القاهرة ـ «القدس العربي»: جولة جديدة من المفاوضات الخاصة بسد النهضة، تستضيفها العاصمة السودانية الخرطوم على مدار 4 أيام، تأتي بعد أيام من اعتراف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بفشل جولات المفاوضات التي استمرت ما يقرب من الخمس سنوات، خلال كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وتمثل خطة ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، خلافا واسعا بين القاهرة وأديس أبابا، حيث ترغب القاهرة في أن تمتد خطة الملء إلى 8 سنوات، فيما تصر أديس أبابا على فترة الأربع سنوات.
لجنة البت تجتمع
وانطلقت أمس الإثنين، اجتماعات اللجنة الوطنية البحثية الفنية المستقلة المكونة من السودان ومصر وإثيوبيا للبت في الخلاف.
وتم تشكيل اللجنة بناء على توجيهات رؤساء الدول الثلاث بعد تعثر المفاوضات في الفترة السابقة، حيث نجحت هذه اللجنة العلمية من الدول الثلاث في ابتكار برنامج لملء البحيرة في 7 سنوات، فيما تستمر الاجتماعات خلال الفترة من 30 سبتمبر/ أيلول الماضي، إلى 3 أكتوبر/ تشرين الأول الجاري.
ومن المتوقع أن تكون الاجتماعات الثلاثية، بين وزراء الري وخبراء فنيين ومسؤولين من مصر والسودان وإثيوبيا، الأخيرة في اﻵلية الثلاثية التي تم إنشاؤها بموجب اتفاقية الخرطوم الموقعة في مارس/ آذار 2015، بهدف التوصل لاتفاق يحقق مصالح الدول الثلاث في التنمية.
وأبدي رئيس الجهاز الفني للموارد المائية في السودان، خضر محمد قسم السيد، في تصريحات صحافية، ثقته في أن تحرز هذه الجولة توافقا في ملف التفاوض بين الأطراف الثلاثة، على أن يتم خلال الاجتماع استعراض المقترحات المصرية والإثيوبية والسودانية.
ولفت إلى أن اجتماعات اللجنة البحثية ستتوج باجتماع لوزراء الموارد المائية في الدول الثلاث خلال 4-5 أكتوبر/ تشرين الأول المقبل لاعتماد نتائج هذا الاجتماع.
وشدد على أن السودان يأخذ بعين الاعتبار مصالح كافة الأطراف، ويسعى إلى حلول توافقية مرضية من دون الإضرار بمصالح أي طرف.
وكانت الجولة الأخيرة من مفاوضات سد النهضة في القاهرة خلال الشهر الماضي، شهدت عدم إحراز أي تقدم.
وفي وقت سابق، أكد المسؤول السوداني أن تحديد فترة الملء من الجوانب المهمة للغاية، إذ أن معظم المخاوف يتعلق بمخزون المياه.
مصادر: توقيع السيسي على اتفاق 2015 أضعف موقف مصر
ومن وجهة النظر الفنية، فإنه كلما زادت الفترة الزمنية لملء البحيرة، التي تبلغ سعتها 74 مليار متر مكعب، كلما أمكن تقليص المخاطر المحتملة، مثل الإفراط في استهلاك المياه، وبالتالي التأثير على مناسيب المياه في البلدان المعنية.
وأعاد السيسي، في كلمة ألقاها الثلاثاء أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، التأكيد على أن بلاده لن تقبل بتشغيل سد النهضة بفرض «الأمر الوقع».
وأكد أن بلاده ليست ضد التنمية ولا تعارض إنشاء السدود بشرط ألا تتضرر من ذلك.
حق إثيوبيا
لكن إثيوبيا أكدت بعد ساعات من حديث السيسي أن خطط بناء السد تمضي وفقا للمخطط الموضوع، مؤكدة إنجاز 63 ٪ من المشروع الذي تقدر تكلفته بنحو 4.9 مليار دولار.
وشهدت الاتفاقية الموقعة في 2015 إقرار مصر بحق إثيوبيا في بناء السد، والاتفاق على تكليف مكتب استشاري فرنسي بتنفيذ الدراسات الفنية للسد بالتعاون مع مكتب هولندي، وإلزام إثيوبيا بالبند الخامس من الوثيقة، التي تحوي الاتفاق على قواعد الملء الأول والتشغيل للسد. وهو ما تراجعت عنه إثيوبيا لاحقًا، كما تنازلت مصر كذلك ووافقت على قيام المكتب الفرنسي منفردًا بتقديم الاستشارات الفنية.
وقالت مصادر إن العديد من الجهات الرسمية رفعت تقارير لرئيس الجمهورية قبل توقيع الاتفاقية، مفادها أن التوقيع عليها سيضعف موقف مصر، التي كانت تطلب من الجهات الدولية آنذاك عدم تمويل السد، سوى بعد توصل القاهرة والخرطوم وأديس أبابا لاتفاق حول كيفية ملء السد، وكذلك بعد التيقن من تفاصيل فنية تتعلق بأمن جسم السد وطبيعة التداعيات البيئية الناتجة عنه، وتأثيره على مجرى النهر ونوعية المياه فيه، ووفق المصادر فإن» فايزة أبوالنجا، مستشارة الرئيس لشؤون اﻷمن القومي، ومختصين سابقين في المخابرات وفي وزارات الخارجية والدفاع والري، أجمعوا، في ذلك الوقت، على أن التوقيع على اتفاق الخرطوم يمثل إقرارًا مصريًا بالموافقة على قيام إثيوبيا ببناء السد بدون أية ضمانات أو التزامات، غير أن رئيس الجمهورية قرر أنه سيوقع الاتفاق، وأخبر معاونيه أنه تكون لديه القدرة على إحداث تغيير كبير في الموقف الإثيوبي من خلال استخدام تأثيره الشخصي على المسؤولين الإثيوبيين، بل وعلى الرأي العام الإثيوبي».
ويقع سد النهضة على النيل الأزرق، وهو واحد من أهم منابع نهر النيل الذي يشكل شريان الحياة بالنسبة لكل من مصر والسودان.
وتبلغ الطاقة التصميمية للسد 6 آلاف ميغاواط من الكهرباء، ومن المتوقع أن يكون أكبر سد للتوليد الكهرومائي في أفريقيا والعاشر عالميا.
وتقول إثيوبيا إنها ستعطي الأولوية في شراء الطاقة المولدة لمصر والسودان، الذي يشتري حاليا ما متوسطه 250 ميغاواط سنويا من الكهرباء من إثيوبيا.
إلى ذلك، قال شيخ الأزهر أحمد الطيب في تصريحات أمس، إن «قضية المحافظة على المياه هي قضية دينية في المقام الأول، بجانب كونها قضية أمن قومي، باعتبارها من الموارد الضرورية لحياة البشرية جمعاء»، مشيرًا إلى أن «ملكية المياه هي ملكية عامة، ولا يصح بحال من الأحوال، وتحت أي ظرف من الظروف، أن تترك الموارد الضرورية للحياة، ملكا لفرد، أو أفراد، أو دولة تتفرد بالتصرف فيها دون سائر الدول التي تشترك في هذا المورد العام أو ذاك».
وأكد «أحقية مصر في المطالبة بحقها في حصتها من مياه نهر النيل، باعتباره شريان الحياة للمصريين، مشيدًا «بكلمة السيسي التي ألقاها أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، للمطالبة بأحقية مصر في حصتها من نهر النيل، والتأكيد على أن مصر لن تقبل بسياسة فرض الأمر الواقع».