بغداد ـ «القدس العربي»: توفي صباح الأحد 29 سبتمبر/أيلول 2019 في العاصمة العراقية بغداد المخرج المسرحي سامي عبد الحميد عن عمر تجاوز التسعين عاما، بعد انتكاسة صحية كان قد تعرض لها في الأيام الأخيرة ألزمته الفراش، وتمكنت من أن تحدَّ حيوية طاغية كان ينثرها بين طلابه في كلية الفنون الجميلة لعقود طويلة، منذ منتصف ستينيات القرن الماضي، وكذلك جميع الممثلين الذين تعامل معهم، ولم يعرف عنه سوى الحرص على العمل والمشاركة في كل نشاط يهدف إلى تطوير تقنيات العمل المسرحي، من حيث التفكير في المعالجات الإخراجية والارتقاء بأدوات الممثل الجسدية والصوتية، ومن هنا أصدر كتبا منهجية تم اعتمادها باعتبارها مادة أساسية في قسم المسرح في كليات ومعاهد الفنون الجميلة في العراق. لم يخمد نشاطه المسرحي طيلة مشواره الفني، الذي يمتد إلى سبعة عقود، وقد توزع حضوره الآسر ما بين تدريس مادة الإخراج المسرحي في كلية الفنون الجميلة في جامعة بغداد وإخراج عروض مسرحية للفرقة القومية للتمثيل التابعة لوزارة الثقافة العراقية، وعروض أخرى في فرقة المسرح الفني الحديث، التي كان أحد اعضائها المؤسسين في نهاية خمسينيات القرن الماضي، إضافة إلى عروضه التي كان يقدمها مع طلبته في كلية الفنون.

أبرز ما كان يطغي على شخصيته الإيجابية حرصه على تقديم آرائه الفنية عبر العروض المسرحية التي يقدمها، بمعنى أنه كان يولي أهمية قصوى في أن يكون عمله ميدانا لطرح أفكاره ورؤاه التنظيرية التي يؤكد فيها مفاهيمه حول خطاب العرض المسرحي، بما يتضمنه من دلالات وإشارات ورسائل جمالية وتقنية وفكرية، وهذا النهج الثابت الذي كان خاصية أولى لشخصيته الفنية، جعله في موضع أبعد ما يكون عن أجيال المخرجين المسرحيين الذين جاءوا من بعده، حيث طغى على أغلبهم التنظير، من غير أن تكون لهم توقيعات عملية ذات تأثير كبير على ذائقة الجمهور، مثلما كان عليه جيل الرعيل الأول الذي ينتمي إليه سامي عبد الحميد. وقد عبّر هو شخصيا عن هذه الإشكالية التي بات يعاني منها المسرح في العراق، أثناء أمسية ثقافية أقيمت في العام الماضي احتفاءً بدخوله العام الواحد والتسعين من عمره.
يعد الراحل آخر الأسماء الكبيرة التي تودع مسرح الحياة من جيل المؤسسين للمسرح في العراق أمثال، حقي الشبلي وإبراهيم جلال وجعفر السعدي وجاسم العبودي ويوسف العاني وبدري حسون فريد. وقد عمل عبد الحميد مع هذه النخبة الطيبة منذ نهاية أربعينيات القرن الماضي على بناء أسس أكاديمية سليمة للمسرح مِن بعد أن أنهى عددا منهم دراسته في أمريكا وبريطانيا.
في مسيرته قائمة طويلة من العروض المسرحية التي تولى إخراجها والتي لا يسع المجال لذكرها كلها، إلا أن جهده في مسرحية «هاملت عربيا» التي قدمها في منتصف سبعينيات القرن الماضي، والتي جسد فيها الشخصية الرئيسة الممثل الراحل عبد الجبار كاظم، تعد من وجهة نظر الباحثين الأكاديميين والنقاد من أبرز المحطات الفنية في مسيرته الحافلة بالإنجازات المسرحية، وقد اعتمد في هذا العرض على نص «هاملت» لشكسبير، وسعى إلى أن يكون جهده الفني في هذا المشروع يدور منساقا مع جهود نخبة من المسرحيين العرب أمثال الطيب الصديقي وقاسم محمد وعبدالكريم برشيد وسعد الله ونوس وآخرين الطامحين إلى البحث عن ملامح محلية مستلهمة أفكارها وتقنياتها الجمالية من البيئة والموروث العربي، ومن هنا كان عمله «هاملت عربيا» مغامرة فنية للوصول إلى هذه القصدية، من خلال الاشتغال داخل إطار جمالي بعيد عن منظومة العرض المسرحي الغربي، فجاءت معالجته الإخراجية تتوخى أن يكون شكل العرض عربيا بكل علاماته، ولتأكيد هذه الدلالة عمد إلى أن تتوسط خشبة المسرح خيمة عربية لتكون إشارة سيميائية على أن الخطاب الجمالي في معالجته الإخراجية ينطلق من بيئة لها خصوصيتها العربية، وقد تجسد ذلك في فضاء الصحراء الذي هيمن على سينوكرافيا العرض.
برحيل سامي عبد الحميد يغيب آخر اسم من جيل المسرحيين العراقيين الأوائل، وستكون مسؤولية الأجيال التي تعمل اليوم والتي ستجدّ بالتفكير وبعمق في البحث عن أطر فنية تبقي زهرة المسرح يانعة مثلما فعل الرعيل الأول.
وهذه التجربة شكلت آنذاك منطلقا لحوارات عميقة على صفحات الجرائد والندوات، شارك فيها العاملون في الوسط المسرحي العراقي، وكانت الأسئلة تدور حول آفاق هذا التفكير الجمالي ومدى إمكانية الوصول من خلاله إلى نتائج ذات أهمية معرفية وتقنية تصب في مسألة البحث عن هوية محلية للمسرح في المنطقة العربية، بعيدا عن ما وصل إلينا من أطر شكلية أنتجتها المسارح الغربية. واستمرارا لهذا المبحث واصل سامي عبد الحميد الكتابة في الصحافة العراقية، في سلسلة مقالات عمد من خلالها على أن يُشرك العاملين في المشغل المسرحي بالتفكير الدائم عن حلول فنية في إطار المعالجات الإخراجية لأجل أن يبقى العرض المسرحي خطابا فنيا يرتقي بذائقة المتلقي جماليا .
إضافة إلى دوره المؤثر والكبير في مساحة الإخراج المسرحي، والأجيال التي خرجت من فضاء تفكيره الفني، فإن جميع العاملين في المسرح العراقي يتفقون على أن سامي عبد الحميد أبرز ممثل مسرحي عرفه المسرح العراقي، وهذا يعود إلى ما كان يمتلكه من خاصية فذة في الإلقاء، ربما لم يستطع أيّ ممثل عراقي أن يصل إلى ما كان عليه من مؤهلات في التلوين والتقطيع وإيصال الكلمة على المسرح مشبعة بدلالات درامية، ولعل دوره في مسرحية «أبي الطيب المتنبي» التي أخرجها الراحل إبراهيم جلال نهاية العقد السابع من القرن العشرين مثال شاخص على ذلك..
ومن المفارقات الغريبة التي طفح بها الواقع الطائفي العراقي الذي كرسه النظام السياسي بعد عام 2003 أن يكون الفنان سامي عبد الحميد هدفا لإحدى الميليشيات الطائفية المتنفذة، فتتورط باختطافه لأسباب طائفية في ذروة اشتداد العنف بين الجماعات المسلحة المحسوبة على الشيعة والسنة ما بين عامي 2007- 2008، ولكن ارتفاع الأصوات عالية في الوسط الثقافي والفني في العراق نجحت في الضغط على الجهات الخاطفة، وتم إطلاق سراحه باعتباره رمزا واسما فنيا يملك رصيدا كبيرا من الاحترام والتقدير لدى الجمهور العراقي وكافة العاملين في الوسط الثقافي والفني، ولم يتورط في أي عمل دعائي، سواء لصالح النظام السابق أو لأي جهة أخرى، بما في ذلك الحزب الشيوعي العراقي، الذي كان محسوبا عليه، ولكنه شاء أن يقدم نفسه دائما باعتباره مخرجا مسرحيا من غير أن يضع انتماءه الأيديولوجي في أولوية اهتماماته.
يذكر أن آخر ظهور للفنان الراحل كان في مهرجان الفلوجة المسرحي الأول الذي أقيم للفترة من 22 – 25 سبتمبر/أيلول 2019 في مدينة الفلوجة، وقد سميت هذه الدورة باسمه، ولأنه كان مريضا لم يستطع حضور المهرجان، لكنه أرسل رسالة مصورة بالصوت والصورة عرضت في يوم الافتتاح عبّر فيها عن عميق سروره لإقامة مهرجان مسرحي في مدينة عانت الكثير من ويلات الحروب، وقدم عميق امتنانه لكل الجهود التي بُذلت من قبل مسرحيي الفلوجة، لأجل أن يزيحوا عن وجه هذه المدينة ما علق فيها من غبار الحروب والآلام عبر الفن المسرحي.
برحيل سامي عبد الحميد يغيب آخر اسم من جيل المسرحيين العراقيين الأوائل، وستكون مسؤولية الأجيال التي تعمل اليوم والتي ستجدّ بالتفكير وبعمق في البحث عن أطر فنية تبقي زهرة المسرح يانعة مثلما فعل الرعيل الأول.
سيرة الراحل تشير إلى انه من مواليد مدينة السماوة عام 1928، نال شهادة ليسانس في الحقوق وكذلك الدبلوم من الأكاديمية الملكية لفنون الدراما في لندن،كما نال شهادة الماجستير في العلوم المسرحية من جامعة اورغون في الولايات المتحدة الامريكية .