المعارضة المصرية وحراك سبتمبر

شادي بطرس
حجم الخط
1

حين ظهرت أولى مقاطع الفيديو للفنان والمقاول نصف المغمور حينها، محمد علي، في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، كانت المعارضة المصرية لا تزال تسعى للتعافي من أثر الموجة الأخيرة من الضربات الأمنية. ففي نهاية حزيران/يونيو، كانت نيابة أمن الدولة المصرية قد وجهت تهما خطيرة إلى عدد من الوجوه السياسية والعاملين في الشأن العام، تراوحت بين الانضمام لجماعة إرهابية وتمويلها إلى تكدير الأمن العام ونشر الأخبار الكاذبة. وضمت القضية المعروفة باسم “تحالف الأمل” بين آخرين، الصحافي والمدير السابق لحملة حمدين صباحي للانتخابات الرئاسية والمتحدث باسم التيار الشعبي، حسام مؤنس، والصحافي والنقابي اليساري هشام فؤاد عبد الحليم، والبرلماني السابق والقيادي في الحزب المصري الديمقراطي، زياد العليمي، والباحث الاقتصادي والقيادي السابق في حزب الوسط، عمر الشنيطي، وكذا مؤسس حزب الاستقلال، أحمد العقباوي، والداعية الإسلامي خالد أبو شادي، زوج أبنة نائب المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين، خيرت الشاطر. كانت موجة الاعتقالات المتعلقة بالقضية والتي ضمت المزيد من الأسماء من كافة أطياف المشهد السياسي، إعلانا متأخرا عن قرار النظام بمحو الهامش الضئيل الذي تبقى للعمل العام، ودافعا للقوى السياسية المعارضة إلى التفكير جديا في الخروج من المشهد. فبالإضافة إلى تهديد حزب الكرامة بتجميد أنشطته، في بيان له قبل أسبوعين، فإن أغلبية الناشطين في الشأن العام حولوا أولوياتهم إلى ضمان الحد الأدنى من السلامة الشخصية، والحفاظ على ما تبقى من الموارد المادية والمعنوية للمعارضة بقدر الإمكان، وفي الأحاديث الخاصة أضحت معادلة الممكن هي المتداولة، الأفراج عن المعتقلين في مقابل الصمت.

في ذلك السياق، ألتزمت الأحزاب السياسية الهدوء تجاه الجدل الواسع التي أثارته فيديوهات محمد علي، ودعواته للتظاهر، مدفوعة بالخوف من رد فعل السلطة، وخشية التورط في حملة لا يبدو واضحا من يقف وراءها، خاصة وإن نظريات “صراع الأجنحة” كانت رائجة في الأيام الأولى، بتكهنات تدعي أن قوى داخل النظام تقف وراء محمد علي والحراك الذي يدعو له. هذا بالإضافة إلى قناعة واسعة لدى الكثير من المعنيين بالشأن العام بإن دعوات التظاهر لن تلقى استجابة شعبية. لكن وعلى خلاف ما كان متوقعا، اندلعت المظاهرات، بالفعل، يوم الجمعة قبل الماضية في العاصمة المصرية وعدد من المدن الرئيسية، في الوقت نفسه. وبالرغم من أن الأعداد كانت متواضعة إلا أن ردة الفعل الجماهيرية كانت حدثا استثنائيا منذ تولى السيسي الحكم.

ودفعت الأحداث المتسارعة القوى السياسية لاتخاذ موقف من الحراك. في ليلة الجمعة نفسها، دعت جماعة الإخوان المسلمين، في بيان صدر باسم المكتب العام للجماعة “جميع أطياف الشعب المصري وتياراته تجنب رفع أي شعارات حزبية خلال مشاركتهم في الحراك الراهن، حفاظًا على المشهد الوطني المنشود” ودعت القوى الوطنية إلى “عدم توظيف المشهد في أي إطار سياسي ضيق والعمل على الالتحام بالجماهير على أرضية يناير وبهدفِ إنهاء الحكم العسكري كهدف أصيل”. واعتبرت الجماعة بإن الحراك، “أيا تكن مآلاته ونتائجه فهو خطوة هامة في مسيرة الثورة، فعودة الشعب كلاعب أساسي في المعادلة، والاحتكام للجماهير، هو بداية استعادة الثورة لمسيرتها التي تعثرت تحت وطأة الإجرام الأمني للسيسي ونظامه”. ولم يلق بيان الجماعة الكثير من الترحاب، فمن جانب بدى دعم الإخوان العلني للحراك عبئا عليه أكثر منه مفيدا له، كونه تأكيدا لدعاية النظام المضادة بإن الجماعة هي من تقف وراء الاحتجاجات. ومن جانب آخر، كرر محمد علي في مقاطعه المسجلة رفضه للجماعة، واضعا إياها جنبا إلى جنب مع الجيش، وبوصفهما ثنائيا يجب عليه ألا يقترب من السلطة مرة أخرى.

وفي ليلة الجمعة نفسها، أصدرت حركة الاشتراكيين الثوريين بيانا، كان مطلعه “يسقط السيسي ويحيا الشعب” وتوجهت بالتحية لمن بادر بالاشتراك في الاحتجاجات، وبلغة لم تبعد كثيرا عما ذهب له بيان الإخوان، وصفت التظاهرات، بأنها ليست سوى” بداية لانهيار جدار الخوف واليأس، بداية لن يعمقها ويحميها سوى جماهير يقظة ومستعدة لخوض الصراع حتى النهاية ضد الديكتاتورية” مؤكدة على ضرورة “خروج العسكر من السلطة”. ولم يتجاوز البيانان، اللذان قد صدرا قبل أن تتضح أبعاد الموقف على الأرض، أكثر من تثمين الحراك، واعتباره “بداية” ووضع مقاليده في يد “الشعب” أو “الجماهير” من دون عرض مطالب بعينها أو خريطة للعمل، باستثناء تبني الخط الثوري لإسقاط النظام.

من جانبه، أصدر الحزب المصري الاشتراكي، في صبيحة اليوم التالي، السبت، بيانا توخى استخدام لغة وصفية لتحليل أسباب الاحتجاجات، ونسبها لسياسات الدولة الاقتصادية وتقييد الحريات العامة، وتفادى البيان الإشارة إلى مسار ثوري، داعيا “إلى النظر إلى ما حدث، وتفهم أسبابه بدقة وعمق، وطرح الحلول البديلة الصحيحة لحماية لمصر من تصاعد الأزمة وتفاقم المشكلة”. وذهب الحزب لتقديم بعض “الحلول” متفاديا الإشارة إليها بوصفها مطالب، “إعادة النظر جذريا في المنهج السياسي والاقتصادي للحكم بوضع حاجات عشرات الملايين من المصريين موقع الأولوية، وإطلاق حريات التعبير والحركة السياسية للقوى والأحزاب التي تنطلق من موقع الدفاع عن المصالح الوطنية ومقاومة الإرهاب والنشاط العام بالسبل السلمية، والإفراج عن سجناء الرأي الذين لم يرتكبوا أعمالا إرهابية”.

 ومن ناحية أخرى، أصدر حزب “العيش والحرية” في اليوم نفسه بيانا، يوصف الاحتجاجات بأنها بداية جديدة محتملة، “ربما يكون العشرون من سبتمبر تاريخا يفتح من جديد الطريق للمصريين لاستكمال النضال بعد أن اختلت حسابات السلطة”. لكن البيان بدى متحفظا في تفاؤله” إلا أننا نرى أن الطريق ما زال طويلا ومليئا بالتحديات في ظل ضعف التنظيمات النقابية والسياسية الديمقراطية والتي تلقت ضربات كبيرة في الأعوام الماضية”، ويكتفي الحزب في النهاية بدعوة “كل القوى السياسية الديمقراطية المنظمة وكل المنظمات المهنية والنقابية الديمقراطية” للعمل لوضع “برنامج عمل يضع على قمة أولوياته الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين السلميين، ورفع كافة القيود التشريعية والأمنية المفروضة على منافذ الإعلام الرسمي والخاص والمستقل، وعلى حركة الأحزاب والاتحادات العمالية والطلابية والنقابات المهنية، والمراجعة الفورية لسياسات النهب والإفقار والاستدانة ودور المؤسسة العسكرية فيها، وإسقاط التعديلات الدستورية الأخيرة”.

وفي يوم الأحد، اجتمع ممثلون عن “الحركة المدنية الديمقراطية” والتي تضم أحزاب المصري الديمقراطي الاجتماعي وتيار الكرامة والدستور والتحالف الشعبي الاشتراكي وحزب الإصلاح والتنمية وحزب العيش والحرية وحزب مصر الحرية، وأصدروا البيان الأول بخصوص الاحتجاجات، الذي توقعه مظلة سياسية جامعة. وتفادى البيان الإشارة إلى المسار الثوري في مقدمته التي بدأت بـ “التغيير الديمقراطي والعدالة الاجتماعية سبيلنا لإنقاذ الوطن” وأكدت الحركة على “ضرورة تجنيب البلاد صداما بين المواطنين المحتجين وقوات الأمن، فالوطن هو الخاسر من مثل هذا الصدام” ودعت إلى “حوار وطني شامل” وتقدمت بعدد من المطالب، تضمنت إطلاق سراح المعتقلين وفتح المجال السياسي وفتح تحقيق شفاف في اتهامات الفساد، وإعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، وكذا عدم توريط القوات المسلحة في الخلافات السياسية.

وقوبلت البيانات التي أصدرتها أحزاب المعارضة العلمانية بفتور من قبل جمهورها، فالنبرة المحافظة ومطالب الحد الأدنى، وتفادي الإشارة إلى الحلول الثورية أو إلى شعارات أسقاط النظام بدت للبعض مترددة أكثر من اللازم ولا ترقى لجذرية الأحداث الجارية. ولا يبدو أن الأحزاب التي نشرت بياناتها كانت في وضع يسمح لها بالرد على هذه الانتقادات أو معنية حتى بفعل ذلك، فمن ناحية تبدو المعارضة الحزبية راضية عن قبول حقيقة أن الحراك الذي انطلق لا يد لها فيه ولا في مآلاته القريبة، مكتفية بالمراقبة والانتظار، ومن ناحية أخرى فإن حملة الاعتقالات التي انطلقت عشية مظاهرات الجمعة قد طالت عشرات من قيادات تلك الأحزاب وأعضائها في كافة أنحاء البلاد، لتعود أولوية المعارضة مرة أخرى إلى الحفاظ على السلامة الشخصية ومحاولة تقديم الدعم الحقوقي للمعتقلين، والضغط للكشف عن مصائر أعداد تتزايد من المختفين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية