الجزائر – وكالات: قضى قانون الميزانية العامة الجزائري للعام المقبل على أهم قرارات التسيير المالي للبلاد، التي عمل بها الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة لسنوات، قبل أن تطيح به انتفاضة شعبية في أبريل/نيسان الماضي. وقبل أيام، وافقت الحكومة على مشروع قانون الميزانية العامة لعام 2020، وهي تستعد حاليا لإحالتها على غرفتي البرلمان لمناقشتها في نهاية أكتوبر/تشرين أول الجاري.
وقال وزير المالية محمد لوكال للإذاعة الرسمية أمس الأول ان ممشروع ميزانية 2020، يتضمنة خفض العجز إلى 7.2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العام المقبل من عجز مستهدف عند ثمانية في المئة هذا العام، بوسائل من بينها فرض ضرائب جديدة.
وأقرت الجزائر خفضا في الإنفاق بلغ 1.5 في المئة للعام 2019 بعد زيادة 25 في المئة العام الماضي.
ورغم ذلك، نقلت وكالة أنباء الجزائر الرسمية عن لوكال قوله إن الإنفاق على الدعم، وهو مسألة حساسة من الناحية السياسية، سيبقى دون تغيير العام المقبل عند نحو 8.4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. وتقدم الجزائر دعما يغطي شتى السلع من الأغذية الأساسية إلى الإسكان والدواء.
وتندلع احتجاجات متقطعة للمطالبة بتحسين الخدمات في قطاعات مثل المياه والطرق، وتوفير ما يكفي من الوحدات السكنية المدعمة. ويُستخدم جزء كبير من إيرادات الطاقة في تغطية فاتورة واردات الغذاء ومنتجات أخرى نظرا لضعف الإنتاج المحلي، بعدما أخفقت الحكومة في تنويع موارد الاقتصاد وتقليص اعتماده على النفط والغاز.
وتُقَدِّر الميزانية المقترحة النفقات الإجمالية بـ 7772 مليار دينار (65 مليار دولار)، وإيرادات في مستوى 6239 مليار دينار (52 مليار دولار)، أي بعجز يقدر بـ 1533 مليار دينار (12.7 مليار دولار).
ويتضمن مشروع قانون الميزانية الجديد فتح الحكومة باب الاقتراض الخارجي الذي ظل مغلقا بقرار من بوتفليقة منذ 15 سنة، أضافة لوقف عملية طبع العملة المحلية لسد العجز.
كما أعلن القانون التخلي عن قاعدة 51/49 للشراكة مع الأجانب في القطاعات غير الاستراتيجية، وسمح للمواطنين مجددا باستيراد سيارات مستعملة من الخارج، وفرض ضريبة على الثروة لأول مرة.
وحسب وزير المالية فإن الحكومة ستزيد أيضا الضرائب على منتجات التبغ وستفرض للمرة الأولى «الرسم البيئي» على قائدي المركبات والذي سيدخل في نطاق تكلفة عقد التأمين على السيارة.
وورد في بيان لرئاسة الوزراء أن قانون الميزانية لعام 2020 سيعمل على تنويع مصادر تمويل الاقتصاد، من خلال فتح إمكانية اللجوء إلى التمويل الأجنبي.
وحسب المشروع، فإن الاستدانة الخارجية يمكن أن تكون لدى المؤسسات المالية الدولية، من أجل تمويل المشاريع الاقتصادية المربحة، في إشارة لـ»صندوق النقد الدولي» و»البنك الدولي».
ويعد مشروع الميزانية هذا، الأول بعد رحيل الرئيس بوتفليقة.
وكانت الجزائر قد لجأت إلى الاستدانة الخارجية في تسعينات القرن الماضي تحت إشراف «صندوق النقد الدولي». وحسب تقدير أطراف غير رسمية بلغ مجموع الديون 32 مليار دولار. لكن ترافق مع ذلك إجراءات تقشفية تسببت في غلق آلاف المؤسسات، وتسريح عشرات الآلاف من العمال.
وفي منتصف العقد الماضي، قررت الجزائر دفع ديونها الخارجية مسبقا، بقرار من بوتفليقة. وفي حينه لم يتبقى من الديون الخارجية سوى 3.9 مليار دولار تمثل نسبة ضئيلة من إجمالي الناتج المحلي.
وفي 2012، أقرضت الجزائر «صندوق النقد الدولي» 5 مليارات دولار، كما أقرضت مئات ملايين الدولارات لعدة دول عربية وإفريقية وفي أمريكا اللاتينية. كما ألغت في 2013 ديونها المستحقة على 14 دولة إفريقية، والمقدرة بـ902 مليون دولار.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2016 اقترضت الجزائر بشكل محدود من البنك الإفريقي للتنمية (مليار دولار) في لتمويل مشاريع طاقة.
وفي 2017، أصدر بوتفليقة أوامر لحكومته بالامتناع عن الاستدانة الخارجية، وإقرخطط لطبع الدينار (العملة المحلية) فيما عرف بالتمويل غير التقليدي. ومن قرارات قانون الميزانية التي قضت على إرث بوتفليقة، الإجراءات المتعقلة بوقف طبع الدينار (العملة المحلية)، كمصدر لتمويل الاقتصاد وسد العجز.
وكانت الجزائر اعتمدت خريف 2017 خيار التمويل غير التقليدي لسد العجز وسداد الدَين الداخلي، وقد تم ذلك في عهد حكومة رئيس الوزراء السابق أحمد أويحي، المحبوس حاليا في قضايا فساد.
ووفق بيانات سابقة للبنك المركزي الجزائري، فقد تم طبع ما قيمته 6556 مليار دينار (ما يعادل 56 مليار دولار)، بين أكتوبر/تشرين أول 2017، ومارس/آذار 2019.
ولا يستبعد مراقبون أن تضخ الحكومة نحو 3100 مليار دينار (قرابة 26 مليار دولار)، في الاقتصاد، تم طبعها في إطار التمويل غير التقليدي ولم تستعمل بعد.
كما ينص مشروع الميزانية العامة التخلي عن قاعدة 51/49 الإجبارية في مشاريع الشراكة الأجنبية.
فقد ورد في القانون أنه يهدف لتحسين مناخ الأعمال وجاذبية الاقتصاد من خلال رفع القيود المنصوص عليها في إطار قاعدة 49/51 في المئة، المطبقة على الاستثمارات الأجنبية في الجزائر.
وتطبق الجزائر حاليا قاعدة شراكة أجنبية منذ يوليو/تموز 2009، هي تقوم على أساس منح 51 في المئة للطرف الجزائري، و49 في المئة للجهة الأجنبية في كافة المشاريع والقطاعات الاقتصادية.
ويتوقع متابعون للاستثمارات الأجنبية في الجزائر، أن يستثنى قطاع المحروقات والطاقة والمناجم والاتصالات، على الأقل، من إلغاء قاعدة 51/49، باعتبارها قطاعات إستراتيجية وحساسة.
ولطالما لاقت قاعدة 51/49 انتقادات من خبراء جزائريين، وسفراء ومسؤولي دول أجنبية وممثلي شركات كبرى تنشط في البلاد. ومن التجديدات في ميزانية العام المقبل إلغاء الحظر عن استيراد السيارات المستعملة من أوروبا خصوصا، بعد تجميد استمر منذ 2006، بقرار اتخذته حينها حكومة رئيس الوزراء أحمد أويحي.
وينص مشروع الميزانية على «السماح للمواطنين المقيمين، باستيراد السيارات ذات محركات بنزين، التي تقل مدتها عن ثلاث سنوات (لم تتعد مدة استعمالها في الخارج 3 سنوات)، على نفقتهم الخاصة، مقابل دفع الحقوق والرسوم المقررة قانونا».
كانت حكومة أويحي قد بررت في عام 2006 وقف استيراد السيارات المستعملة، بحماية البيئة والقضاء على المركبات القديمة، وفتحت باب استيراد المركبات الجديدة وخاصة الآسيوية.
ويتضمن مشروع الميزانية العامة أيضا بندا بفرض ضريبة على الثروة والممتلكات لأول مرة، بعد أن أسقط المقترح في أكثر من مناسبة من طرف نواب البرلمان خلال حقبة بوتفليقة.
وستمس هذه الضريبة الممتلكات من عقارات (مبان وأراض) أضافة للأرصدة المالية المودعة في البنوك.
وكان نواب الأغلبية في البرلمان الجزائري، قد أسقطوا في أكتوبر/تشرين الأول 2017 مقترحا في قانون الميزانية لفرض ضريبة على الثروة.
ومن المتوقع أن ينمو اقتصاد الجزائر 1.8 في المئة في 2020، انخفاضا من 2.6 في المئة متوقعة للعام الحالي، وسط أزمة سياسية أطلقتها احتجاجات ضخمة تطالب بتغيير النظام، وهو ما أوجد حالة من الضبابية للمستثمرين المحليين والأجانب.