لماذا ترتفع نسبة الجريمة لدى فلسطينيي الداخل وتنخفض لدى أشقائهم في الضفة الغربية؟

 وديع عواودة
حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: لماذا ترتفع نسبة الجريمة لدى الفلسطينيين داخل أراضي 48 وتنخفض لدى أشقائهم في الضفة الغربية المحتلة في السنوات الأخيرة ؟
يطرح هذا السؤال من أجل البحث عن العوامل الحقيقية خلف استفحال الجريمة لدى فلسطينيي الداخل الذين أضربوا أمس احتجاجا على ذلك، لا سيما أن الفلسطينيين على طرفي الخط الأخضر ينتمون لشعب واحد بعاداته وأطباعه ومنظومة قيمه ومعتقداته.
وننوه هنا لاستثناء غزة لعدم توفر معطيات رسمية حتى الآن في القطاع. ويوضح الناطق باسم الشرطة الفلسطينية العقيد لؤي رزيقات لـ «القدس العربي»  أن الجريمة الكبرى في فلسطين (جريمة القتل) في الضفة الغربية المحتلة عام 2018 شهدت انخفاضا واضحا بنسبة 29% مقارنة مع 2017. وطبقا لمعلومات الشرطة الفلسطينية شهد العام الماضي 25 جريمة قتل وفي2017 وقعت 34 جريمة وفي 2016 وقعت 38  جريمة وفي 2015 وقعت 54 جريمة.

ثقافة القانون

ويعتبر العقيد رزيقات أن المعطيات الرسمية التي في حوزته مؤشر على نمو ثقافة القانون والوعي لدى أفراد المجتمع الفلسطيني بالتوجه للقضاء وأجهزة الأمن لحل الخلافات.
وأضاف ان الشرطة الفلسطينية سجلت وقوع 24 جريمة قتل في مختلف المحافظات في عام 2018 ، بينما وصلت في عام 2017 الى 34 جريمة، وكانت جنين أعلى المحافظات تسجيلا لها وبلغت نسبتها 25% ، تلتها محافظة الخليل بنسبة 21% ، بينما كانت أريحا وطوباس وسلفيت خالية من هذه الجرائم. وأوضح ان نسبة الذكور بين المواطنين الذين تعرضوا للقتل بلغت 88% ( 22 ذكرا ) ونسبة الإناث 12% (3 حالات قتل بحق النساء).
وحول الدوافع يقول إن المتابعات الشرطية والإجراءات المتخذة والتحقيقات تظهر ان أسباب القتل مختلفة عن بعضها، وإن لكل جريمة مفرداتها الخاصة وظروفها وملابساتها المنفردة، لافتا لعدم وجود ارتباط بين هذه الجرائم وبالتالي عدم وجود جريمة منظمة في المجتمع الفلسطيني.
ومن أبرز هذه الدوافع التي توصلت اليها الشرطة الفلسطينية الخلافات بأنواعها، كخلاف على حدود قطعة أرض او خلاف بين أطفال او خلافات مالية. وهذه الدوافع كانت الأعلى بين أسبابها وبلغت نسبتها 29%، وبعدها جاءت الشجارات والقتل الخطأ بنسبة 21% لكل منهما وبدافع ما يسمى الشرف 12%،  بينما جاء دافع السرقة كأقل دافع بنسبة 4%، موضحا أيضا أن عدة أدوات استخدمت في جرائم القتل من أبرزها السلاح الناري بنسبة 62 % والأداة الحادة بنسبة 21% . منوها أن نسبة القتل الأعلى كانت بين الفئة العمرية من 27-35 عاما (29 %) وأقلها الفئة العمرية من 45 فما فوق (12%).
وعن أسباب الانخفاض في هذه الجرائم داخل الضفة الغربية، يعتقد العقيد رزيقات بدور الوعي الثقافي والقانوني الذي بدأ ينتشر بين أفراد المجتمع والجهد التوعوي الذي قامت به الشرطة والأجهزة الأمنية ومؤسسات فلسطينية أخرى في الفترة الأخيرة. كما يشير الى دور سرعة الاستجابة من قبل الأمن لنداءات المواطنين خاصة بسرعة الوصول الى مكان نشوب الخلافات والسيطرة عليها وتسيير الدوريات الليلية والنهارية، فهذه عوامل أساسية ساهمت في خفض نسبة جريمة القتل في المجتمع الفلسطيني. كذلك يشير لأهمية التواصل مع المواطنين وتلمس همومهم والعمل على حلها والتعلم والاستكمال في العمل المجتمعي لدى أفراد وضباط الشرطة الفلسطينية وفقا لتعليمات اللواء حازم عطا لله مدير عام الشرطة.
كما يشير رزيقات لانخفاض عدد جرائم ما يعرف بـ «شرف العائلة». ويوضح أن المؤسستين القضائية والأمنية الفلسطينية لا تعترفان بهذا المسمى (شرف العائلة)، معتبرا أن ذلك يساهم في زيادة الردع ويقلل من قتل النساء. ويضيف «هذا يضاف لتعاظم دور المرأة الفلسطينية ونجاحها في مختلف نواحي الحياة، ونمو الثقافة في المجتمع خاصة لدى الشباب وظهور المؤسسات المعنية بحقوق النساء والبرامج التوعوية التي قدمتها الشرطة».
وحسب المعطيات فقد وقعت عام 2015 54 جريمة قتل، منها 9 بحق النساء من بينها 4 على خلفية ما يسمى» شرف العائلة». أما في 2016 فوقعت 8 جرائم قتل نساء من بينها اثنتان فقط على خلفية «الشرف» والباقي لأسباب أخرى كالشجارات والقتل بالخطأ، وفي 2017 وقعت 4 جرائم قتل بحق نساء، اثنتان منها على خلفية «الشرف»، أما في عام 2018 فوقعت ثلاث جرائم قتل بحق نساء، واحدة منها على خلفية «الشرف»، والاثنتان جراء خلافات عائلية.
ويضيف العقيد لؤي رزيقات ان عام 2019 جاء ليسجل في الأشهر الثمانية الأولى الماضية ارتفاعا طفيفا وسجل وقوع 23 جريمة قتل، أربع منها بحق نساء، واحدة منها على خلفية «الشرف». في المقابل يقيم داخل أراضي 48 نحو  1.3 مليون نسمة (17% من نسبة السكان في إسرائيل) أي أقل من عدد الفلسطينيين في الضفة الغربية، ومع ذلك فإن نسب جرائم القتل عالية جدا، فمنذ عام 2000 قتل 1385 فلسطينيا في شجارات وحوادث قتل متنوعة.
وحسب  معطيات مركز « أمان « المختص بمتابعة قضية العنف والجريمة قتل عام 2015 وحده 58 فلسطينيا في إسرائيل ( منهم 14 امرأة) وفي 2016 قتل 64 شخصا ( منهم  10 نساء) وفي 2017 قتل 72 شخصا (منهم 10 نساء) وفي 2018 قتل 69 شخصا(بينهم 14 امرأة)، ومنذ مطلع العام الحالي قتل في إسرائيل 70 فلسطينيا (منهم 11 أمرأة). ومنذ عام 2000 قتل 75% من ضحايا الجريمة بالرصاص، وفي  الشهر الماضي وحده ( أيلول الأسود) قتل 13 فلسطينيا في إسرائيل، ومنذ عام 2000 قتلت الشرطة الإسرائيلية 60 شخصا عربيا. ويوضح مدير مركز « أمان « المحامي رضا جبارة لـ القدس العربي» أن السنوات التي سبقت عام 2000 شهدت عددا قليلا من جرائم القتل في الشارع العربي، بلغت بالمعدل 25 شخصا في السنة. ولذا يستنتج جبارة بأن الارتفاع المفرط في جرائم القتل لدى المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل مرده قرار سياسي إسرائيلي بتشجيع انتشار السلاح وعصابات الإجرام وصرف النظر عن الجريمة، وذلك من منطلق تدميره من الداخل انتقاما منه لمشاركته في الانتفاضة الثانية من خلال ما يعرف بهبة القدس والأقصى، والتي سد فيها فلسطينيو الداخل مفارق وشوارع رئيسة، فسارعت  الشرطة الإسرائيلية للاعتداء عليهم بالرصاص الحي وقتلت 13 منهم وأصابت واعتقلت المئات.

الفراغ السلطوي

وهذا ما يؤكده الباحث في الجريمة الدكتور بادي حسيسي، موضحا أن استفحال الجريمة والعنف في الشارع العربي يعود لـ «الفراغ السلطوي» متطابقا بذلك مع القيادات السياسية والأهلية الفلسطينية في الداخل وعلى رأسها لجنة المتابعة العليا. كما يشير حسيسي لدور ما يسميها ثقافة العنف كسبب جذري أيضا. ويوضح مدير مركز « مساواة « الناشط الأهلي جعفر فرح لذلك ويتساءل بالقول لو كانت نسب الجريمة هذه في الشارع اليهودي هل كانت الشرطة الإسرائيلية ستسمح باستمرار هذا النزيف ؟ مؤكدا هو الآخر أن حكومة إسرائيل تهدف لاستمرار هذه الحالة الخطيرة التي لا يمكن الإفلات من قبضتها دون خطة حكومية حقيقية.
ويتابع « قبل سنوات قليلة قام نشأت وهو ملحم مواطن فلسطيني من قرية عارة في الداخل بعملية إطلاق رصاص في تل أبيب÷ فقامت إسرائيل الدنيا ولم تقعدها وهي تبحث عنه حتى عثرت عليه وقتلته، فلماذا هناك تستطيع الشرطة الملاحقة وهنا تقصر ؟
ويثير هذا الوضع حالة خوف وقلق كبير لدى فلسطينيي الداخل لأنه يسلبهم الشعور بالأمان، ويعتبره مراقبون كثر منهم أنه يشكل خطرا استراتيجيا عليهم يهدد روحهم المعنوية ورأسمالهم الاجتماعي مثلما يهدد العمل الجماعي والسياسة بإفراغهما من المضمون في حال استمرت الجرائم.
في المقابل يوجه الكاتب الأدبي والصحافي علاء حليحل نقدا ذاتيا بهذا المضمار، إذ نشر في حسابه أمس انتقادات حادة للقيادات العربية التي لا تبتكر وسائل نضالية فعالة وتبحث عما هو سهل ومريح كإعلان الإضراب.
وتحت عنوان «لا للإضراب» قال حليحل: «مرة أخرى تلجأ لجنة المتابعة العليا بمكوّناتها المختلفة إلى الحل الأسهل والأعتق والأكثر كسلًا في جعبتها: الإضراب. كأنّ تجار السلاح سيَنضبّون في بيوتهم وستؤنّبهم ضمائرهم إذا رأوا أولادنا يمكثون في البيوت أمام هواتفهم الذكية والفيفا 20»، كأنّ عصابات الخاوة والبلطجة ستدمع عيونها إذا استمعت إلى نداءات المتابعة وخطاباتها الملتهبة في الميادين (المتوهّمة)؛ كأنّ دوائر الدم التي تتغذى على الإجرام والمصالح الاقتصادية ومسلسلات الانتقام والثأر ستخجل من نفسها وتنضبّ في أعقاب الاعتصامات على المفارق». وتابع «قياداتنا ما زالت تمضغ بيانات وشعارات الستينيات والسبعينيات السعيدة. أنا لا أكتب ضدّ الحاجة لمبادرات مجتمعية وسياسيّة في وجه كارثة العنف والإجرام، بل أكتب ضد عقليات العجز والخمول التي تسيطر على قياداتنا ـ المتابعة على رأسها- وقلة الدراية وانعدام المبادرة». وأكثر من ذلك يرى حليحل خلافا لآخرين أن العنف ليس جديدا، فيقول «نحن نعيش في عالم صعب وغريب وجديد علينا (العنف ليس جديدًا، فنحن كنا دائما مجتمعا يتعاطى العنف، الفارق في استبدال «الدبسة والسكين» بالمسدسات والرشاشات الأوتوماتيكيّة)، وما زال قرار الإضراب ملاذنا الكسول والفوريّ والغريزيّ». متسائلا» سنُضرب ضدّ مَن غدًا؟ لماذا تستسهلون تحميل الناس أعباء أفشالكم؟ تلقون بمئات آلاف الطلاب والطالبات في بيوتهم ليصبحوا أزمة حقيقية لكلّ مَن يعمل غدًا صباحًا لكسب قوته؟».
ويضيف «تقولون إنّ الشرطة الإسرائيلية متراخية، لكنكم متراخون أنتم أيضًا. لماذا لا تتوجهون إلى عدة محطات للشرطة وتسدّون مداخلها وتضربون اعتصامًا عندها؟ لماذا لا تشوّشون نظام يومهم وعملهم بدلا من تشويش أيامنا وأعمالنا؟.. ولكي لا أفهَم خطأ وينبري المعترضون أقول فورًا: أنا لا أحمّل القيادات مسؤولية مباشرة عن استشراء العنف (مسؤوليتهم غير مباشرة وجزء من انهيارات مَبنوية جزء منها سياسية وحزبية)، بل أحمّلهم مسؤولية غباء البحث عن الحلول في أقلّ الأماكن منطقًا». وعقب كثيرون على صفحته معظمهم يرفضون هذا الموقف النقدي اللاذع.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية