“أنتم لا تخافون على جيشكم؟ لا تقلقكم صدمة الضباط الصغار بوصف قادتهم بأنهم أشخاص غير جيدين؟ لا تعرفون الجيش؟ الجيش مؤسسة مغلقة..حساس جداً بشكل كبير لأي سلوك غير مناسب، خاصة بالنسبة للقادة”، هكذا وبخ الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، كل المشاركين في المظاهرات الصاخبة التي جرت في نهاية الأسبوع الماضي.
وحسب أقواله، مستشارون وضباط كبار توسلوا إليه بأن لا يرد علناً على اتهامات الفساد التي وجهها لهم المقاول والممثل محمد علي في سلسلة أفلام فيديو قصيرة نشرها في “يوتيوب” و”تويتر”. “لقد قلت لهم بأنه تسود بيني وبين الشعب ثقة كاملة… لا يمكن أن يأتي شخص ويقول للناس: الشخص الذي تثقون به شخص غير مستقيم. هذا هو الأمر الأكثر خطورة في العالم، خاصة عندما يقال عن القيادة العسكرية”. الثقة التي تحدث عنها السيسي لم تكسر السبت الماضي عندما خرج الآلاف إلى الشوارع في القاهرة والإسكندرية والسويس ومدن أخرى وطالبوا بعزل الرئيس. الشرخ بدأ بعد وقت قصير من تسلم الرئيس للحكم في تموز 2013، وبدأ بتنفيذ سياسة القبضة الحديدية ضد خصومه السياسيين.
لم يوجه صراعه فقط ضد الإخوان المسلمين، الذين أطاح السيسي برئيسهم واعتبرهم منظمة إرهابية. أكاديميون وصحافيون ونشطاء أحزاب ومنظمات حقوق المواطن وفنانون وطلاب وجدوا أنفسهم في السجن أو تحت تهديد قضايا قانونية، إما بذريعة المس بأمن الدولة أو المس باحترام الرئيس أو سمعة مصر. كثيرون منهم “اختفوا” لوقت طويل دون أن يعرف أحد من أقاربهم مكان اعتقالهم ومصيرهم. وقد منعوا من الالتقاء مع المحامين أو الاتصال مع عائلاتهم.
الجمهور الواسع لا يعرف، لأن قليلين منهم ينجحون في الوصول إلى وسائل الإعلام، ولكن لكل موجة اعتقالات بطل، وبطلة المظاهرات الأخيرة هي المحامية ماهينور المصري، ناشطة في حقوق الإنسان (33 سنة)، اعتقلت عند خروجها من مبنى المدعي العام في القاهرة. هناك أعطت استشارة لمعتقلين آخرين. للمصري تاريخ طويل في المواجهات مع السلطات. فقد عملت ضد نظام مبارك ومرسي، والآن تعمل ضد نظام السيسي. في كل فترة من فترات الحكم هذه حبست لفترة قصيرة ودفعت غرامات كبيرة، لكن الخطوات التي اتخذت ضدها لم توقفها. لقد استمرت في المساعدة والدفع من جيبها الخاص ومن أموال ميراثها التي حصلت عليها بعد موت والدها، رسوم الكفالات التي طلبت من المعتقلين. قال أصدقاؤها إنها كعضوة في حركة الاشتراكيين الثوريين، تشعر بالذنب بسبب ثراء والدها، من هنا جاء كرمها.
اعتقل هذه المرة إلى جانبها سياسيون وكتاب حظوا بأن تذكر أسماءهم منظمات حقوق إنسان. في مظاهرات نهاية الأسبوع لم تعرف هذه المنظمات عدد الأشخاص المعتقلين. وتحدثت إحدى المنظمات عن 220 معتقلاً، وأخرى تحدثت عن 274، وفي عدد من الشبكات الاجتماعية نشر العدد 500. الأمر الواضح هو أن مشهد المظاهرات كان استثنائياً جداً في كل فترة ولاية الرئيس المصري. وبكونه كذلك، فقد طرح تقديرات وتخمينات بالنسبة لاستقرار نظامه وحتى استمرار حكمه.
ربما تساهم تلك الفيديوهات االتي نشرها محمد علي عن الفساد في الجيش في هز القيادة العسكرية وإجراء تغييرات في الوظائف
ولكن خلافاً لمبارك، الذي عانت علاقته مع الجيش بين ارتفاع وهبوط، وساد بينه وبين وزير الدفاع وقائد الجيش محمد حسين طنطاوي توتر وصل إلى الذروة عندما وقف الجيش إلى جانب المتظاهرين في الربيع العربي في 2011… يبدو أن للسيسي علاقة وطيدة مع الجيش ووزير الدفاع الجنرال محمد زكي. زكي كان قائد القوة التي اعتقلت مرسي في القصر الرئاسي وشهد ضده بأنه أمر الجيش بإطلاق النار على المتظاهرين.
ولكن مؤخراً، نشرت تقارير تفيد بأنه هناك، بين السيسي وزكي، خلافاً في الرأي قد يؤدي إلى عزل زكي، كجزء من تعزيز رص الصفوف الذي ينوي السيسي إجراءه في الحكومة؛ فربما تساهم تلك الفيديوهات االتي نشرها محمد علي عن الفساد في الجيش في هز القيادة العسكرية وإجراء تغييرات في الوظائف. حسب عدد من التقارير فإن الشخص المسؤول عن الكوادر العسكرية والسياسية هو رئيس المخابرات عباس كامل، المعروف في إسرائيل باعتباره الشخص المكلف من قبل الرئيس بالاتصالات مع حماس والجهاد الإسلامي، والذي يحاول التأثير على السيسي لعزل رئيس الحكومة مصطفى مدبولي بسبب فشله الإداري الذي يضر بخطة الإصلاحات والتطوير التي يحاول السيسي تنفيذها.
من الزعيم؟
مصادر في مصر قالت للصحيفة إن المظاهرات الأخيرة وضعت السيسي في وضع محرج جداً، سواء بسبب إبراز الحرب ضد الفساد العسكري أو بسبب عرضهم السيسي كمن يجهل ما يحدث في الجيش. لذلك، رغم حقيقة أنه اعتبر درعاً للجيش وأنه هو الذي منح وزارة الدفاع الحصانة ضد انتقاد مجلس الشعب، فسيضطر إلى إجراء تغييرات بعيدة المدى في القيادة العليا لإظهار السيطرة وتهدئة غضب الجمهور.
لن تكون هذه المرة الأولى التي يظهر فيها السيسي للجيش من هو القائد. ففي حزيران الماضي، قام بعزل وزير الدفاع وقائد الجيش الجنرال صدقي صبحي، الذي كان مشاركاً أيضاً في عزل مرسي، بسبب خوف السيسي من أن صبحي يراكم قوة كبيرة جداً في الجيش وقد يتآمر ضده. هذا بعد أن تبين له بأن صبحي أظهر معارضته لنية الرئيس تعديل الدستور بشكل يضمن استمرار ولايته، حتى بعد ولايتين متتاليتين. إقالة صبحي كانت مخالفة للدستور، وتقتضي مصادقة المجلس العسكري الأعلى وتسحب من الرئيس الصلاحية لإقالة قائد الجيش، لكن السيسي حصل بسهولة على موافقة المجلس الأعلى ونفذ خطوته بدون معارضة. هذه الخطوات قد تضمن أن الجيش سيواصل دعم الرئيس ويحافظ على مكانته من أجل الدفاع عن المصالح العسكرية، حيث تحول إلى مقاول رئيسي لمشاريع حكومية يحصل على تنفيذها وأرباحها ويعفى من دفع الضرائب.
لا يجدر بالسيسي الخوف أيضاً من انقلاب سياسي، فمعظم أعضاء مجلس الشعب هم أعضاء في الحزب الحاكم أو مرتبطون به بالتزام ائتلافي تم التوصل إليه بالتمويل والضغط. هذا بشكل عام برلمان أخرس يتجند لتمرير كل تشريع يقترحه الرئيس. في هذا الأسبوع وفي أعقاب المظاهرات، اقترح رئيس لجنة الصناعة، محمد فرج عامر، سحب جنسية كل شخص يمس بمصر وشعبها ورئيسها، والحكم عليه بالسجن المؤبد. مشروع الاقتراح هذا الذي يذكر بأفكار جامحة انتشرت أيضاً في الكنيست بإسرائيل، انضمت إليه أيضاً عضوة لجنة الدستور، سوزي ناشد، التي أوضحت بأن “كل من يمس الدولة أو مكانة الرئيس لا يعتبر ابناً للأمة… هؤلاء الناس لن يتأثروا من سحب مواطنتهم (لأنهم أصلاً غير مخلصين)، لكن تمنع عنهم الجنسية”. يبدو أن شعار “بدون ولاء لا توجد مواطنة”، وضع قاسماً مشتركاً آخر بين إسرائيل ومصر، حيث إن الولاء فيهما لرئيس السلطة التنفيذية مثل الولاء للدولة. هذا الموقف البرلماني يستهدف اعتبار أعداء الرئيس كأعداء للشعب الذين يجب استئصالهم بكل السبل.
