الأزمة السياسية في بريطانيا: المشهد والتداعيات

إبراهيم نوار
حجم الخط
0

التطورات المثيرة التي تشهدها بريطانيا حاليا، هي جديدة تماما على النظام الديمقراطي الملكي الدستوري البرلماني، المستقر منذ أكثر من ثمانية قرون. تداعيات هذه التطورات عظيمة الخطر على كل من النظام البرلماني، وعلى بريطانيا العظمى كما نعرفها الآن. الديمقراطية البرلمانية في مهب الريح، والمملكة المتحدة قد تتجزأ ولا تبقى متحدة. وتبرهن التطورات السريعة التي شهدناها في الأيام الماضية، على أن قرار الحكومة بتعطيل البرلمان مؤقتا، ثم حكم المحكمة العليا يوم الثلاثاء 24 أيلول/سبتمبر ببطلان القرار، ليسا إلا ضربة البداية في تبادل لإطلاق النار، في حرب شرسة على الديمقراطية البرلمانية. جاكوب ريس موج أهم فلاسفة التيار الشعبوي داخل حزب المحافظين، رئيس مجموعة الأبحاث الأوروبية ERG اليمينيه المعادية لأوروبا، زعيم كتلة المحافظين في مجلس العموم، منذ تولى بوريس جونسون رئاسة الحكومة، اعتبر أن الحكم “انقلاب دستوري”. هذا يعني باختصار، ان الحكومة تعتبر إنها تواجه انقلابا يتعين عليها مقاومته. معركة الحكومة ضد حكم المحكمة العليا بدأت فور صدور الحكم، ولم تنتظر.

الحكم ودلالاته

الحكم صدر بإجماع أعضاء المحكمة العليا الأحد عشر قاضيا، ويتضمن منطوقه، أن قرار تعليق عمل البرلمان، هو أولا، غير قانوني، وثانيا، منعدم الوجود، كأن لم يكن، وثالثا، منعدم الأثر. الحكم أيضا تضمن إدانة شديدة لقرار رئيس الحكومة نظرا لخطورته وآثاره السلبية القصوى على الديمقراطية البرلمانية. حكم المحكمة العليا يمثل حائط حماية جديدا للدستور غير المكتوب، الذي يحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم في بريطانيا منذ اوائل القرن الثالث عشر الميلادي. طبقا للحكم، عاد النواب إلى مقاعدهم في اليوم التالي، ليواصلوا أعمالهم في مراقبة الحكومة وسن التشريعات كالمعتاد، وكأن شيئا لم يكن.

نجم الجلسة الأولى بعد استئناف العمل، كان المحامي العام للحكومة السير جيفري كوكس، الذي راح يزأر ويصيح كأنه الممثل الوحيد على خشبة مسرح، في مسرحية عبثية غريبة الأطوار، كأن الحكومة لم تخسر، وكأنه هو قد انتصر. وقد خضع كوكس لاستجواب طويل المدى في الساعات الأولى من الجلسة، بشأن موقفه بعد الحكم. الردود التي قدمها لم ترق إلى مستوى المهنية القانونية للمنصب الذي يشغله؛ إذ اعتمد في ردوده على التهييج الانفعالي، الذي يغيب عنه صوت العقل. جيفري كوكس رفع درجة حرارة الجلسة إلى حدود قصوى، عندما عقد مشابهة ساخرة بين المعارضة وبين ديوك عيد الكريسماس، صائحا في حركات تمثيلية هستيرية: “الكريسماس قادم، قادم لا محالة. أنى لديوك الكريسماس أن تمنعه؟!” ووصف البرلمان بانه “عار” وأنه “ميت” مع أنه هو نفسه عضو فيه.

في الجلسة المسائية في اليوم نفسه حضر بوريس جونسون، وألقى خطبة عصماء هو الآخر منتقدا حكم المحكمة العليا، بعد أن قدم لذلك لفظا، باحترام المحكمة والحكم. لكن احترام الحكم بالنسبة لجونسون، لا يعني بالضرورة قبوله وتنفيذه. لذلك فإنه رفض الاستقالة، وطالب المعارضة بالموافقة على إجراء انتخابات عامة فورا. وكرر جونسون في كلمته الاتهامات التي وجهها كوكس لمجلس العموم، داعيا أعضاءه إلى التحلي بالشجاعة الكافية لمواجهة الناخبين.

المواجهة الحالية بين حكومة بوريس جونسون وبين البرلمان، تعكس حالة من الضعف السياسي على الناحيتين. ففي ناحية الحكومة، يقاتل جونسون بدون أغلبية، بعد أن فصل النواب المحافظين الذين صوتوا ضده. هذا يعني أن الحكومة ستظل عاجزة عن تمرير أجندتها التشريعية، ومن المرجح أن تخسر أي تصويت، ومن ثم لا مصلحة لها في بقاء المجلس. الحال ليس أحسن من ذلك في المجلس، نظرا لانقسامه، وافتقاره إلى قيادة حقيقية للمعارضة.

هكذا يبدو المشهد داخل مجلس العموم.

ملامح الصدامات المقبلة

 

خلال الأسابيع القليلة المقبلة، ستبرهن التطورات أن مجلس العموم عاجز عن تمرير تشريع بسبب انقسامه. وأن الحكومة، التي لا تحترم المجلس، ماضية في طريقها للخروج من الاتحاد الأوروبي باتفاق أو بغيره، في الموعد المحدد بنهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر، بدون المجلس. إذا قبل المجلس بأن يستمر كمجرد ساحة للخطابة، مثله مثل ركن الخطباء في هايد بارك، فإن نسبة كبيرة من أعضائه سيسقطون في دوائرهم في الانتخابات المقبلة.

لتجنب ذلك، فإن أمام المجلس طريقين، الأول هو تشديد الحصار على الحكومة، بحيث لا تستطيع أن تحكم بدونه. هذا يتطلب محاصرة الحكومة، في محاولتها الالتفاف على حكم المحكمة العليا، الذي تضمن أيضا النص على مسؤولية الحكومة أمام البرلمان، فيما يتعلق بقرار الخروج من الاتحاد الأوروبي. ويتردد الآن بقوة أن الحكومة تحاول البحث عن ثغرات قانونية، تستغلها في جعل الخروج من الاتحاد الأوروبي أمرا واقعا، بحلول 31 تشرين الأول/أكتوبر.

الطريق الثاني، هو تجاوز الخلافات وسحب الثقة من الحكومة، وتشكيل حكومة طوارئ مؤقتة، تستند إلى أغلبية مضمونة في مجلس العموم، تضم الأحزاب الممثلة في المجلس، بمن في ذلك المحافظين الرافضين لسياسات جونسون. مثل هذه الحكومة يجب أن تكون بقيادة شخصية حزبية مقبولة من الجميع، وليس بقيادة جيريمي كوربن زعيم العمال. وتتجه الآراء إلى تفضيل كينيث كلارك (محافظ) أو مارغريت بيكيت (عمال). وتتولى حكومة الطوارئ الموسعة مهمة واحدة فقط، هي تنظيم خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي، وفق جدول زمني محدد المدة مسبقا، على أن تدعو إلى إجراء انتخابات عامة، فور انتهاء الجدول الزمني. لكن هذا الطريق يواجه عددا من المشكلات، منها أن جيريمي كوربن يعتبر نفسه الأحق في رئاسة الحكومة، وأن الحزب الليبرالي الديمقراطي يتبنى رسميا البقاء في الاتحاد الأوروبي.

الانتخابات العامة

 

أيا كان شكل الخروج من الاتحاد الأوروبي، فإن بريطانيا ستظل في أزمة سياسية عميقة حتى تتغير التوازنات الحالية داخل مجلس العموم على الأقل، عن طريق انتخابات عامة، يجب أن تجري لا محالة في أسرع وقت ممكن، نظرا لافتقاد الحكومة الحالية للأغلبية. لكن الانتخابات المقبلة لن تكون أبدا كغيرها. هذه المرة يسعى التيار الشعبوي إلى تركيز قواه، من أجل الحصول على أغلبية كبيرة في مجلس العموم، بما يمكنه من تنفيذ أجندة تشريعية، تفتح الباب لنوع من الحكم التسلطي، الذي تعلو فيه سلطة رئيس الوزراء على القانون وعلى المؤسسات وعلى الأعراف الديمقراطية السائدة، وبما يمكنه أيضا من مواصلة الحرب على أوروبا. حزب المحافظين، تحول بقوة الأمر الواقع، إلى حزب قومي إنكليزي متطرف، وإلى جانبه يقف حزب بريكست القومي المتطرف بزعامة نايجل فاراج. إذا اتفق الحزبان على التنسيق خلال الانتخابات، والائتلاف في مجلس العموم بعد ذلك، فإنهما قد يستطيعان تشكيل حكومة تحظى بأغلبية.

الخطاب السياسي لكل من جونسون وفاراج يستهدف جمهورا من الناخبين يشعر بأن الديمقراطية لم تنصفه، ومن ثم لا قيمة لها بالنسبة له. هذا هو الجمهور الذي يصوت للشعبويين، الذين يمثلون في حقيقة الأمر نخبة ضيقة المصالح.

في المقابل، من المرجح أن يتعرض حزب العمال لخسائر فادحة، بينما قد يحرز الحزب الليبرالي الديمقراطي مكاسب كبيرة، خصوصا في لندن. بذلك فإن الخريطة السياسية قد تشهد دراميا بعد الانتخابات. ويبدو في الأفق أن صعود التيار اليميني الشعبوي، يحصل على مدد كبير ومتصل من الضعف الشديد للقيادة السياسية لحزب العمال، ومن السياسات الحمقاء التي أقرها الحزب في مؤتمره الأخير، التي قد تسبب انصراف كثير من ناخبيه، ليتحول تدريجيا إلى مجرد الذراع السياسي للنقابات العمالية التقليدية وللقيادات اليسارية المتطرفة. المرجح أيضا أن تمضي اسكتلندا قدما على طريق الإنفصال، وأن تصبح ايرلندا الشمالية أقرب إلى جمهورية أيرلندا جيو-اقتصاديا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية