مع التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية الكبيرة التي شهدها العالم العربي في العقد الأخير، وهجرة أعداد كبيرة من الشباب إلى دول داخل العالم العربي أو تركيا أو الاتحاد الأوروبي، ارتفعت بشكل كبير جداً ظاهرة زواج الفتيات العربيات في بلاد الغربة.
وكما أصبحت الهجرة حلم شريحة كبيرة من الشباب العربي، تحول أيضاً زواج الفتاة العربية في بلاد الغربة إلى “زواج الأحلام” الذي تتمناه الكثير من الفتيات العربيات اللاتي يحلمن بحياة أفضل في الخارج ملؤها الرغد المعيشي والاجتماعي والاقتصادي.
لكن فتيات عربيات تحدثن لـ”القدس العربي” عن تجارب وصفت بـ”الصعبة” و”المريرة” وقصص زواج في الغربة انتهت جميعها بـ”الطلاق” الذي كان الحل النهائي والأمثل للانعتاق من معاناة لأسباب مختلفة، بعد أن رسمن أحلاماً وردية للتجربة ورأين فيها بداية لطريق السعادة والنجاح وبناء المستقبل.
وعلى الرغم من عدم وجود إحصائيات رسمية، إلا أن الكثير من المؤشرات العامة والتقديرات تؤكد ارتفاع نسب الطلاق في العالم العربي بشكل عام، وفشل كبير في حالات الزواج في الغربة لأسباب متعددة.
نعرض في هذا التقرير سلسلة من القصص التي لا يمكن تعميمها غير أنها تظهر جانبا مهما من قصص صعبة عايشتها شريحة من الفتيات العربيات اللاتي اخترن الزواج في الغربة، لكن صعوباتها وتحدياتها الاجتماعية والاقتصادية وعدم حصولهن على فرصة التعرف على أزواجهن عن قرب والاكتفاء بالتواصل الإلكتروني كلها أسباب أنتجت تجارب مريرة انتهت بالطلاق.
زواج عن بعد
تصف سجى.خ (28 عاماً) فلسطينية من الضفة الغربية قصتها بأنها تجربة مريرة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، قائلة: “تزوجت من شاب فلسطيني يعيش في دولة الإمارات منذ عشر سنوات ويعمل في مجال الهندسة. في البداية كان الزواج تقليديا وتمت الخطبة من خلال الأهل ثم بدأنا بالتعرف على بعض من خلال السكايب واتفقت آرائنا وأفكارنا حول معظم القضايا المتعلقة بالحياة المشتركة ولم يكن هناك أي خلاف حيث أبدى تقبلاً كبيراً لكل أفكاري وآرائي”.
سجى التي انتقلت للعيش معه في الإمارات بعد أكثر من عام من الخطبة التي اقتصرت على التواصل الإلكتروني، تقول: “عند وصولي لبلاد الغربة، بعد عدة أيام فقط تفاجأت باتصال من فتاة ادعت إنها على علاقة مع زوجي، وهنا بدأت المشاكل، فأنكر في البداية بشكل مطلق، ولكن مع تواصل الاتصالات اضطر للاعتراف بأنها زوجته وأن لديه أبناء منها”.
وتضيف: “خلال أيام فقط من الزواج تحولت حياتي إلى جحيم، وأصبحت بين نارين، إما تحمل وتقبل فكرة أنه متزوج ولديه أطفال وهو أمر لا أقبل به على الإطلاق وإما الطلاق السريع والعودة إلى بيت أهلي وتحمل نظرة المجتمع وكلامه. كانت أيام صعبة جداً، أصعب أيام في حياتي، كنت لوحدي في الغربة، لم يكن أحد بجانبي ليساعدني”.
تتابع: “اخترت الطلاق وتحمل كل ما يترتب عليه من آثار نفسية واجتماعية ومستقبلية. تحولت العودة لمنزل أهلي لأن تصبح أمنيتي الأولى، لم أعد أفكر بزواج الأحلام ولا بجمال الحياة في الإمارات، ورغم ذلك لم يقبل تطليقي بسهولة، ووضع شروطا صعبة لكي يقبل طلاقي الذي تحقق بعد أشهر وكان بمثابة طوق النجاة لي”.
وعما تعلمته من هذه التجربة، تقول: “زواجي كان سريعاً، وتم من خلال الأهل ولم تكن هناك فرصة للسؤال عنه بشكل جيد كونه في بلاد الغربة، ولم تتح لي فرصة التعرف عليه عن قرب سواء قبل أو في فترة الخطوبة، التواصل الإلكتروني لم يكن كافياً، رسم لي صورة وردية اكتشفت أنها وهمية فور وصولي” وتختم بالقول: “أنصح كل فتاة بالزواج من من تتاح لها فرصة التعرف عليه بشكل حقيقي”.
سلب مالها وهرب
لم تكن فاطمة. ر (27 عاماً) تعرف خفايا الشاب الذي مدح كل أقاربه خلقه الرفيع فقبل خروجها من الأردن للعيش معه في تركيا. أودعت في حساب خطيبها مبلغ ما يقارب العشرين ألف دولار والتي كانت “تحويشة العمر” وفق وصفها، لكنها اكتشفت لاحقاً أنها وقعت ضحية لعملية خداع مالية واجتماعية “مدمرة” على حد تعبيرها.
