العراقي فيصل جاسم: شعرية الظاهر المضمر

يعلمنا الشعر الحديث في نماذجه المتميزة، أن أدوات قراءة النص، إنما مصدرها النص نفسه، وأن ما نتصوره مصادرات أو مناهج أو أدوات جاهزة، ليست أكثر من اعتساف على القصيدة، أو جعلها ترشح بما ليس منها، ولا من منطقها. وفي هذا المنظور أحاول أن أقرأ قصائد الشاعر العراقي فيصل جاسم، الموزن منها وغير الموزون، وأن أمسك بالخيط الشعري الذي ينتظمها؛ على الرغم من أن الشواهد التي أتمثل بها، قليلة جدا وقد لا تفي بالمرام. ولعل أبرز ناحية تشد قارئ هذا الشاعر الذي يكتب في صمت، هو طريقته الخاصة في صياغة جمالية شعرية مدارها على استخدام الأشياء أو ما نسميه الموضوع الشعري، أو الفكرة الرئيسة في الموسيقى، أي القطعة الغنائية أو الإيقاعية التي ينهض عليها العمل الموسيقي؛ لغايات غير غاياتها الأصلية أو الأساسية، لأقل هي جمالية استبدال السياق. ومثال ذلك أشياء غير قليلة تحفنا في معيشنا أو حياتنا اليومية، استبدلنا وظيفتها ونقلناها من سياق إلى سياق، كالأواني الفخارية التي تستعمل لحفظ السوائل؛ فإذا هي تستخدم للإضاءة مثلا أو للزينة. وربما لا مسوغ لذلك سوى أن عادة الاستعمال في اللغات مقدمة على حقائقها، وهي أولى بالظاهر من أصولها، كما يقول الجرجاني صاحب «الوساطة». والاستعمال الغالب هو عادة المعنى الحاف الذي يمكن أن يحل محل الأصل. والشعر لا يتذرع بمثل هذه الأقيسة الاستدلالية الجدلية، أو ما نسميه الحِجاج المعياري القائم على البحث في الترابط الدلالي بين جزئين في الخطاب أو الصورة، ومدى صحته. ومثل هذا الحِجاج هو أبعد من أن يجوز دلالة صورة في هذه القصيدة «أمنيات مؤجلة في يوم خاص»، القائمة على حجاج يمكن أن ننعته بالمخالف أو «الانتهاكي» المتحقق داخل النص:
«كنت أتمنى لو أنني علبة فارغة
لكي يسعد بها طفل عراقي
من جامعي القمامة
٭ ٭ ٭
كنت أتمنى لو أنني عالم نفس
لكي أعالج نفسي
من ترهات كثيرة
٭ ٭ ٭
كنت أتمنى لو أنني رائد فضاء
لكي أهجر الأرض دون رجعة
٭ ٭ ٭
كنت أتمنى لو أنني رجل أحمق
لكي ارتكب الكثير من الحماقات
٭ ٭ ٭
كنت أتمنى لو أنني نجار
لكي أصنع عرشا لي
لي وحدي
٭ ٭ ٭
كنت أتمنى لو أنني حصاة
لكي أسند بها حائطي
٭ ٭ ٭
كنت أتمنى لو أنني طبيب بيطري
لكي أعالج بعض البشر
على أنهم حيوانات
٭ ٭ ٭
كنت أتمنى لو أنني شاعر
لكي أكتب الكثير من القصائد»
يبدو من ظاهر كل صورة في هذا النص، أن الخطاب الشعري يقوم على مقدمة تجمع بين الأشياء المصنوعة (العلبة) والأشياء الطبيعية (الحصاة)، والذوات الماثلة في أكثر من هوية (عالم نفس/ رائد فضاء/ أحمق/ نجار/ طبيب بيطري/ شاعر)، وعنها تترتب في كل مرة نتيجة. والحق لا يترتب شيء، فقد استخدم الشاعر «لو» فامتنع الجواب لامتناع الشرط. وقد يجوز أن تكون لو من حيث هي حرف مصدري واستقبال بمعنى «أن»، أي تلك التي يطرد وقوعها بعد الفعل «ود» ونحوه مثل «رجا» و»تمنى». ومما يسوغ هذا الوجه «لكي» وهي حرف مصدري ونصب واستقبال يفيد التعليل. ولكنها ليست لو الشرطية التي تقتضي أن يتعلق أمر بأمر، حيث لا يكون الجواب امتناعا؛ ولا هي «لو» التمني بمعنى ليت، وهذه لا تشترط جوابا، وإن كان لها في بعض الاستعمالات جواب في صيغة المضارع المنصوب بأن مضمرة وجوبا بعد فاء، كما في بعض الآيات « لو أن لنا كرةً فنكونَ من المؤمنين».

ما يعنيني في تجربة الشاعر هو احتجاب الشكل الشعري في وظيفته. ويعرف جميعنا أن ما يستثيرنا في الأشياء هو معناها أو دلالتها.

نحن إذن إزاء خطاب مركب من صورة أولى لا يُسلم بها، حتى تلزم عنها لذاتها صورة ثانية؛ ولا تقع الأولى حتى يسبق الخاطر للثانية. ذلك أن العقدة منهما عقدة دلالية ينسجها خيطان من المعنى على الأقل، أو بعبارة أدق معنى مزدوج أو معنيان متنافران. وهذه قصيدة ساخرة، فليس بالمستغرب أن يبنيها الشاعر بما تبنى به الأُمْلوحَة أي ملء ما يسمى بـ»المعنى الشاغر» وقاعدته أن يستعمل المتكلم الكلمة في معنى مختلف، أو حتى في معنى متفق أو متواضع عليه في الظاهر، ولكن قصده منها معنى آخر. والمحصلة هنا ليست الغموض وإنما المعنى المزدوج أو اللامتوقع. ويكفي أن نذهب إلى المحسوس، ونتوقع مثلا من صورة «العلبة الفارغة» أن ننتقل إلى «علبة مملوءة»؛ فيما الواقعي هو المقصود: الطفل جامع القمامة. وهو اسم بلا مسمى أو اسم موضوع على جوهر أو عرض. ولولا النعت «طفل عراقي» لما أمكن تعيينه أو تمييزه، خاصة أن مسماه لا هو بالمعلوم ولا هو بالمعين. ومن المفيد في السياق الذي نحن به أن نحكم التمييز بين إشارة إرادية تواصلية «مشفرة» وأخرى غير إرادية، أي تعبيرية تتعلق بالمشاعر والانفعالات التي تثيرها الأشياء/ الكلمات في النفس. وهذه قد تند عن تعريف قرينتها. ولكننا نعرف أن شيئا ما ليس إشارة إلا لكونه مؤولا من حيث هو إشارة لشيء ما بوساطة مؤول. ومثل هذه القصيدة وأخواتها عند فيصل جاسم تعزز إرادة التأويل عند القارئ، من حيث هي سلطة أو ملَكة يمكن أن تغير من مواقعها؛ فلا تظل الرسالة متوقفة على توصيل المرسل، وإنما هي تتوسع عند القارئ الذي يمكن أن يكون مؤديها ولسان حالها. وقد تسألني: إذن ما هو المعنى الشاغر أو المعنى المزدوج في هذه القصيدة؟ وجوابي ـ وإن كان يقتضي بسطة في القول لا يتسع لها هذا الحيز ـ هو السعادة يأسا أو أن اليأس من كل شيء هو مفتاح الرجاء في كل شيء.
على أن ما يعنيني في تجربة الشاعر هو احتجاب الشكل الشعري في وظيفته. ويعرف جميعنا أن ما يستثيرنا في الأشياء هو معناها أو دلالتها. والأشياء التي نعرفها تمثل عادة أمامنا، وقد رسخ في أذهاننا تفسيرها أو كل ما أضفي عليها من معان أو بعضه؛ أي ما يمكن أن نسميه «روح الأشـــياء» حـــيث لا نراهـــا مــــادة غُفلا، بل قد نفزع من ماديتها لو كنا لا نرى ما تخفيه. وأقدر أن هذا هو فضاء فيصل جاسم الشعري حيث الشكل هو المعنى نفسه. ومثاله قصيدته «سماء ثانية لبرج بابل»:
«كلما حاصرني برج بابل، أيقنت أني – لا محالة – منهدم تحت طينه…
وبرج بابل طينة جبلت من حرائقها لغتي
يخرج الميتون إلى برج بابل، يستنطقون حجارته التي أخرسها الزمن الثقيل
وليس غير هذا الصدى، هنا أو هناك، في الأفق الممتد من سرة البرج إلى رأسه
ميتون إذن كلنا
وليس لنا سوى عشبة قشة في المهب العصي على الريح
وليس لنا أن نكون جميعا سوى الأفعوان
يمتد من آدم الميت الحي حتى يدي»
فالشكل في هذا النص القوي هو المعنى نفسه أو لنقل هو «معنى الشكل» حيث تتيح لنا القصيدة أن نلمح الاتساق في «بابل الفوضى»، والأبد من ثنايا الزمن، وأن ننتقل من المنطوق إلى المكتوب «من آدم…حتى يدي». وفي هذا تتجلى قدرة الشاعر أو مهارته في جعل المرئي (البرج) مرئيا من الداخل. والأمر هنا أشبه بالشجرة التي لا نرى منها سوى الظاهر أي الجذع والأغصان والأوراق والثمار، ولا نرى الجذور المختفية غير المرئية. والقارئ العادي لا يرى سوى المضمون أو الوجه الظاهر، وليس المعنى المختفي في طيات النص وثناياه. وهو لا يدرك أن الجمال يمكن أن يكون غاية لا غاية لها، وأن غياب المعنى المنطقي لا يعني ضرورة غياب المعنى اللاعقلاني الذي يكون مداره على حال من أحوال النفس وانفعالاتها. ومن هذا الجانب أقدر أن مزية هذه النصوص إنما مردها إلى العلاقة المعقودة بين جمالية القصيدة واستبصارها عند شاعر يعرف كيف يشذب نصه ويكثف لغته، حتى يستوي على الهيئة التي شاء وأراد، بما يمنحنا نحن القراء احتمالات وإمكانات، لا حقائق ومسلمات. لأقل هي قصيدة الحرية التي تتحرر من ربقة النفعية، بل هي تهبنا حرية التداعي، وقادحها الشكل الذي يتمثل دلالة من غير أن يتمثل معنى بالضرورة كما في قصيدته «ميراث»:

لم يجد الأبناء لديّ سوى قافلة من كلمات بيضاء
وأساطير وحناء
لم يجد الأبناء لديّ سوى قمم تتصدع في صحراء
كنت أحاول أن أورثهم شيئا مما ينتفعون به، رغدا،
لكني لم أورثهم غير قصاصات من ورق
وقصائد جوفاء
وغثاء
ألأني كنت على خطل
أم أن الوهم تلبسني
وتوزع بين القلب وبين العقل
وسورني بشراشف بالية وبكاء

٭ كاتب من تونس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية