الناصرة-“القدس العربي”: الشيخ الفلسطيني غسان يونس (أبو أيمن) من بلدة عارة داخل أراضي 48 يبلغ هذا العام 72 من عمره وصحته ليست في أفضل حال لكنه يواظب منذ 22 عاما على السفر للقدس والرباط في الأقصى خمس مرات في الأسبوع على الأقل وعدم العودة قبل إطعام القطط والحمام. ويوضح أبو أيمن لـ”القدس العربي” أن قصة عشقه للأقصى بدأت مبكرا حينما لم يكن متدينا بالكامل وصلاته متقطعة حتى شاهده من الجو فكانت “قصة حب” من أول نظرة. بل يقول أبو أيمن إن ذلك تم بمساعدة رجل يهودي، موضحا أنه في أيام شبابه في سبعينيات القرن الماضي تعلم السياقة لدى معلم قيادة يهودي في منطقة تل أبيب وهو بدوره اقترح عليه أن يرافقه في جولة جوية في طائرته الصغيرة. ويتابع “في 1971 جلست إلى جانب الطيار وحلقت الطائرة في سماء القدس وأدهشني منظر الحرم القدسي الشريف من الجو، فلما هبطنا تغيرت حياتي، إذ بدأت أزوره في كل فرصة حتى أدمنت على التواصل مع الأقصى يوميا خاصة بعدما اقتنيت سيارة حيث زرته سبع مرات في الأسبوع”. ويروي أبو أيمن برضا وفرح أن القدر شاء أن ينهي دورة قيادات الحافلات والعمل في شركة باصات في منطقة القدس مما مكنه من المحافظة على زيارة الأقصى يوميا ويتابع “هو الله الذي قدر لي أن أعمل سائقا لحافلة في القدس فتوثقت علاقتي بالأقصى وتواصلنا كل يوم وأعود إليه مشتاقا إذ لا أشبع منه”. ويشير أبو أيمن إلى أنه فقد في مرحلة معينة سيارته لكنه احتفظ بحبه للأقصى فصار ينتظر على حافة الطريق الحافلات اليومية (حافلات البيارق) التي تنظمها عدة جهات من الجليل والمثلث داخل أراضي 48 فيحظى منذ 22 عاما بزيارة الأقصى خمس مرات في الأسبوع كما هو الحال حتى اليوم “فكل المرشدين والسائقين يعرفونني جيدا وكل من يمر منهم من منطقة سكني يتوقف لأرافقهم للقدس وهذا فضل من الله”. لكن القصة لا تنتهي عند العبادة والتوحد داخل الأقصى فحسب، فأبو أيمن الذي يملك شركة توزيع أنابيب للغاز صاحب قلب كبير وحريص على العبادة بعد إطعام القطط والعصافير خاصة الحمام في باحات الحرم القدسي الشريف. وعن ذلك يقول الشيخ أبو عامر العمري من القدس وهو الآخر مصل مواظب في الحرم القدسي الشريف إن الشيخ غسان يونس دأب طيلة سنوات كثيرة على اقتناء الحلوى والسكاكر وتوزيعها على المصلين وألعاب يوزعها على الأطفال وما لبث أن انتقل لشراء أطعمة وحبوب لإطعام القطط والطيور. ومع ازدياد الأعباء المالية المترتبة عليه وعلى أولاده جراء حرصه على عاداته هذه يستعين أبو أيمن أحيانا ببعض المتبرعين لاقتناء الأطعمة والهدايا من دكاكين باب حفصة. وردا على سؤال يقول أبو أيمن متوددا إن العصافير والقطط باتت تعرفه جيدا، فما أن يطل من بعد حتى تبدأ تحوم من حوله ويضيف “والله هو المطعم طبعا. بالأمس سعدت جدا عندما انتهيت من تقديم الحبوب للحمام وإذ بها تطير في صف واحد تحلق من فوقي مبتهجة وكأنها تقدم الشكر”.
الشيخ يونس الذي تم إعداد فيلم قصير عن علاقته النادرة بالأقصى بعنوان “أبو هريرات الأقصى” ينهي إطعام القطط والعصافير قبيل الساعة 11 ويعود لبلدته على بعد نحو 120 كيلومترا بعدما يؤدي صلاة الظهر. أما في الشهر الفضيل فلا يبرح الشيخ أبو أيمن الحرم القدسي الشريف ويعتصم في الأقصى ويبيت في غرفة مستأجرة في المدينة هو وزوجته الثانية وعن ساعاته هناك وهو صائم يقول “لا يعلم معنى هذه السعادة إلا الله”. وينوه أن صحته لم تعد تسعفه على السفر لكن الأقصى يشحنه بطاقة لا تنضب مثلما أن روح الفكاهة داخله لا تنضب. وعن ذلك يقول “عندما اتفقنا على الخطبة مع زوجتي الثانية في أحد أيام الجمعة تحايلت على أولادي وقلت إن لي عملا في القدس لا يمكن تأجيله وطرت إلى هناك وصليت الجمعة وعدت مسرعا لخطبتي فكيف لا وقد أقسمت منذ زمن ألا أصلي الجمعة إلا في الأقصى؟” كما يكشف أن العملية تكررت عند زواجه ويقول إنه ذهب للقدس مسرعا وأدى صلاته ولما عاد وجد أن أولاده قد أتوا بالعروس وينتظرونه.