توفيق رباحي
في جلسة ثرثرة سنة 1990 حول التغييرات التي كانت تشهدها الجزائر وكيفية صمود المؤسسات الحكومية المحلية امام منافسة القطاع الخاص والاجنبي، تباهي مسؤول بفندق السفير ـ آليتي المجاور لمبني البرلمان بالعاصمة الجزائرية، بان مؤسسته لن تتضرر. قال بخبث: الحمد لله.. لدينا نوعان من الزبائن لا خوف علينا بفضلهم.. اللي يرفدوا يديهم واللي يرفدوا رجليهم (لدينا نوعان من الزبائن بفضلهم سيستمر الفندق في الوجود: الذين يرفعون ايديهم والذين يرفعون ارجلهم). كان يقصد اعضاء البرلمان الذين تتولي خزينة الدولة دفع نفقات اقامتهم بالفندق الجميل المطل علي خليج العاصمة والبحر الابيض المتوسط. اما الفئة الاخري من الزبائن، فهي بائعات الهوي وكلهن من الدرجة الاولي، اي اللواتي يلعبن فوق والفندق هو مجالهن الحيوي.
وقوله يلخص بوضوح رأي الجزائريين في اعضاء المجلس الشعبي (البرلمان): ثلة من الانتهازيين يتلقون رواتب عالية وامتيازات مادية كبري مقابل ان يرفعوا ايديهم بدون وعي.
حدث هذا بينما كانت البلاد تتنفس حركية سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية لم تشهدها في تاريخها، لم ينج منها البرلمان، وتكتنز رغبة وأملا هائلين في التغيير نحو الافضل.
لا ادري ماذا سيقول المسؤول اياه لو رأي نواب اليوم المنتهية ولايتهم او المقبلين.
مناسبة هذا الكلام ان الجزائر ستشهد انتخابات نيابية يوم الخميس، من المفروض انها ستأتي بالجديد. لكن واقع الحال انها ستستبدل موظفين سياسيين يحملون صفة نواب الشعب، بآخرين ينالون نصيبهم من خيرات البلاد لقاء ان يرفعوا ايديهم علي قرارات وقوانين لا يكلفون انفسهم عناء قراءتها او فهمها. لهذا الغرض، جرت منذ نحو ثلاثة اسابيع حملة انتخابية اجتهد التلفزيون الحكومي في نقل ادق تفاصيلها لتبدو الديمقراطية الجزائرية ارقي من الديمقراطيات المجاورة والمشابهة نزولا عند غرور عربي يدفع كل بلد (رغم نكبته وبؤسه) الي الاعتقاد انه افضل من الاخرين.
بيد ان التلفزيون الجزائري لم يحشر انفه يوما في موضوع الا خرّبه. هكذا اثمرت حملته نتائج مناقضة للهدف المتوخي. فالناس ينظرون للاحزاب والاشخاص المشاركين بهذه الانتخابات، إن ترشحا او ادارة، بدون احترام وكأنهم كائنات غريبة قذفت بها كواكب اخري الي الارض، ليس فقط من حيث الشكل والغرور، بل ايضا من حيث ما يقولون وما يقدمون من وعود. والنتيجة الاوضح الي حد الان، في نظر عامة الناس، ان الاحزاب المعنية بالانتخابات تتكون من انتهازيين وطماعين يبحثون عن مزايا مادية بدون حياء، لذا لا يستحون من العودة مرة كل خمس سنوات يتسولون اصوات الشعب.
وبخبث واضح، تقف السلطة برجالها متفرجة علي الانحطاط المستمر في العمل السياسي، وعلي النفور المتزايد للناس البسطاء من الاشخاص الطامحين في الوصول للبرلمان. افلحت السلطة في ان تُنسي الناس ان الحكم والمعارضة هما وجهان لعملة واحدة. ورغم ان في حالة الجزائر، السلطة اسوأ من المعارضة (استعمل كلمة معارضة مجازا لانها في الحقيقة غير موجودة والذين يُفترض ان يعارضوا اختاروا الموالاة للرئيس وهم منذ سنوات يزايدون علي بعضهم من ينبطح قبل الاخر واكثر منه، ويعرقلون كل من يعارض معارضة جدية غير منبطحة)، رغم ذلك، يُجمع كتّاب الافتتاحيات (مثل عامة الشعب) علي شتم المعارضة وحدها دون السلطة. واخطر نتيجة لوضع كهذا انه يقود الناس الي الايمان بأن السلطة، علي علاّتها، افضل من المعارضة، وان الذين في الحكم افضل من الذين خارجه ويريدون دخوله.
هذا ابرز ما يمكن ان يُجني من انتخابات تكرس الامر الواقع، يهندسها نظام حكم تنقرض الديناصورات ويستمر هو في الوجود. اذاً، هناك مَن في الحكم (يعتقدون انهم يحكمون)، وهناك من يقفون علي ابوابه سعيا لدخوله (يعتقدون انهم سيحكمون)، وهناك جمهور متفرج في عجز فادح.
من المفروض ان التلفزيون هو ناقل هذه الصورة السوداء. لكن في الحالة الجزائرية هو شريك في ايجادها وتكريسها. فهذا التلفزيون يقاطع الاحزاب والاصوات التي لها رأي بشأن الانتخابات يختلف عن رأي السلطة وحلفائها واعلامها. من هنا يوشك الجزائريون ان ينسوا ان هناك حزبا محترما ذا تجربة ومصداقية ورصيد، اسمه جبهة القوي الاشتراكية. هذا الحزب ممنوع من الظهورفي التلفزيون والاعلام الحكومي لانه دعا لمقاطعة الانتخابات بحجج وتحليلات سياسية معقولة.
ومن طرائف هذا الواقع المر ان التلفزيون يحضر المؤتمرات الصحافية التي يعقدها الحزب، لكنه في المساء، بدل ان يبث التغطية والصور لعامة الناس، كما يفعل مع الاخرين، يمتنع، وربما يحيلها الي جهات اخري تستأنس بها في عملها في حماية المصالح العليا للشعب! ويوشك الجزائريون ان ينسوا رجلا اسمه عبد الله جاب الله لمجرد انه دعا ايضا لمقاطعة الانتخابات، ليس اقتناعا بانها لن تغيّر شيئا، بل لان السلطة لعبت له الغولة وانتزعت منه حزبا (حركة الاصلاح الوطني) اهدته لخصومه مثلما انتزعت منه حركة النهضة في 1999 واهدتها الي خصوم آخرين (يبدو ان جاب الله من المؤمنين الذين يلدغون من نفس الجحر الف مرة، لذا لا غرابة لو أسس حزبا جديدا وبعد خمس سنوات سيُنزع منه بمؤامرة داخلية ويسلم لخصوم جدد!). حجة اصحاب التلفزيون ان دفتر الاعباء المسيّر للتلفزيون وقانون الانتخابات يلزمانه (التلفزيون) بتغطية المشاركين في الانتخابات (وتهميش دعاة المقاطعة). هذا كلام حق يراد به باطل، لان ادارة التلفزيون لا سلطة ولا قرار لها. والاهم ان الوجه القانوني للموضوع سرعان ما يتسيّس وتنتقل المسألة من عدم تغطية دعاة المقاطعة الي اعتبارهم اعداء السلطة وخصوم المصلحة الوطنية فيصدر فيهم الحكم: الاقصاء. وفجأة يتحوّل خفافيش و سنافر حزبية الي رجال دولة يلقون الخطب العصماء محدقين في الكاميرات غير مصدّقين انهم هم انفسهم وانها تصوّرهم وان الناس سيشاهدون بالتلفزيون في المساء صورهم (المرعبة حينا والمخجلة احيانا). لكم ان تتصوروا ان في ذات المساء يشاهد صنّاع القرار الحقيقيون نفس الصور، ويشربون علي نخبها ولسان حالهم يقول: هاك يا شعب، هذا هو البديل عنا، رغم انهم في حقيقة الامر مسكوا بلدا فحوّلوه الي خرابة عاجزة عن توفير الحليب والبطاطس لسكانها. معايير مختلفة صدفة ما جعلت ان طفلين، فتي وفتاة، في الثالثة من العمر، يختفيان في اسبوع واحد (الماضي). هو اسمه ياسين وهي اسمها مادلين ويدللونها بـ مادي. هذا القاسم المشترك الوحيد، ثم تبدأ الاختلافات. الاول في الجزائر، ببلدة برج الكيفان قرب العاصمة، والثانية من لفربول ببريطانيا اختفت في منتجع سياحي بالبرتغال بينما كانت في الشقة ووالداها (طبيب وطبيبة) يتناولان عشاء رومنسيا علي بُعد اقل من 100 متر.
في بريطانيا اهتزت الدنيا وتفرغت القنوات التلفزية لمتابعة الحدث، فأوفدت فرقا الي البرتغال وبثت نشرات اخبار ومراسلات مكثفة من عين المكان لم ينزلها للمرتبة الثانية من حيث الاهمية الا اعلان استقالة توني بلير. وتلقي والدا مادي من التعاطف والتشجيع والمواساة، رسميا وشعبيا، ما يكفي لتخفيف آلام بلد بكامله. وفي الجزائر لم يسمع الناس شيئا عن محنة عائلة ياسين الا من خلال مقالات صحافية محتشمة ورديئة. لولا ان صدفة جعلت ان الاختفاء تزامن مع برنامج تلفزيوني شهري عنوانه كل شيء ممكن يخصص للمآسي من هذا النوع، لولاه لما سمع عامة الجزائريين بهذه المأساة.
رغم ملاحظاتي عليه، اعتبر هذا البرنامج من افضل ما يقدم للجزائريين في تلفزيونهم. فهو عملي، محترم ومفيد، يسعي لاعادة مفقودين وهاربين الي بيوتهم وذويهم. لكنه، في حالة ياسين واغلب الحالات الاخري، يغلّب العاطفة والدموع علي العمل البوليسي الذي لا غني عنه في الابحاث. ليس هذا مجال مقارنة بين بلدين ومجتمعين، لكن يجب ان يعرف الناس ان عائلة مادي تلقت الاف الاتصالات الايجابية المشجعة من اناس بسطاء، بينما تلقت عائلة ياسين، بحسب تقارير الصحف المحلية، مئات الاتصالات الكاذبة من اناس منحرفين يتسلون بمأساتها، كل واحد يدّعي انه شاهد الطفل في مكان معين فتركض العائلة لتجد في انتظارها سرابا. عندما يئست من هؤلاء المرضي النفسيين، صرخت مستجدية الرحمة: كفي يا وجوه الشر.
كاتب من اسرة “القدس العربي” [email protected]