يعرض أعداء الرئيس مشاهد لا تقل غرابة. هذا الأسبوع نشرت على مواقع التواصل وثائق أصلية كما يبدو تذكر أن والدة السيسي يهودية مغربية باسم مليخا تيتاني، وهذا هو سبب العلاقة الوطيدة التي يقيمها مع إسرائيل. المثير هو أن حكومة المغرب بادرت إلى نفي ذلك بشكل رسمي، وإنكار أن الوثائق أصلية.
إزاء مشاريع القوانين هذه يعرض أعداء الرئيس مشاهد لا تقل غرابة. هذا الأسبوع نشرت في الشبكات الاجتماعية وثائق أصلية كما يبدو، فيها ذكر بأن والدة الرئيس يهودية مغربية باسم مليخا تيتاني، وهذا هو سبب العلاقة الوطيدة التي يقيمها مع إسرائيل. وجب على شمعون بيرس أن يضحك في قبره، فهو ليس الزعيم الوحيد الذي أمه تخجله لأنها ابنة الشعب العدو. المثير هو أن حكومة المغرب بادرت إلى نفي ذلك بشكل رسمي، وإنكار أن الوثائق أصلية. ولكن هذا غير مهم، فقد تحولت الشائعات إلى حقائق. النوادر الشائقة التي ترافق المواجهات الكلامية بين الرئيس ومقربيه وبين معارضيه لا يمكن أن تغطي السخونة التي قد تصل إلى درجة الغليان. مصر تحصل على مديح البنك الدولي ومن مؤسسات تمويل دولية من جراء الإصلاحات التي يقوم بها السيسي، وخفض نسبة التضخم والتقليص الحاد في الدعم الحكومي. توقعات النمو إيجابية، وحتى البطالة انخفضت.
ولكن هذه الإصلاحات تكلف المواطنين ثمناً باهظاً. حسب معطيات البنك المركزي المصري، 33 في المئة من مواطني مصر يعيشون تحت خط الفقر وأكثر من 6 في المئة يعيشون في ظروف فقر مدقع. جزء كبير من الطبقة الوسطى تدهورت إلى الطبقة الدنيا، مداخيل الضرائب ارتفعت نتيجة الإصلاحات وفرض ضريبة القيمة المضافة، ولكن أكثر من 80 في المئة من المداخيل مخصصة لسداد ديون وفوائد. الاستثمارات الأجنبية انخفضت هذه السنة بالمقارنة مع السنة الماضية، ويمكن لمصر أن تسجل إنجازات مهمة في مجال السياحة.
لدى الرئيس رد واحد للمواطنين المحبطين ومنتقديه: “تحلوا بالصبر، لا يمكن إصلاح إخفاقات الأنظمة السابقة في يوم واحد”. ولكن عندما يتم نشر أفلام عن فساد شخصيات كبيرة في الجيش من قبل من كانوا جزءاً من نظام الفساد العسكري، في الوقت الذي يبني فيه الرئيس لنفسه بيوتاً فاخرة وقصراً رئاسياً… فذلك يفحص بصورة خطيرة صبر الجمهور.
يتوقع أن تجري اليوم مظاهرات في القاهرة، لكن النظام سبق وملأ الشوارع بقوات الشرطة وذكر المواطنين بالقانون الذي يمنع إجراء المظاهرات. ولزيادة الأمان أخذ يشوش على وسائل الاتصال في الإنترنت ويواصل اعتقال النشطاء. لن تشهد مصر مظاهرات مثل مظاهرات كانون الثاني 2011، ولكن الظروف آخذة في أن تكون مشابهة للظروف التي سادت في نهاية عهد مبارك.
بقلم: تسفي برئيل
هآرتس 27/9/2019