المرأة في أدب زكي مبارك: في كل بلد ليلى والحب أكثر الأمور جدية

■ المرأة في أدب زكي مبارك هي ليلى، وليلى هي كل شيء، الخيال والحقيقة، الغزل والحب والجمال، الكلمة التي يحيا بها ويعيش من أجلها، اللغة الأم والوطن الأصلي والأوطان الأخرى، كتب عنها وعن الحب بوعي عميق وإصرار صادق وجدية شديدة، منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي وحتى وفاته في يناير/كانون الثاني عام 1952 الحزين، وكان طوال هذه السنوات يخشى ويرفض أن يتبلد أو يموت الوجدان المصري، وكم أقلقه هذا الأمر وأرّقه وأثار مخاوفه، كأنه أحسَّ بأنه سيأتي يوم تكون فيه الغاية الأسمى للفن والأدب هي قتل المشاعر والأحاسيس وتشويه العقول والنفوس، وتحويل البشر إلى وحوش تكره الحرية وتنبذ الحب وتنفر من الجمال، فأخذ يدافع عن أفكاره ومشاعره ويقف شجاعاً في وجه من يهاجمونه باسم «الأخلاق» ويعيبون على أزهري مثله الكتابة عن الحب، وكان أولهم بكل أسف طه حسين الذي رد عليه زكي مبارك في مقالة بعنوان «إلى الدكتور طه حسين بك» نُشرت في مجلة «الرسالة» بتاريخ 19-2-1940 قائلاً: «فأنا أتحدث عن الحب بصفة جدية، وأتعقب أخباره وآثاره في كل ما أرى وأسمع، وآية ذلك أنني لم أنته ولم أنزجر، بعد أن رأيت غضبتك في جريدة «السياسة» يوم ظهر كتاب «مدامع العشاق» وقد قلت إنه يحرض على الشهوات، سامحك الله وغفر لك».
كما واجه جماعة الأكاديميين الذين يرون أنه لا يصح لأكاديمي رصين حاصل على ثلاث شهادات دكتوراه من مصر وفرنسا، أن يكون إنساناً رقيقاً لديه حس وشعور، وإنما يجدر به أن يصير إلهاً يتنكر لقلبه ويتعالى فوق بشريته، وأن يكون ذلك الأديب الجامد المتحجر، الذي يخشاه القارئ، ولا يفهم منه كلمة، لكنه لم يخضع لأي من هؤلاء أو أولئك، ولم يتبع سوى قلبه وإن طاله الضرر، فلم يتعال على القارئ، ولم يرسم لنفسه صورة إلهية تدعي الكمال المصطنع، بل أخذ يفتح قلبه ويسكب روحه ويرتمي بنفسه على الأوراق بعيوبها ونقائصها، قبل مميزاتها ونبوغها، وفي كتبه لا وجود لحروف باردة وجمل متحجرة وتعبيرات متجمدة، ولم يكن يستنكف عن الضحك والمزاح، فهو قادر على أن يملأ الفم بالضحكات، كما يستطيع أن يملأ العين بالدموع وأن يجعل القلب يخفق مرات ومرات، بأسلوبه المتمكن من العربية التي أحبها وأحبته، فمنحته أسرارها ووهبته قوة اللغة وجمال الألفاظ وشاعريتها، وحيوية الكلمة النابضة بحسه، وفيها تتكثف كل مشاعره، فها هو غارق في نشوة الحب والغرام: أحبك يا ليلى، أحبك يا روحي وأشتهي أن أخاصرك مرة ثانية تحت ضوء القمر وفي سكون الليل، وها هو غاضب من ليلى، تائه ويائس من كل شيء: إلى أين؟ وهل لك وطن أيها القلب؟

كان قادراً طوال الوقت على صياغة الجمل السلسة والتعبيرات الواضحة التي تتصل مباشرة بوجدان القارئ، فهذه الكتابة ليست ميتة، وهذا الكاتب ليس ميتاً، إنه حي تمام الحياة وقريب إلى النفس يؤنسها ويخفف من غربتها، وهو إنسان لم يعرف الجمود قلبه أو قلمه

فقد كان قادراً طوال الوقت على صياغة الجمل السلسة والتعبيرات الواضحة التي تتصل مباشرة بوجدان القارئ، فهذه الكتابة ليست ميتة، وهذا الكاتب ليس ميتاً، إنه حي تمام الحياة وقريب إلى النفس يؤنسها ويخفف من غربتها، وهو إنسان لم يعرف الجمود قلبه أو قلمه، ولم يتخذ من الأدب سلطة يتسلط بها على عباد الله، وإنما كان يحب القارئ ويحترمه ويخاطبه مباشرة فيقول: «ولولا الثقة بك أيها القارئ لكسرت قلمي ورجعت إلى صحبة الفأس والمحراث في سنتريس»، وسنتريس هي قريته في محافظة المنوفية، ومنها اكتسب زرقة العينين المنتشرة في قرى دلتا النيل، ونرى في وجهه ملامح الفلاح والأجنبي في الوقت نفسه، زكي ومسيو مبارك «من سنتريس إلى باريس» كما كان يقول، فقد ذهب إلى فرنسا في العشرينيات للدراسة في جامعة السوربون بعد أن درس في الأزهر الشريف، ثم في الجامعة المصرية، وكانت إقامته في القاهرة في منطقة مصر الجديدة، وكان من أوائل قاطني هذا الحي حيث شيد منزله بعيداً على تخوم الصحراء آنذاك.

ومن أهم ما قام به أدبياً أنه نقل الغزل من الشعر إلى النثر بصورة لم يسبق لها مثيل، وابتكر بذلك فناً جديداً كما قال علي الجارم، ويعد إنتاجه الأدبي من أجمل ما كُتب في الغزل نثراً، فهو يعرف كيف يغازل المرأة ويناكفها ويستفز مشاعرها بأسلوب لطيف، وكما نقل الغزل من الشعر إلى النثر فقد نقل «ليلى» كذلك من الشعر إلى النثر، ويمكن القول إنه كتب نسخته الخاصة من مجنون ليلى نثراً، مع الفارق الكبير بالطبع، الذي يذكره بنفسه واضحاً جلياً حين يقول: «كان المجنون يحب ليلى واحدة بسبب احتجازه في البيداء، أما أنا فصريع الليليات في الحواضر والبوادي»، وكان مجنوناً بأكثر من ليلى فنقرأ عن ليلى في العراق، وليلى في لبنان، وليلى في دمشق، وداخل مصر هناك أكثر من ليلى أيضاً، في الزمالك ومصر الجديدة والمنوفية والمنصورة ودمياط، وعن ليلى في الزمالك التي كان يشتاق إليها حتى أثناء وجوده في العراق كتب: «متى أراك يا ليلى؟ ومتى تسكنين إلى صدري بمصر الجديدة أسبوعاً أو أسبوعين لحظة أو لحظتين؟»، ونراه وقد كتب الغزل في أجنبيات كثيرات كالفرنسيات والإنكليزيات والنمساويات، إلا أنه لم يمنح إحداهن أبداً اسم ليلى واختص به المرأة العربية وحدها دون سواها، وعندما نقرأ في كتبه عن امرأة عربية لا تحمل اسم ليلى كجميلة أو ظمياء على سبيل المثال، ندرك على الفور أن هذه التي لم يسمها ليلى إنما هي بعيدة تماماً عن قلبه وخياله وقلمه الأدبي ونثره وشعره، فمن المعروف أنه كان شاعراً أيضاً، ويظن القارئ أحياناً أنه كان في صراع بين الشعر والنثر يتنازعه كل منهما، فينتصر الشعر في جولة وينتصر النثر في أخرى، ونرى آثار ذلك النزاع في كتبه النقدية وإبداعه الأدبي على السواء، وهو وإن كانت دراساته في الشعر تفوق دراساته في النثر، فإنه ألف أحد أهم المراجع على الإطلاق التي تتناول فن النثر بالدراسة والتحليل، وهو كتاب «النثر الفني في القرن الرابع» وبالطبع يفوق إبداعه النثري إبداعه الشعري ويمكن القول أن النثر استحوذ عليه بدرجة كبيرة وأخذه كثيراً من الشعر، لكنه رغم ذلك لم يتوقف عن نظم الشعر، وكان يضمن نثره بالشعر في كثير من كتبه، ونشعر أحياناً أثناء القراءة بأنه لم يستطع أن يكمل التعبير نثراً عما يعتمل في نفسه فأكمله شعراً.

إن القاهرة ليس فيها مشرب أمين يلقى فيه الرجل حبيبته وهو في أمان من عيون الرقباء، ومع ذلك يقولون إن مصر تحضرت، كذبوا

وحدها ليلى في العراق حظيت بكتاب كامل، أما الباقيات فتفرق ذكرهن وتناثر بين أوراقه، حيث أصدر عام 1938 كتابه «ليلى المريضة في العراق» بشكله الروائي المنفتح المتحرر من القيود والتقاليد الأدبية والاجتماعية، وفيه نقرأ إلى جانب المذكرات واليوميات والآراء الأدبية والفنية والسياسية، حكاية حبه لليلى ونتبع السرد المتقطع لحكاية حب ليلى وعبد الحسيب في السابق والتي يتتبعها الكاتب، ويسعى إلى معرفة كافة تفاصيلها، ووسط كل ذلك نقرأ عبارات الغزل والحب كقوله: «وطال حنيني إلى كلمة كانت تقولها ليلى في لحظات الصفاء وهي كلمة «تعال» فكنت أهوي إلى صدرها كما يهوي الطفل إلى صدر أمه الرؤوم، وما كان أدبي يسمح لي بأن أقترح شيئاً على ليلاي، وإنما كنت أنتظر عطفها في صمت، كما ينتظر العشب جود السحاب» ثم يقول بعد ذلك: «ورضيت بالقليل فقبلتني ليلى قبلة كادت تشوي جبيني»، وقد عاش زكي مبارك لفترة طويلة في العراق، بعد أن أغلقت مصر أبوابها في وجهه بأمر من طه حسين، وأحب العراق حباً لا مثيل له وجعلنا نحبه أيضاً، فمن الصعب أن يقرأ أحد ما كتبه عن هذا البلد، خصوصاً في كتاب «وحي بغداد» ولا يقع في غرامه، وكان يحب أن يقترن اسمه بالعراق حتى بعد موته، كما قال في أشعاره: سيسأل قوم من زكي مبارك/ وجسمي مدفون بصحراء صماءِ/ فإن سألوا عني ففي مصر مرقدي/ وفوق ثرى بغداد تمرح أهوائي.
ونرى أنه رغم عيشه في باريس لفترة طويلة أيضاً وتردده الدائم عليها بعد ذلك، ومؤلفاته عنها وأهمها كتاب «ذكريات باريس»، إلا أنه لم يحب فرنسا كما أحب العراق، ولا شك في أنه كان لفرنسا الدور الكبير في تحرره الفكري، ويبدو ذلك في أسلوبه وكتابته، فنراه على سبيل المثال يصف لقاء جمعه بإحدى زميلات الدراسة في جامعة السوربون سنة 1927 كالتالي: «وكانت لحظة ستنصب لها الموازين يوم يقوم الحساب» ثم نرى بعد ذلك تغير مفهوم الذنب لديه عندما يقول: «وقفت بجانبها كالتمثال وكنت من الآثمين»، كما كتب عام 1938: «إن القاهرة ليس فيها مشرب أمين يلقى فيه الرجل حبيبته وهو في أمان من عيون الرقباء، ومع ذلك يقولون إن مصر تحضرت، كذبوا»، ورغم أفكاره المتحررة التي كان يعبر عنها بلا خوف إلا أنه كان يصدمنا أحياناً ببعض التناقضات ومنها على سبيل المثال، الغيرة وفرض السيطرة على المرأة والرغبة في حجبها عن العيون، وعدم اصطحابها إلى الحفلات الساهرة، خوفاً من الرجال، فيقول: «ولنفرض بأنك تلزمين الصمت ويلزم الناس الأدب فكيف تخفين هذه المشية؟ إن مشيتك يا ليلى فضيحة ولو لبست ثياب الجاحظ، والسامرون ينظر بعضهم إلى بعض، وأنت ستخطرين حتماً بين السامرين، وما أضمن أن يتأدب الجميع فلا تطرق سمعك كلمة نابية أقع بسببها في معركة تطنطن بها الجرائد في مصر والشام والعراق»، يزعجنا بالطبع مثل هذا التناقض لكنه التناقض المعهود لدى الرجل العربي على كل حال.

٭ كاتبة مصرية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية