جـمـال الـطـاهـات
هناك الكثير مما تشي به ردود الفعل المستمرة في الأردن، علي ما نسبته الصحافة الإسرائيلية للملك عبد الله أنه وفي لقاء مع وفد برلماني إسرائيلي تعهد بأن يعمل علي استبدال حق العودة بالتعويض، وأن التعويض لن تدفعه إسرائيل بل الدول العربية.
ردود الفعل الأولية التي اتسمت بالكثير من الانفعال وعدم التصديق كانت في جلها تعبيرا عن موقف انفعالي أكثر منه استجابة سياسية متماسكة. فمن جهة طغت الرؤية الأيديولوجية للصراع علي ردود فعل طيف واسع من المعارضة الأردنية. كما أن استجابة الحكومة المرتبكة في المرحلة الأولي تعزز الكثير من الشكوك في نوايا الحكم في الأردن. ففي البداية تم الاكتفاء ببيان رسمي يكذب ما جاء في صحيفة هآرتس، دون أن يؤكد علي موقف رسمي أردني مضاد لما جاء في تلك التصريحات. كما أن رئيس الوزراء ووزير الخارجية كل منهما تجنب الخوض المباشر في مسألة اللاجئين وحق العودة. إلا أن رئيس الوزراء الأردني هاجم الإسلاميين بحدة استثنائية خلال احد لقاءاته الشعبية، واتهمهم بأنهم يروجون مقولات إسرائيلية.
ردود الفعل ليست بروفة لمواقف جديدة، إنها تؤكد علي الاقتراب من المناطق الساخنة. ففي منتصف التسعينيات، وبعد توقيع اتفاقية وادي عربة بسنتين، حين قام الأردن ومن خلال الخطاب الرسمي بتحويل واو العطف بين حقي العودة والتعويض في قرار 194 إلي أو. فلقد قدم ولي العهد الأردني آنئذ، الأمير الحسن، ومن خلال عدد من الأحاديث العلنية التركيز علي تمسك الأردن بحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة أو التعويض، أثارت تلك التصريحات زوابع خارجية، ولكن لم يتم تناولها في الحوار السياسي الداخلي بشكل مباشر، بل تمت إثارة سؤال الهوية، كشكل من أشكال الاستجابة غير المباشرة. هذه المرة، ردود الفعل الخارجية تبدو ناعمة مقارنة مع ردود الفعل الداخلية. بل يبدو أن هناك تواطؤ خارجي مع بعض هوامش للمناورة متاحة الآن للأردن. التبادل في مستوي ردود الفعل الداخلية والخارجية علي ذات الموقف خلال عشر سنوات حقيقة قد تقود إلي فهم العديد من التحولات. في تسعينيات القرن الماضي كانت ردود الفعل الخارجية علي عبارة الأمير الحسن حادة وقاطعة، وردود الفعل الداخلية هامشية وأخذت شكلا غير مباشر عبر إثارة حوارات متعلقة بالهوية بشكل متزامن مع ردود الفعل الخارجية. الآن هناك ردود فعل داخلية حادة وواضحة، استدرجت ردود فعل رسمية وصلت حد تخوين أطراف المعارضة الذين طالبوا بالتوضيح، وما تزال الصحافة الأردنية تتناول الموضوع بمقاربات مختلفة. ردود الفعل الخارجية في منتصف تسعينيات القرن الماضي لم تستجلب رد فعل أردني استثنائي، بل تعاملت القيادة الأردنية معها بهدوء وكأن هناك صفقة قريبة سترضي الجميع وتسكتهم. أما ردود الفعل الداخلية الآن، ورغم أنها تصدر من قوي ضعيفة كثيراً إذا ما وضعت في ميزان مع قوي الدولة والنظام، لكنها استحقت الغضب والهجوم الكاسح من قبل العديد من مراكز الثقل الرسمية.
التحول المهم هنا أن حق العودة كان في الماضي قضية تأخذ قيمتها، بالنسبة للأردن، من التوازنات الإقليمية، وتنعكس في إطار التفاعل بين الأردن ودول وقوي الجوار. أما الآن فإن مسألة حق العودة بدأت ترتب انعكاسات محلية أردنية واضحة. هذا التحول يستدعي التوقف أكثر، وعدم الاستسلام للانفعال من قبل الحكومة ومؤسسات الحكم المختلفة، بما فيها جوقة الأصوات والكتاب الرسميين. كما أن مدي العناية الشعبية بالموضوع، تلزم المعارضة بأكثر من الاختباء خلف الشعارات الإيديولوجية.
مسألة حق العودة الآن استحقاق تاريخي محلي أردني، وهي أيضاً استحقاق موضوعي لتطورات الصراع ومسيرة التسوية مع إسرائيل. إذ لا يمكن للمسيرة السلمية أن تستمر دون النظر في الموضوع. بل إن مسيرة السلام كلها تتعلق بالموضوع بشكل حاسم. أي أن قضية العودة لا يمكن تأجيل البحث فيها أكثر مما أجلت، ولا يمكن الحديث عن مبادرة عربية دون استعداد جدي لبحث حق العودة. ومع اختلاف سياقات التسوية، بدأت تتبدي الاختلافات بسياقات ردود الفعل. فقضية العودة بموجب مدريد قضية متعددة الأطراف، تمت إحالتها علي ملفات المتعددة الأطراف. ولكنها الآن تبدو في سياق جديد وفي إطار تناول جديد. يضاف إلي ذلك أن موقف الأردن في تسعينيات القرن الماضي، فهم علي أنه مبادرة في سياق محاولة أردنية لضمان دعم أمريكي ـ إسرائيلي لحضور أردني قوي عند بحث ملف اللاجئين. وهذا كان تعبيراً عن خشية أردنية من أن يتم التوصل إلي صفقات إقليمية حول اللاجئين بغياب الأردن. أما الآن، فإن الآفاق تخبر بالكثير من التحولات في طبيعة الموقف وفي سياقه، وفي آثاره المحتملة. استجابة الملك عبد الله الثاني في مواجهة ردود الفعل علي ما نسبته له الصحف الإسرائيلية جاءت لتؤكد تحول مركز الثقل والمخاطرة عند بحث ملف حق العودة من الإطار الإقليمي الخارجي إلي الإطار الداخلي. أي أن هناك استحقاقات محلية لأي تصور جديد يطال حق العودة. ففي مقابلته مع صحيفة الأهرام المصرية قال: إن موضوع اللاجئين يعد قضية مهمة للشعب الفلسطيني ولنا أيضاً، حيث يستضيف الأردن أكبر عدد من اللاجئين الفلسطينيين خارج فلسطين، ومعظمهم يتمتع بالجنسية الأردنية التي لا تلغي ولا تنتقص أي حق من حقوق اللاجئين في العودة والتعويض. نحن الأصلب في موقفنا تجاه حق العودة للاجئين من غيرنا.. وهذه القضية ليست ملكي ولا ملك أحد لكي نتصرف بها، بل هي قضية تعالج وفق قرارات الشرعية الدولية… . وكان يمكن لتصريحات الملك عبد الله الثاني أن تفهم نفياً قاطعاً لما جاء في صحيفة هآرتس لو انتهي الحديث عند هذه النقطة. ولكن هناك ما يمكن أن يسمي استعانة في الإطار الخارجي العربي لتعزيز موقفه الجديد. حيث يتابع في إطار نفس الجملة: لكن لا بد هنا من الإشارة إلي أن مبادرة السلام نصت في بنودها علي التوصل إلي حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 . تصريحات الملك عبد الله الثاني تؤكد حقيقة هامة هي أن الأشواك التي تلقيها قضية حق العودة علي التكوين الداخلي هي التي تشكل مركز العناية والاهتمام. فبالرغم من رفض الملك في ذات المقابلة لأطروحات الكونفدرالية، اشار رئيس وزراء سابق إلي العكس. حيث يقوم رئيس الوزراء الأردني السابق عبد السلام المجالي بجولات خارجية في إسرائيل وواشنطن، وأنشطة محلية، وكلها من أجل الترويج للكونفدرالية الأردنية ـ الفلسطينية بعد تطوير نموذج المملكة المتحدة. إذ تتناقل أوساط عديدة بأن عبد السلام المجالي عرض المشروع علي الملك عبد الله الثاني ووافق عليه قبل أن يباشر حملته الترويجية. وهناك من يعتقد أنها مجرد مبادرة من عبد السلام المجالي أعطيت ضوءاً اخضر لقياس ردود الفعل. تبقي النقطة الأخيرة وهي أن الاستحقاقات الداخلية للتسوية في الأردن تمثل جوهر حالة التوتر الراهنة الآن في الأردن. فمن جهة فإن المعادلة الأردنية ـ الفلسطينية، بتسوية أو من غيرها، لم تعد قابلة للإدامة. ولا بد من الحديث عن معادلة اجتماعية سياسية جديدة. كما أن علاقة الأردن بالقضية الفلسطينية لا يمكن لها أن تستمر كما هي الآن. وكل المحاولات الراهنة هي من أجل ضمان مظلة عربية، وربما أكثر من ذلك، في عملية إعادة بناء علاقة الأردن بالقضية الفلسطينية، وعلاقات الأردنيين بالفلسطينيين. ہ كاتب وصحافي من الاردن8