القاهرة-“القدس العربي”: عاشت مصر أسبوعا من الاحتجاجات المطالبة برحيل الرئيس عبد الفتاح السيسي، وسط حملة اعتقالات واسعة شنتها الأجهزة الأمنية كسر فيها عدد المعتقلين حاجز الآلفين معتقل، وتضمنت أكاديميين وصحافيين وحقوقيين، وشباب ألقي القبض عليه بشكل عشوائي، في وقت حاول النظام، حشد مؤيديه أمام منصة الجندي المجهول في القاهرة، معتمدا على الأحزاب المؤيدة له وموظفي الجهاز الإداري وعمال الشركات التابعة للدولة.
ورغم حديث وسائل الإعلام المحلية، عن فشل ما عرف بجمعة الخلاص التي دعا لها الفنان المصري محمد علي صاحب شركة المقاولات، أمام الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضها النظام بشكل عام في أنحاء البلاد، وبشكل خاص في العاصمة القاهرة، إلا أن ما شهدته مصر للمرة الأولى منذ وصول السيسي للحكم عام 2013 من مظاهرات، وتفاعلات على مواقع التواصل الاجتماعي، وحديث عن ثورة مقبلة، يعتبرها مراقبون كرة ثلج، ستكبر مع الوقت، وأنها تعد بداية نهاية رئيس ظن المصريون أنه تمكن من فرض سيطرته.
وخرجت مظاهرات معارضة لنظام عبد الفتاح السيسي في عدة محافظات بصعوبة بسبب الحصار الأمني، والثاني مسيرة مؤيدة، لم تكن على المستوى الشعبي المطلوب، رغم أن أجهزة النظام حشدت لها بجميع الوسائل.
وشهدت عدة محافظات مصرية مظاهرات، استجابة للدعوة التي أطلقها الفنان محمد علي صاحب شركة المقاولات المقيم في إسبانيا، للخروج والمطالبة برحيل السيسي.
وتصدرت محافظة الصعيد جنوب مصر، المشهد، للمرة الأولى، فخرج متظاهرون في محافظات الأقصر وقنا وسوهاج، رغم غياب هذه المحافظات عن كافة الأحداث التي شهدتها مصر خلال السنوات العشر الأخيرة، وكانت دائما مؤيدة للسلطة أيا كانت، مما مثل تغييرا جوهريا في خريطة الاحتجاجات في مصر.
وشهدت محافظة قنا مظاهرة حاشدة، قام المشاركون خلالها بإحراق لافتة تحمل صورة السيسي وشعار “نحن معك” وهم يرددون هتافات “إرحل يا سيسي”.
كما تظاهر المئات في جزيرة الورّاق في محافظة الجيزة، وهي الجزيرة التي يرفض سكانها خطة السلطة لتهجيرهم، ونظموا على مدار السنتين الماضيتين، احتجاجات واسعة أسفرت عن اعتقال العشرات منهم.
وفضت قوات الأمن مظاهرة شهدتها إحدى قرى مركز الصف في محافظة الجيزة، واعتقلت عددا من الأهالي.
كذلك شهدت منطقة حلوان على أطراف القاهرة، مظاهرة شارك فيها المئات، قبل أن تتدخل قوات الأمن لفضها بالقوة.
وتنوعت هتافات المواطنين في مصر بين “الشعب يريد إسقاط النظام” و”إرحل ياسيسي”.
وغابت المظاهرات عن الميادين الرئيسية، أمام الإجراءات المشددة التي فرضتها الأجهزة الأمنية في القاهرة بشكل عام، وميدان التحرير بشكل خاص. فقد فرضت قوات الأمن إجراءات غير مسبوقة في محاولة لمنع المواطنين من الوصول إلى ميدان التحرير الذي مثل رمزا لثورة 25 يناير 2011 ولجأت أجهزة الأمن لإغلاق كافة محطات قطار الأنفاق في منطقة وسط القاهرة، وهي محطة أنور السادات الموجودة في ميدان التحرير، ومحطتي جمال عبد الناصر ومحمد نجيب في شارع رمسيس المؤدي للميدان، كما أغلقت قوات الأمن محطة الأوبرا القريبة من جسر قصر النيل المؤدي إلى الميدان، كما منعت وسائل المواصلات الخاصة من التوجه إلى ميدان التحرير، في محاولة لمنع المواطنين من الوصول إلى الميدان.
وأغلقت أجهزة الأمن أيضاً الطرق المؤدية للميدان، كما نشرت كمائن على الجسور التي تربط محافظتي القاهرة والجيزة، وهي جسور “6 أكتوبر و15 مايو والجامعة وعباس” وتحول ميدان التحرير إلى ثكنة عسكرية، وكثفت قوات الأمن من وجودها في أنحاء القاهرة والمحافظات.
كما لجأت قوات الأمن للكشف عن هوية المصلين الراغبين في أداء صلاة الجمعة في مسجد الأزهر، ومنعت أي مواطن لا يقطن بجوار المسجد من دخوله، خوفا من انطلاق مظاهرات عقب صلاة الجمعة، وهو المسجد الذي مثل رمزا أيضا للاحتجاجات التي شهدتها مصر منذ غزو العراق عام 2003 حتى ثورة 25 يناير 2011.
وانتشرت الكمائن في ميادين المحافظات، والشوارع الرئيسية، وواصلت قوات الأمن حملات الاعتقال العشوائي التي استهدفت المارة.
انتقادات حقوقية
تعامل الأجهزة الأمنية خلال الأسبوع الماضي، فتح الباب لسيل من الانتقادات الحقوقية المحلية والدولية.
فقد انتقدت تسع منظمات حقوقية، في بيان، الحملة الباطشة للأجهزة الأمنية، والتي ألقت القبض خلال الأيام القليلة الماضية على ما يقرب من 2000 شخص، ما بين متظاهرين سلميين وقيادات سياسية وحقوقيين وصحافيين ومحامين.
وتضمنت قائمة المنظمات الموقعة على البيان، كلا من ركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، الجبهة المصرية لحقوق الإنسان، الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، مبادرة الحرية، مركز النديم، مركز بلادي للحقوق والحريات، مركز عدالة للحقوق والحريات، مؤسسة حرية الفكر والتعبير، كومتي فور غيستيس.
وقالت المنظمات، أن الحملة تمثل انتهاكًا صارخًا للحق في حرية التعبير والاحتجاج السلمي، وأداة ترهيب وقمع للعمل السياسي والحقوقي المستقل والعمل الإعلامي والدعم القانوني.
وأكدت أن موجات الاحتجاج التي انطلقت مساء الجمعة الماضية 20 أيلول/سبتمبر الماضي، كانت بمثابة إنذار أول بتزايد الغضب الشعبي إزاء ممارسات النظام الحالي الاستبدادية، وغلقه كافة منافذ التعبير الحر واحتكاره المنابر الإعلامية، وتردي الأوضاع الاقتصادية وزيادة الفقر لمعدلات مقلقة، بينما يواجه رئيس الدولة وحكومته اتهامات خطيرة بإهدار المال العام لا يتم التحقيق فيها. وتشير المنظمات أن تلك المظاهرات لم تأت كرد فعل على إجراء معين اتخذته الحكومة، بل هي رد على مجمل سياسات الرئيس منذ توليه الحكم، والفشل المستمر في تحقيق استقرار سياسي أو اقتصادي، وأكدت أن القبضة الأمنية التي اعتمدها الرئيس كعنوان لحقبته، لن تحقق الاستقرار السياسي.
وطالبت بالإفراج الفوري عن جميع المحتجزين من شباب الأحزاب السياسية وقيادات الصف الأول والثاني، بما في ذلك الإفراج عن رؤساء أحزاب مصر القوية والدستور والاستقلال، ووكلاء وأمناء ونواب رؤساء أحزاب التحالف الشعبي، الكرامة، والمصري الديمقراطي، والاستقلال، ومصر القوية، والتوقف عن حملات الترهيب للأحزاب السياسية والتي بدأت منذ تولي الرئيس الحالي مقاليد الحكم، والإفراج الفوري عن كافة المقبوض عليهم بسبب مشاركتهم في الانتخابات الرئاسية الماضية بمن في ذلك قيادات عسكرية ومدنيين، وعلى رأسهم المرشحين السابقين لرئاسة الجمهورية الفريق سامي عنان، والعقيد أحمد قنصوه، هذا بالإضافة إلى الإفراج عن المستشار هشام جنينة نائب عنان والدكتور حازم حسني المتحدث باسمه، ورفع قرار حظر التنقل عن الفريق احمد شفيق.
وطالبت بكفالة الحق الدستوري بالتعبير عن الرأي عبر مختلف المنابر، بما في ذلك المنابر الإلكترونية، من دون ترهيب أو انتقام، وضمان حقهم في التظاهر المكفول دستوريًا، ووقف العمل بقانون التجمهر الملغي.
كما طالبت بدعوة خبراء الأمم المتحدة لتقصي الأوضاع في مصر.
ودعت المفوضة العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ميشيل باشليه، السلطات المصرية إلى “تغيير جذري” في أسلوب تعاملها مع التظاهرات، مطالبة بالإفراج “فورا” عن المعتقلين الذين مارسوا حقهم في التظاهر.
“جمعة الخلاص”
وقال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، صباح الجمعة الماضية، إنه “لا داعي للقلق” من الدعوات للتظاهر ضده، والتي وجهها رجل أعمال مصري مقيم في إسبانيا، وذلك في تصريحات بثتها التلفزيونات المحلية.
وفي أول تصريح للسيسي بعد عودته من نيويورك حيث شارك في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، قال: “عندما أطلب من المصريين، فسينزلون بالملايين للشارع، كما حدث يوم التفويض عام 2013 وليس أقل من ذلك”.
كما وجه عدة رسائل إلى المصريين في حديث تلفزيوني لدى وصوله إلى مطار القاهرة وتحية للموجودين، قائلًا: “لا بد أن تعرفوا أن الشعب المصري واع جدا، وان من يحاولون تزييف الواقع لن يستطيعوا، المصريون أصبحوا أوعى، وما حدث قبل ذلك لن يتكرر” في إشارة لثورة 25 يناير2011.
وزاد: “كل شيء يسير بشكل جيد، فلا تصدقوا دعوات التظاهر، هي عبارة عن كذب وافتراء وتشويه وكتائب إلكترونية تعمل، ووسائل إعلام تقدم صورة مزيفة، والبلد قوية جدا بكم”.
إلا أن السيسي الذي أكد عدم قلقه من دعوات التظاهر، حاول نظامه حشد آلاف الموظفين والعمال، في حفل نظمه في ميدان المنصة في مدينة نصر في القاهرة.
واعتمد نظام السيسي في حشد المواطنين على نواب حزب «مستقبل وطن» وعدد من الأحزاب المؤيدة له في البرلمان، من خلال تنظيم رحلات مجانية من المحافظات، وتقديم وجبات لمن يرغب في حضور الحفل الذي أعلن القائمون عليه أنه سيتضمن فقرات غنائية لمطربين مؤيدين مثل محمد فؤاد ومحمد رمضان، إضافة إلى حشد عدد من الشركات التابعة لقطاع الأعمال الحكومي، مثل المقاولين العرب، وبتروغيت للمئات من موظفيها والعاملين فيها.
كما نشرت الصفحة الرسمية للعاملين في شركة توزيع الكهرباء المصرية، صورا للمهندس حسام الدين عفيفي رئيس مجلس ادارة شركة شمال القاهرة لتوزيع الكهرباء، والمستشار هشام فؤاد أمين عام النقابة العامة للعاملين بالمرافق، ورئيس مجلس إدارة اللجنة النقابية في شركة شمال القاهرة، وهم يقودون مسيرة لعدد من العاملين في الشركة لتأييد السيسي.
وظهر في الصور آلاف الأشخاص الذين يرتدون زيا موحدا، ما جعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي يتحدثون عن أنهم من فرق قوات الأمن المركزي التابعة لوزارة الداخلية.
ووضع القائمون على الحفل بوابات إلكترونية لكشف المتفجرات عند مداخل الميدان، ما يشير إلى تنظيم وزارة الداخلية والأجهزة الأمنية للحفل.
ورفع المشاركون في الحفل لافتات كتبت عليها شعارات، بينها “لا للفوضى” و”لا للإرهاب” و”تحيا مصر” و”بنحبك يا سيسي” و”نعم للاستقرار” و”نحن معك”.
وفي أحدث فيديوهاته، سخر الفنان محمد علي صاحب شركة المقاولات، من حديث السيسي، مؤكدا، أنه سيواصل الحشد ضده، وسينهك قوات الشرطة، ودعا المصريين إلى تدشين وسم جديد “مفضوح يا معلقة” على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومحمد على فنان مصري وصاحب شركة مقاولات عمل في مشروعات الجيش لمدة 15 عاما، قبل أن يهرب من مصر، ويقرر فضح ما قال عنه أنه فساد وإهدار للمال العام في مشروعات يديرها الجيش المصري، قبل ان ينتقل لما اسماه المرحلة العملية، ويطالب بتنظيم مظاهرات للإطاحة بالسيسي.
ربما لم تخرج مظاهرات “جمعة الخلاص” بما هو متوقع، أمام الحصار الأمني الذي فرضته الأجهزة الأمنية على القاهرة بشكل خاص، إلا أن ما شهدته مصر حسب مراقبين، يعبر عن غضب شعبي واسع من السياسات التي يتبعها السيسي، وينهي اسطورة حول النظام الحاكم في مصر عن رئيس قالوا إنه يتمتع بشعبية جارفة لا يستطيع أحد النيل منها، وكسر جدار الخوف الذي شيده نظام السيسي على مدار 5 سنوات.