في بواكير طفولتنا ويفعنا وبالطبع كانت لدينا ذاكرة قوية ننقش عليها حوادث وذكريات لا تنسى، ونشعر فيها بالشوق والامتنان لمعلمينا الذين أمسكوا بأيدينا أول مرة ليعلمونا خط الحرف الأول، وهو البداية الأولى لطموحنا في أن نكون دالة لغيرنا. ولنبدأ الأمنيات والتجليات، التي ابتدأت من عهد الطفولة ونقشت في ذاكرة التعلم في الصغر، ولكننا والذاكرة الحادة التي نمتلكها لم نسمع ونحن نتطفل على الجلوس مع الكبار في دواوين ومضافات الأهل والعشيرة، ان هناك ملاذين آمنين للمجرمين يحتمون بهما من غضب الله أولا وغضب المجتمع، معتمدين على ثقافات توارثناها من عادات وأعراف وتقاليد دينية شديدة، ترتقي إلى التضحية بكل شيء إذا ما دعا داعي النصرة للدين الحنيف، ملتزمين بوصايا الأهل وعلِّية القوم بحرمة الدم والإنسان، وألا نجانب وصايا النبي صلى الله عليه وسلم في السلم والحرب، ولاءات كثيرة لا تقتل شيخا ولا طفلا ولا عابدا في صومعة ولا امرأة ولا اعزل ولا مدبر والكثير من اللاءات.. فإذا كانت التشريعات السماوية تحرم القتل فكيف للتشريعات الوضعية ان تحمي القتلة؟ لكننا اليوم في ظل ديمقراطية أمريكا وشفافية قانونها وتضحيات جنودها في سبيل نشر الديمقراطية الغربية، سنت لنا قوانين فرضتها علينا ونحن سامدون هامدون لا حراك فينا و’لا شبطة ولا لبطة’ وتفرضها على الدول المغلوبة تنص على حماية القتلة. ونرى ذلك عند الحواجز قف وإلا تعرض نفسك للقتل، وقوة مخولة بالقتل و.. و، لو أن كل شخص منا يسأل نفسه ما الذي فعله الأمريكان وحلفاؤهم للشعب العراقي سوى القتل والتعذيب وكثرة السجون السرية، والقتل على الهوية والكثير الكثير. من منا لا يتذكر ما حدث بعد عام 2003 عندما بقي العراق لمدة أكثر من سنة بدون حكومة ولم يعكر صفو الطوائف وأبناء البلد الواحد، كل في منطقته وهم أخوة متحابون ولا يوجد أي شيء يثير الخوف أو يدعو للقلق، فالشعب متماسك ويستطيع أي شخص من أي مكان أن يتجول في كل أنحاء العراق، لكن لم يدم الهدوء طويلا فأمريكا أرادت أن تلهي الشعب لنهب خيراته، بدون أن يسألها احد فأدخلت الحرية والديمقراطية، أي حرية وأي ديمقراطية يمتهن فيها الإنسان وينتزع منه اعتراف بارتكاب فظائع لم يدر من قام بها، ولكنها الحقارة المتأصلة في الجنس الأمريكي وخنق حريته وقتله قتلا رحيما لتخليصه من معاناته اليومية، وهو يهرول خلف الزحام على مشتقات النفط أو رغيف خبز وكهرباء، يجر الشيخ والطفل حسرات وزفرات. فقد قضي على الزراعة وعلى الصناعة وعلى الأمن، يريد الأمريكان ان يعلمونا الديمقراطية ونحن أصحاب أول برلمان في التاريخ، وعلمنا الدنيا احترام الإنسان (كيف استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) حضارتكم بنيت على جماجم الهنود الحمر وحضارتنا جعلت ابناءكم يفدون إلى بغداد لينهلوا من عصارات عقول علمائها. استوطنتم بلادنا وصدرتم لنا الموت فاعلموا إن الحضارات سادت وبادت بظلم ملوكها. تتباهون بحضارة عمرها مئتي سنة وحضارتنا عمرها سبعة آلاف سنة فاعرفوا أحجامكم ولا تتطاولوا على أسيادكم فنحن ورثة الأرض ومن عليها، وهذه حكمة وناموس الهي فالبقاء للعمار لا للمخربين.. فهل وصلت الفكرة يا أوباش القرن الواحد والعشرين، ولتكن لكم عبرة في الفلوجة والصومال وبيروت.
والغلبة للصابرين واعلموا أن الزمن يأكل من (جرفكم) فالكثير من أبناء الشعب العراقي كان مخدوعا بالدعاية الأمريكية بأن أمريكا ستطور العراق، كان يحلم بالبيوت الفخمة وناطحات السحاب والسيارات الحديثة وغير ذلك من الأمور الأخرى، لكنه لمس العكس وأصيب بخيبة أمل وأحس بأنه انخدع. ومن هنا كانت نقطة التحول لدى البعض الذي كان يأمل أن يصبح كدول الجوار التي كانت في يوم من الأيام تتمنى أن تكون مثل العراق.
أنا لا أريد أن أسيء إلى احد لكن هذا هو الواقع الذي عشناه ومازلنا نعيشه في بعض الأوقات، حياة مسلسل التحرير أو ديمقراطية أمريكا كم منا من لم يستطع الخروج من باب بيته بعد أن تذهب الشمس لمغيبها.
قبل فترة قصيرة استوقفتني عبارة قرأتها عندما ذهبت مع احد زملائي لإكمال معاملة والدة المصور الذي قتله الأمريكان (أصحاب الحرية والديمقراطية) ذهبت معه إلى المحكمة لإكمال الأوراق التحقيقية للوالدة وفوجئت بعبارة في أوراق التحقيق (أغلق المحضر للحصانة التي يتمتع بها الجنود الأمريكان) استوقفتني هذه العبارة كثيرا وسرحت بي السطور فأمعنت النظر في العبارة علي ان ارتب تفكيري ولكن العبارة طوحت بي يمينا وشمالا وجعلتني أقف في مفترق طرق حاد، لا استطيع فيه أن أميز أدعياء الحرية الذين جاءوا يتوسلون الناس بأن مجرد أن يلتـــــقطوا معهم صورة ولو واحدة تصدر للعالم كلمة موادعة واحدة تقول ان أمريكا حققت شيئا في العراق وفي العالم اجمع من خلال الغزو الفكري والخيال المريض لبعض المصدقين بنبوءة بوش الذي أوحى اليه انه زعيم القتلة بلا منازع، فهل أن الشعوب في المرة القادمة ستصدق أمريكا التي وضعت القيم والقوانين بالهرم المقلوب وأعطت للقتلة حصانة، أنها الطامة الكبرى التي لم أجد لها تفسيرا سوى تفسير واحد هو أن الطبع غلب التطبع.
فراس محمد عطية [email protected]