وفي التفاصيل، تقول فاطمة: “تعرفت على خطيبي من خلال أحد مواقع التواصل الاجتماعي وبعد أن أبدى رغبة بالارتباط رسمياً عقدنا الخطوبة ولم يحصل لقاء مباشر بيننا لكنه كان لطيفاً وأظهر حبه لي وجميع من يعرفه مدح فيه” وتضيف: “بعد فترة خطوبه وتعارف قررنا الزواج ووصلت إلى تركيا للعيش معه بعد أن حولت أموالي لحسابه البنكي لنكون حياتنا سوياً هناك، لكن لم تمض سوى عشرة أيام فقط حتى اختفى وأخبرني لاحقاً أنه سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لأمر طارئ وأنه يريد العمل هناك لفترة محددة ويعود”.
وتابعت: “بعد مماطلات طويلة أخبرني بشكل صريح أنه غير مرتاح معي ويريد الطلاق من دون أي مقدمات أو حتى إرجاع ما أخذه من المال، وانقطع الاتصال معه حتى اليوم” وتعتبر فاطمة انها وقعت ضحية عملية نصب واحتيال على الصعيدين المالي والاجتماعي.
وتقول: “كنت أحلم بحياة جميلة مستقرة، حلمت العيش في تركيا الجميلة، لكن الحلم تحول إلى كابوس، لقد فقدت مالي، وأصبحت مطلقة، وبت الآن محاصرة بين نظرة المجتمع وصعوبة العودة إلى بلدي، وبين صعوبة العيش في الغربة والبحث عن عمل لتكوين حياتي من الصفر مجدداً”. وبينما عبرت فاطمة عن ندمها الشديد من هذه التجربة، نصحت الفتيات بعدم الاكتفاء بالتعارف عن بعد والتأكد جيداً من الزوج وأخلاقه وشخصيته بعيداً عن الانجذاب لمجرد فكرة العيش في الغربة.
جحيم الغربة!
أريج (37 عاماً) امرأة مصرية تزوجت قبل عامين من أحد أقربائها الذي يعيش في تركيا، تقدم أهله لخطبتها وقبلت بذلك بضغط من الأهل بعد أن عددوا لها مناقب وجمال الحياة في تركيا.
تقول أريج: “هو أحد أقربائي ولكن لم أكن أعرفه من قبل، بدأنا التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي عقب الخطوبة، ووعدني بحياة جميلة ورائعة في تركيا، كنت مغرمة بالمسلسلات التركية، كل ذلك شجعني على الفكرة وتحمست لها كثيراً”.
وتضيف: “أسابيع فقط، كل شيء بدأ يتغير، لم تكن الحياة جميلة بالقدر الذي تصورته، وصوره هو لي. كانت الشقة صغيرة، وأوضاعه المالية محدودة، وكنت أغلب الوقت محبوسة في المنزل. لقد كان يعمل لساعات طويلة جداً ويحصل على مقابل مادي محدود، لم أكن أخرج من المنزل، كانت الحياة صعبة جداً وكنت كل يوم أتمنى العودة لمنزل أهلي في مصر”.
وتسرد: “بدأت المشاكل في الظهور تدريجياً، تصاعدت كثيراً بعد أشهر، لم يكن رومانسياً كما صور لي، ولم تكن الحياة جميلة كما تخيلت، كان كل شيء صعبا، غربة وحاجز اللغة وانعزال عن العالم الخارجي، لم يكن يرغب في إسعادي بأي طريقة، كرهت كل شيء، وطلبت الطلاق، كنت أتوق للحظة عودتي إلى منزل أهلي، لم أعد أرغب في الزواج ولا بجمال تركيا ولا شيء، قبلت بالطلاق بدون أي حقوق، فقط طلبت العودة لمنزل أهلي، وعدت”.
تزوجني لإرضاء أمه فقط
المكوث في المنزل وعدم توفر مصدر للرزق، سبّب كثيراً من الضغوط النفسية والمشكلات بين آية. ل (26 عاماً) وزوجها العاطل عن العمل وهو ما أدى إلى خلافات عميقة وصلت ذروتها مع عجزه عن توفير متطلبات الحياة اليومية وأجرة المنزل.
تقول آية وهي سورية كانت تعيش في السعودية: “أنهيت دراسة الطب بتفوق، وبدأت العمل في إحدى المستشفيات هناك، وكانت كل أموري الحياتية والعملية والعلمية في أحسن أحوالها، لكن كانت تستهويني فكرة الغربة والحياة في أوروبا وهو ما شجعني للتعرف عليه ولاحقاً قبول الخطوبة عن بعد حيث تحجج بأن إجراءات حصوله على الجنسية البولندية تمنعه من مغادرة البلاد”.
وتضيف: “كل التعارف بيننا تم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، ادعى انه يعمل مهندسا في شركة كبيرة، وأن أوضاعه المالية ممتازة، ولكن منذ وصولي اكتشفت الحقيقة الصعبة. لم يكن يعمل، ولم يكن يجيد لغة البلد، ولم تكن هناك أي فرص للعمل، سئمت الحياة مع شخص ليست لديه أي رؤية للحياة، ومع تفاقم المشاكل أقر بأنه غير راض عن الزواج، وأن أهله هم من تكفلوا بزواجه بينما هو لم يكن مستعداً أو موافقاً على هذا الزواج”. وتقول بحزن: “أخبرني بصراحة أنه مثل أنه يحبني لإرضاء أمه المريضة التي تمنت عليه الزواج فقط”.
وتتابع: “كانت تجربة مدمرة، تركت عملي في السعودية، وأصبحت مطلقة، وعشت مرحلة من الإحباط والخذلان، نادمة جداً على هذه التجربة، كنت أتمنى لو تمكنت من التعرف عليه قبل الزواج لاكتشفت حقيقته، التواصل الإلكتروني لم يكشف لي شيئا عن شخصيته الحقيقية التي قابلتها على الواقع”.
تحديات ومصاعب الغربة
وتروى العراقية رنا. و ( 30عاماً) التي انفصلت عن زوجها مؤخراً في السويد، أن معظم من يقدمن على الطلاق من النساء، كُنّ غير راضيات مع أزواجهن في الغربة، لأسباب مختلفة يتعلق بعضها بشخصية الزوج وأخرى تتعلق بظروف الغربة وصعوباتها.
تقول رنا: “زوجي كان مغتربا وتقدم لي عن طريق الأهل وتحدثت إليه مرات عدة عن طريق الهاتف وشعرت بأنني أستطيع أن أتابع حياتي معه فتمت الموافقة خاصة أن من أحد أحلامي العيش في أوروبا، لكن مع الأسف أنا الآن أنهي أوراقي لإتمام الطلاق منه”.
وعن الأسباب التي أدت إلى الطلاق، توضح: “لم يكن هناك سبب مباشر وواضح، لكن الحياة لم تكن جميلة كما توقعت وتخيلت، كان كل شيء غريبا وموحشا، لم يكن هناك عائلة أو أهل، ليس هناك أصدقاء مقربين، ومع بعض الخلافات مع زوجي، تحولت الحياة إلى جحيم، لم تكن الحياة الجميلة التي حلمت بها”.
وعن خلاصة تجربتها، تضيف: “الغربة جميلة، وتضيف الكثير من التجارب، لكنها صعبة ومليئة بالتحديات والمصاعب. إذا كان الزوج واعياً ومتعاوناً يساعد في تجاوز صعوبة السنوات الأولى، لكن إذا بدأت الخلافات تتحول الحياة إلى جحيم، لن يكون لك سند هناك، تشعرين بالخوف والوحدة والظلم، لذلك يكون الطلاق هو الحل النهائي”.
بيت أهلي ولا رغد الغربة
ياسمين.ك فلسطينية من قطاع غزة، تقدم شاب فلسطيني لخطبتها من خلال أهله الذين قالوا إنه أنهى دراسة الطب في ماليزيا ويعمل كطبيب حالياً في واحد من أكبر المشافي هناك، لكنهم أكدوا أنه لن يتمكن من القدوم للتعرف أو الخطوبة بفعل الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة.
تقول ياسمين: “كنت أحلم بالخروج من قطاع غزة، لأن الأوضاع كانت صعبة جداً بفعل الحصار الإسرائيلي وانقطاع الكهرباء، ورغم حرصي على التعرف على الشخص الذي سأرتبط به عن قرب، وافقت على هذا الزواج لأنني كنت أعلم صعوبة قدومه إلى غزة وخشيته من عدم القدرة على الخروج مجدداً”.
تضيف: “تعرفنا عبر الاتصالات الصوتية والمرئية، كان لطيفاً جداً، مرت الخطوبة بشكل جميل جداً، أشهرت زواجي بدونه، وذهبت إليه في ماليزيا، وتدريجياً كل شيء بدأ يتغير، لم يكن الشخص الذي عرفته عبر الكاميرا. كان شخصا آخر، كان بخيلاً رتيباً سريع الغضب لا يحمل مشاعر حقيقية، لديه طباع وعادات سيئة، كل هذه الأمور اكتشفتها لأول مرة، لم ألمسها خلال 9 أشهر من الخطوبة عبر الاتصالات”.
وتختم ياسمين حديثها بالقول: “بقيت معه لأكثر من 10 شهور على أمل التأقلم وحل الخلافات، لكن بدون جدوى، تعاظمت المشاكل وزاد ألم الغربة، كان خياري العودة إلى غزة، بيت أهلي المتواضع والذي لا تصله الكهرباء إلا قليلاً أصبح حلمي الوحيد في تلك الأيام، وليس العيش في رغد الغربة التي كنت أحلم بها. اكتشفت أن الغربة جميلة وصعبة، لكن الأصعب هو عدم الحصول على فرصة للتعرف على الزواج عن قرب، كان خطأ كبيرا، يجب على كل فتاة أن تتعرف على زوجها عن قرب، وعليها أن لا تتخلى عن هذا الشرط”.