بدت القاهرة في الجمعة الثانية أو “جمعة الخلاص” التي دعا إليها مقاول وممثل من منفاه في إسبانيا مثل ثكنة عسكرية، سيارات مصفحة وجنود سدوا كل منافذ ميدان التحرير الذي كان نقطة الحشد في انتفاضة عام 2011 وأغلق قطار المترو ليمنع من رغب أو كان راغبا بهزيمة الخوف في نفسه للخروج تعبيرا عن غضب ورفض ضد نظام كان يعرف بفساده ولكنه زاد قناعة من خلال الحملة التي شنها عليها المقاول الساخط محمد علي الذي يتهم الجيش بسرقة أتعابه وعدم دفع الملايين له. وهنا المفارقة في الجولة الجديدة من الغضب المصري الذي ظل طوال السنوات الست الماضية منذ أن قام عبد الفتاح السيسي بانقلابه على الرجل الذي عينه في منصبه وزيرا للدفاع، الذي تركه يذوي ثم يموت أمام المحكمة، محمد مرسي، وهي أن النظام الذي بنى صورته على “حب” مصر بدا عاريا أمام السكان الفقراء والمتعبين من عنت واستبداد الرئيس الذي يعلن حب البلد ويتعهد بسحق من يتعدى على حرمته في الوقت الذي يبيع فيه أملاكه ويفرط بسيادته ويجعله مجرد تابع لدول النفط التي تعطيه فتات ما عندها.
غضبة الشارع
وها هو القائد العظيم يجد نفسه وفجأة أمام غضبة نادرة خرج فيها المئات في السويس والإسكندرية والقاهرة وأحيائها التي يعيش فيها المتعبون ممن سرق السيسي منهم متعة الحياة وأثقل كاهلهم بالضرائب والقمع، مصر في 27 أيلول (سبتمبر) هي سجن مفتوح يعيش فيه أكثر من 100 مليون مواطن، تماما كما ملأ السجون بالمعارضين له ونقاده وحتى من أيده. وكعادته أو كعادة النظام المستبد في وقت الأزمة، يخرج أنصاره للشوارع ليهتفوا بحياة الزعيم. ربما كان الباكر القراءة العميقة في التظاهرات التي خرجت في 20 أيلول (سبتمبر) وفاجأت النظام، ولكنها هزت كيانه، فبعد كل هذا القمع والملاحقة كيف يتجرأ المصريون على تحدي زعيم ظن أنه أغلق كل أبواب المعارضة وأسكت الأصوات الناقدة وحجب مئات المواقع الالكترونية، واستبد حتى صار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يفتش عنه بين جموع الحاضرين لقمة الدول السبع في فرنسا وينادي أين “ديكتاتوري المفضل؟”، ليكتشف هو ومن ناداه أنه ليس الديكتاتور المفضل للجميع كما تقول صحيفة “الغارديان” (26/9/2019). فالخروج لمعارضته كان بالفعل يحتاج لشجاعة مطلقة في ضوء ما قام به من قمع، إلا أن المئات الذين خرجوا وواجهوا بصدورهم الغاز المسيل للدموع والقنابل المطاطية والضرب والرصاص الحي واعتقال حوالي 2.000 شخص، أي أكثر من عدد الذين شاركوا في التظاهرات مع عدد من الشخصيات البارزة بمن فيهم المحامية عن المعتقلين ماهينور المصري والصحافي والمعارض خالد داوود والمتحدث السابق باسم الجنرال سامي عنان، قائد الجيش المصري المعتقل بعد ترشيحه نفسه للانتخابات الرئاسية العام الماضي والأكاديمي حسن نافعة، تؤكد أن الناس فيها عانوا بما فيه الكفاية.
لا توجد مظاهرات
ولم يكن مفاجئا لترامب عندما سئل عن التظاهرات فقد رد أن كلا لديه مظاهراته، والسيسي الديكتاتور المفضل عنده بالتأكيد عنده مظاهرات وهي ليست مهمة. وتشير إلى أن قادة أوروبا الذين تحفظوا على السيسي في البداية أخذوا يتعاملون معه لمنع الهجرة وكزبون متحمس للسلاح في حالة فرنسا. ولهذا السبب لم يتحدث رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون عن قمع النظام عندما التقى السيسي على هامش اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، ولم ينتقد قرار نظامه بتهديد “بي بي سي” بالمنع مع أنه جونسون، المنافق كان يرعى مؤتمرا لحماية الصحافيين. وترى مجلة “إيكونوميست” (26/9/2019) أن الغضب الذي فاجأ النظام لم يكن ثورة ولا ميدان تحرير رقم 2 بل هو فعل “يائس وبطولي” فالسيسي لا يتسامح مع أي معارضة. رجل وحيد في القاهرة تجرأ على أن ينتقد علنا زيف الاستفتاء في آذار (مارس) تم سجنه لأشهر. فبالرغم من صغرها كانت هذه المظاهرات مهمة، بسبب دواعي تلك المظاهرات وماذا تقول عن السياسة المتداعية في مصر. وترى المجلة أن هناك خيبة أمل كبيرة بالسيسي، بين الشعب والنخبة. وما يبقيه في السلطة ليس فقط الوحشية بل وتفريغ الحياة المدنية والسياسية المصرية، وهي عملية بدأت قبل أكثر من نصف قرن، عندما بدأ الجيش والإخوان المسلمون منافسة مدمرة. والسيسي جعل الأمر أسوأ بسحق حتى أخف المنتقدين له. واستطاع ممثل في اسبانيا بشكل غير متوقع ولفترة قصيرة باستغلال الغضب العام. ولكن ليس هناك أي شخص في مصر لتوجيهه والاستفادة منه، وهو محمد علي الذي تثور حوله الأسئلة. فهو شخص يتحدث بلغة الشارع ويقدم أشرطة فيديو عفوية يعدها في بيته بإسبانيا ويضعها على صفحته في فيسبوك، ويظهر بقميص مفتوح ويدخن وهو يتكلم ويسب ويشتم الرئيس “القزم” و “العار” وزعم أنه حقق أموالا طائلة كمقاول وعمل في مشاريع أشرف عليها الجيش وأن لديه معرفة بهذه الأمور، واتهم الرئيس بتبذير ملايين الدولارات على فندق فاخر وقصور رئاسية وغيرها من المشاريع المكلفة. وهو يعيش فيما يسميه منفى اختياري في إسبانيا. ومع أن علي لم يقدم أدلة ملموسة، إلا أن ادعاءاته لقيت صدى عند المصريين الذين يسخرون بالقول إن فيديوهاته أفضل من أي شيء يمكن مشاهدته على نتفليكس. فقد وسع الجيش من امبراطوريته الاقتصادية منذ ان سيطر السيسي على الحكم من خلال انقلاب عسكري عام 2013. وحاصر الجنرالات سوق الأسمنت وفتحوا مدارس خاصة وتقدموا لإنتاج حليب الأطفال بعد نقص على مستوى البلد. ولكن في الوقت نفسه وبالرغم من أرقام جيدة على مستوى الاقتصاد الكلي، إلا الناس العاديين يكافحون لسد تكاليف الحياة. وارتفع معدل الفقر الرسمي خمس نقاط منذ عام 2015 إلى 33 في المئة. ولم تتماش الرواتب مع التضخم، وأدى برنامج إصلاح يدعمه صندوق النقد الدولي إلى ضرائب أعلى ودعم أقل. وقالت احدى النساء ليلة الاحتجاجات في فيديو انتشر بشكل واسع: “[السيسي] يعيش في القصور ونحن نأكل من القمامة”. ويعترف السيسي ببناء قصور جديدة، ولكنه يقول إنها ليست له – وهذا دفاع غريب من رجل يخطط للحكم حتى عام 2030 على الأقل. ويعزو الاضرابات للإخوان المسلمين، وهي حركة إسلامية محظورة يحملها النظام مسؤولية كل شيء من نقص البطاطا إلى الاحتجاجات.
من أين جاء؟
ويتساءل حتى من شجع علي عن سر صعوده المفاجئ ولماذا تحول الرجل الذي عمل مع الجيش فجأة ضده. والبعض يتكهن بأنه مدعوم من فصيل مارق من النظام للتخلص من رئيس تزداد عدم شعبيته، وهو ما لا يبدو معقولا. ولهذا السبب يبدو غموض علي لدى المعارضة التي لم يعد لها صوت بدعم التظاهرات العلني. وربما كان تأخر النظام في الرد على التظاهرات الأولى راجع لحس المفاجأة، فهو لم يتوقع أن يقوم جيش مسحوق بالرد بهذه الصورة، وربما كانت هناك جهات من داخل النظام حانقة على الرؤساء الذين أثروا وبنوا المنتجعات والقصور واشترى السيسي رضا أحدهم ببناء فندق من سبعة نجوم قريبا من فيلته وبعيدا عن أي معلم سياحي، وبهذه المثابة حاولت هذه الفصائل إيصال رسائل للرئيس ويبدو أن السيسي تجاهلها عندما قرر السفر مبكرا إلى نيويورك. وترى صحيفة “التايمز” (24/9/2019) أن التظاهرات قد تكون بالضرورة تعبيرا عن نزاع أجنحة، فعادة ما يتم تصوير النظام بأنه يتكون من مؤسسات متصارعة مثل الجيش والمخابرات والشرطة. وقبل احتجاجات الأسبوع الماضي تم رفع الحظر عن عدد من مواقع الإنترنت التي أغلقت، ولم يرسل الجيش قواته إلى الشوارع كما كان يفعل في الماضي، فيما رأى فيها البعض تلميحا عن استعداد الجنرالات للتخلي عن الرئيس لو زادت حدة التظاهرات. ومن المعروف أن هناك سخطا عاما على الترفيع السريع لنجل السيسي، محمود والإطاحة برئيسها السابق عباس كامل. كل هذا لا يمكن ترجمته إلى انتفاضة واسعة ضد السيسي، فلا توجد هناك تعبئة من المعارضة كما أن النظام مطمئن من دعم الإعلام له ومعظم من تم اعتقالهم كانوا من الشباب الذين لم يشاركوا في ثورة يناير 2011. ونقلت صحيفة “التايمز” عن بهي الدين حسن، مدير معهد دراسات حقوق الإنسان قوله: “ما نراه اليوم هو تطور تاريخي، فلأول مرة في سنواته الست يواجه السيسي موجة من الغضب الشعبي ترفض علانية حكمه، وليس عبر منصات التواصل الاجتماعي ولكن شوارع المدن المصرية”. ومن هنا ترى “التايمز” (24/9/2019) في افتتاحيتها أن مصر تحت حكم السيسي حافظت على صمت القبور، فقد تم سجن الكثير من النقاد أو نفيهم، وتلاشت الحريات وتم إغلاق منصات التواصل الاجتماعي أو وضعت تحت الرقابة، فيما استدعت الشرطة ناشطي حقوق الإنسان للتحقيق معهم. وفي عهد النظام البائد لحسني مبارك تم التضييق على المعارضة لكن الناس كانوا أحرارا للعيش بالطريقة التي يريدونها طالما لم ينتقدوا الديكتاتور أو الجيش بشكل مفتوح. واليوم اختفت كل خطوط السيطرة. ويشاهد حتى من دعم السيسي باسم الاستقرار، بلاده وقد تهشمت وهبطت للحضيض فيما زاد الجنرالات ثراء وثراء. وأشارت لانتقاد علي للرئيس ودعوته الناس التوقف عن “تأليه الرئيس” وهو محق في كلامه لأن الرئيس بحاجة لمعالجة الانتقاد الموجه إليه بأنه أداة في يد الجيش بدلا من كونه خادما للناس العاديين. إلا أن السيسي الراغب بمواصلة القمع لن يستمع لنصائح الخارج طالما حظي بمديح ترامب وتشجيعه، فمصر على حد قوله لديها “زعيم عظيم، وهو محترم جدا وجلب النظام وقبله لم يكن هناك نظام بل فوضى ولهذا فأنا لست قلقا بشأن هذا”. كل هذا رغم تقارير منظمات حقوق الإنسان مثل منظمة “أمنستي إنترناشونال” التي قالت إن القمع الذي مارسه السيسي صد الصحافيين والناقدين له حول مصر إلى “سجن مفتوح”. وفي هذا الشهر دعت منظمات حقوق الإنسان أعضاء الاتحاد الأوروبي لمراجعة الانتهاكات الواسعة في مصر وزعمت أن مصر “شهدت في السنوات الماضية زيادة حادة في انتهاكات حقوق الإنسان”. ولم يكن في وراد الأمر أن يتحدث ترامب بشيء عن التظاهرات وهو الذي دافع عن النظام السعودي وسط شجب العالم لجريمة قتل الصحافي جمال خاشقجي. بل وكشف ناشر صحيفة “نيويورك تايمز” إي جي سولزبرغر في مقال نشرته الصحيفة يوم 23/9/2019 عن تردد إدارة ترامب في حماية مراسلها في القاهرة وكانت ستقف متفرجة على اعتقال السلطات له. وفي تقرير لصحيفة “واشنطن بوست” (23/9/2019) نقلت فيه عن ميشيل دان، مديرة برنامج الشرق الأوسط في وقفية كارنيغي، خشيتها من تفسير كلام ترامب الأخير حول السيسي ومصر كموافقة على القمع. وقالت: “لا تستطيع الولايات المتحدة السيطرة على ما يقوم به السيسي أو ما يجري في مصر ولكنها تستطيع التحكم بالموقف الذي تتخذه بهذا الشأن”. وقالت دان إن على واشنطن الوقوف مع المتظاهرين وحقهم بالتعبير السلمي عن مطالبهم “ومن الواضح أن كل ما يعمله المصريون يفعلونه بضوء أخضر من واشنطن”. وتضيف أن ترامب يرى في السيسي شريكا استراتيجيا مهما في محاربة التطرف “ولكن ما يفشل في رؤيته هو أن قمع السيسي يعزز، في الحقيقة، حالة التشدد بين الشباب المصري فيما تترك انتهاكات حقوق الإنسان تداعيات سلبية على محاربة التطرف والإرهاب”.
عاد السيسي بعد غياب أسبوع عن القاهرة وبعدما أمنت أجهزة الأمن المدينة، بنقاط تفتيش، وحراسات مشددة على المؤسسات الحيوية، إلغاء المباريات والحفلات الموسيقية، وبدا مثل ديكتاتور خائف يقول لأتباعه لا تخافوا كل شيء على ما يرام، ربما ذكرنا السيسي ببطل من أبطال ماركيز ولكنه بالتأكيد في مشاكله النفسية والعاطفية قريب من بطل متقلب شهدته مصر و”تفرعن” عليها، اسمه الحاكم بأمر الله. وهو تجسيد لما قاله لورد أكتون: “إنما السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة على نحو مطلق”. وبانتظار الجولة الآتية.