهمة الدولة “تأطير المجتمع بالقوانين التي تحافظ له على سلامته العامة، وتمنع اعتداء الأفراد بعضهم على بعض، وليس تحديد الحلال والحرام، ولا اقتحام بيوت النوم لمعرفة إن كانت العلاقة مشروعة دينا أو محرمة”.

وأشار إلى أنه يجب “الوعي بأن العالم ونحن جزء منه، يتجه نحو التخلص من التأطير الجماعي بمختلف أنواعه، نحو الفردانية، لذلك كل محاولة لفرض اختيارات معينة على الناس، أو التدخل في حياتهم الخاصة هو معاكسة لمجرى التاريخ”.

الصحافية هاجر تنفي الإجهاض، وتقول إنها ذهبت إلى طبيبها بسبب نزيف حاد، وليس لدى الشرطة أي دليل على ارتكاب الجريمة المزعومة وفق ما يقوله محاموها.

كما أعلن محاموها بدورهم، أنهم سيقاضون قوات الأمن بسبب التعذيب والمعاملة القاسية والمهينة بعد تقديمها لها من دون تصريح لإجراء فحص طبي في مركز الشرطة.

وعن هذا الإجراء، وبنوع من مما يسميه البعض بـ”رومانسية المناضلين” وبكلمات تتوق إلى حلحلة هذه القضية، يقول البكاري لـ”القدس العربي”: “نتمنى أن يكون القضاء في حجم مسؤوليته المتعلقة بالأمن القضائي المنطلق من حماية الحريات والحقوق، وألا ينجر كما انجرت النيابة العامة نحو سردية الأجهزة الأمنية، وإلا سيتم تكرار ما وقع في ملفات ذات نفحة سياسية، كان فيها القضاء للأسف رجع صدى لمحاضر الضابطة القضائية، مما جعل مراقبين يتحدثون عن أمننة القضاء”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية