■ كيف استطعت الجميع بين الشعر والنقد في آن واحد؟!
■ الإجابة لا تحتمل التردد كما أظنّ: أنا شاعرٌ أولاً، أما ما أكتبه من نقدٍ أو ما يحسب على النقد فهو نشاطٌ فائضٌ على المتن الشعريّ، وهـذا لا يعني حكماً في القيمة على هذا النشاط، بل توصيفاً له. إنه، في حقيقته، حصيلةٌ مكتوبةٌ بعناية، لتعاملي مع معضلة الكتابة الشعرية لديّ ولدى الآخرين، وهو نضحُ الخبرة ومعاناة البوح بأسرار هذه اللعبة الشاقة والمدهشة: كتابة الشعر.
■ هل ثمة مكانة للأخلاق في الشعر؟!
■ إذا نظرنا الى الأمر بمعيارٍ غير تقليديّ، تأخذ الأخلاق معنى جديداً يتناغـم مع قيم الجمال والحق في الحياة. الأخلاقُ، هنا، احتفاءُ المبدع بمحنة الكائن الإنسانيّ المهمش والأرض المجروحة، والذود عن كرامتهما المعرضة للهتك والإبادة. وأعتقد أن المبدع الذي يضع موهبته في خدمة قوى القبح والتخلف لا يستحق هذه الصفة المجيدة.
■ ما علاقة النص الشعري، بمرجعه الواقعي؟!
■ ربما يكون وراء النصّ الشعريّ جذوةٌ واقعية، الى هذا الحد أو ذاك. ويختلف الأمر من شاعر الى آخر، أو من قصيدة الى أخرى. لكن عملية الكتابة تحوّل ذلك الحدث الواقعيّ أو تلك الكتلة الواقعية الى حدثٍ شعريّ له حياته الخاصة. فالنصّ ليس وثيقةً شخصيةً.
■ ماذا يعني لك الشعر في اللحظة الراهنة؟!
■ لا أنظر الى الشعر إلاّ باعتباره مبرراً لوجودي وخط الدفاع الحاسم عن إنسانيتي المهددة دائماً.
لقد وهبني الشعر فيضاً لا حدود له من القلق الضروريّ الذي يجعل للحياة معنىً. وقد حاولت أن يكون شعري شهادةً لا نفاق فيها على هذا العالم المليء بالكمائن والأكاذيب.
■ كيف أصبحت ناقداً؟! وهل تصنع الجامعة نقاداً ومبدعين؟!
■ منذ بداياتي وأنا ميالٌ الى كتابة بعض المتابعات أو التعليقات على ما يصدر من نتاجـاتٍ شعرية، وما أزال أتذكر مقالةً مبكرة، وربما هي الأولى لي في هذا المجال، نشرت في مجلة «الأديب» اللبنانية وكانت عن ديوان جبرا ابراهيم جبرا «المدار المغلق»، في عام 1964 ومقالةً أخرى في فترةٍ لاحقة عن مجموعة إبراهيم أصلان «بحيرة المساء» وأخرى ثالثة عن رواية «الوشـم» لعبد الرحمن مجيد الربيعي.
الجامعة لا تصنع ناقداً ولا مبدعاً. قد تزوده بالمعرفة الأدبية في حدودها الضرورية الأولى. ربما. أما إكمال الطريق فمتروكٌ للكاتب الموهوب ناقداً كان أم شاعراً. ليس كل من درس الأدب دراسةً جامعية صار ناقداً أو شاعراً. في أحيان كثيرة ننسى أن كتابة النقد أو كتابة الشعر ليست مهنةً تتطلب شهادةً جامعية. إنهما، كليهما، موهبةٌ مع فارقٍ في الطبيعة والتجليات. ونسيان هذه الحقيقة كلفنا الكثير من الخسائر، حين ابتلينا بعددٍ غير قليل من المحسوبين على الإبداع أو على النقد دون وجه حقٍّ أو موهبة.
■ ما خطورة النقد الذي تحركه انتماءات دينية أو سياسية أو أيديولوجية؟!
■ النقد ابن الحرية، والحوار، والاحتفاء بالآخر دون قهرٍ أو اكراهات. من هنا لا يمكن توقع نقد خلاق من هذه الحركات التي أشرتَ إليها، فهي النقيض المطلق للإبداع، وحرية العقل والإيمان بالإنسان.
وعلينا أن نلاحظ أن مفسدات النقـد كثيرة، في حياتنا الثقافية خصوصاً، علاوة على ما ذكرت. فالنقد مسعىً حضاريّ، جماليّ، تقنيّ، يتعرض أحياناً الى الانحراف عن هدفه الراقي، لأنه جهـدٌ فرديّ، وقد يحمل هذا الجهد ما هو سالبٌ من صفات كاتبه من لؤمٍ أو انحيازات. وفي البال أمثلةٌ ليست قليلةً على هذا النمط من النقاد.
■ كيف كان موقف النقد من تجربتك الشعرية والنقدية؟!
■ تحظى تجربتي، بشقيها الشعريّ والنقديّ، باهتمامٍ عام واضح. وقد أخذت هذه العناية النقدية في الاتساع في المرحلة الأخيرة. أهي انتباهةٌ متأخرة؟! ربما، لكنها مهمةٌ جداً. فعلى المستوى الأكاديميّ، وفي السنوات الأربع الأخيرة تحديداً، كتبتْ عن شعري خمس رسائل جامعيةٍ للدكتوراة والماجستير في جامعات بغداد، كربلاء، المستنصرية، الموصل، تكريت. وكان من بينها رسالة للدكتوراة بعنوان «الشاعر العربي الحديث ناقداً: أدونيس والمناصرة والعـلاق نموذجاً». وهناك، الآن، رسالة للدكتوراة يجري العمل عليها في جامعة قنا في مصر.
كما صدر عني أكثر من خمسة كتبٍ نقدية، كان آخرها للناقد والشاعر العراقيّ محمد صابر عبيد بعنوان «رسول الجمال والمخيلة». وبالمناسبة، يظل هذا الناقد من أكثر النقاد والأكاديميين الشباب حيويةً في متابعته للشعر العراقيّ والعربيّ، فقد كان مبشراً بالجمال ومحتفياً به من خلال كتبه النقدية، والرسائل الجامعية التي أشرف عليها، أو التي اقترح موضوعاتها.
■ بماذا أفادتك فترة إقامتك الطويلة في مدينة «إكستر» البريطانية؟! وإلى أي مدى أثر الشعراء الإنكليز في تجربتك الأدبية؟!
■ نشرتُ قبل سنواتٍ مقالةً عن هذه الفترة هي من أقرب كتاباتي النثرية الى نفسي، وهي جزءٌ من سـيرةٍ ذاتيةٍ إنسانية أسعى الى إكمالها.
كنت قد سمعت باسم إكستر، للمرة الأولى، من جبرا إبراهيم جبرا، الذي أمضى فيها فصلاً لدراسة اللغة في شبابه. ثم كانت تلك الفترة، بعد سـنوات، مادةً لفصلٍ جميل من سـيرته الذاتية «شـارع الأميرات».
لم يكن انتقالي الى مدينة اكستر انتقالة مكانية فقط. بل كانت تحولاً في المكان والزمان وطبقات الروح ومسار التعرف على الأشياء وأمزجة الناس أيضاً. اكستر مركز مقاطعة ديفـون، في جنوب غرب انكلترا. هذه المقاطعة التي أنجبت مجموعة من كبار الكتاب الانكليز: من أبرزهم الروائية جين أوستن، والشاعر والناقد سي دي لويس، والشاعر تيد هيوز. تتوزع ضواحي هذه المدينة، التي عرفتْ بكاتدرائيتها العريقة، على منطقةٍ من التلال الغارقة في الضباب والخضرة. كان عبد الله الغذامي قد سبقني الى التخرج من جامعتها وهي من الجامعات البريطانية المهمة.
وكان عزيز العظمة يعمل مدرساً فيها. كنا مجموعةً من جنسياتٍ عربيةٍ متنوعة من بينها رشيد العناني الذي كان محاضراً في الجامعة وطالب دكتوراه في الوقت نفسه، عبد الله المعطاني، عبدلله حمودة، خالد يوسف، نجم عبد الله كاظم، وميسلون هادي. اطلعتُ، قدر ما يتصل بموضوع دراستي، على جوانب من نقد إليوت وشعره. كما أتيحت لي الفرصة للاطلاع على بعضٍ الشعراء الآخرين مثل، تيد هيوز، توم كن، وشاعر إيرلندا ييتس الذي عرف بأســــاطيره الشخصية، ونزعته الدرامية الأخـاذة..
كان ت.س. إليوت، بإيماءاته الثقافية، وأقنعته الشعرية، ولغته الصادمة أكثرهم صلة بموضوعي. من جانب آخر، يظل تيد هيوز، في الكثير من قصائده، أكثر الشعراء قرباً من نفسي، لما تحفل به هذه القصائد من أجواء فريدة وصورٍ قاسية. لا أدّعي أن هناك تأثيراتٍ إنجليزية على قصيدتي، أما عنايتي بالصورة الشعرية فهي شغفٌ قديـم رافقني منذ البدايات وقبل أن أطلع على دعوة إليوت الى المعادل الموضوعيّ، أو التعبير بالصور.
■ تقيم الآن في الإمارات، ومن المؤكد أن هذا أتاح لك الاطلاع على نماذج من الأدب الإماراتي، فكيف تقيّم هذا الأدب؟!
■ في الإمارات أسماءٌ شعريةٌ حاضرة بقوة. ومع أن كتاب قصيدة النثر يسـدون واجهة المشهد تقريباً، يظلّ حبيب الصائغ من أهم شعراء الامارات وأقدمهم تجربة، أتمنى أن ينتبه الى البون الشاسع بين نصوصه الحديثة وقصيدته التقليدية. كما كان الراحل أحمد راشد ثاني من أكثر كتاب قصيدة النثر رهافةً. هناك أيضاً إبراهيم محمد إبراهيم وعلي الشعالي فهما يكتبان قصيدة التفعيلة بنبرةٍ صافيةٍ وبعيدةٍ عن الترهل. أما كريم معتوق فيكتب القصيدة العمودية بتدفق جميل، أنتظر منه انتقالة تمنح قصيدته مزيداً من الحرية والتركيز.
ومن بين الشاعرات، تستوقفني تجربة ميسون صقر وخلود المعلا لما في شعرهما من تجسيدٍ حزينٍ وممتعٍ للحياة. كما أقف أمام الشاعرتين، وهما من البحرين، حمدة خميس لتجربتها الشعرية الرصينة وبروين حبيب لما تتمتع به قصيدتها من دلعٍ أنثويّ مترف.
وعلى المستوى السرديّ هناك أسماء مهمة من بينها، على سبيل المثال، محمد المرّ، علي أبو الريش، سعاد العريميّ، سلمى مطر، مريم فرج، عبد الحميد أحمد، فاطمة الكعبي، فاطمة المزروعيّ، ومريم المرّيّ، وآخرون وأخريات.
حوار: نضال القاسم