كيف تحول محرز من ورقة رابحة إلى “بابا نويل” مانشستر سيتي؟ 

حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي”: نجح الساحر الجزائري رياض محرز في إحراج الفيلسوف بيب غوارديولا ووضعه في موقف لا يُحسد عليه، بظهور محارب الصحراء بمستوى “خرافي وعالمي” بصوت رؤوف خليف، منذ حصوله على فرصته كاملة ليعبر عن نفسه كما ينبغي هذا الموسم، في الوقت الذي يمر فيه البرتغالي برناردو سيلفا بلحظات لا تُقارن بالصورة البراقة التي كان عليها الموسم الماضي، فضلاً عن غياب منافسهما الثالث على نفس المكان ليروي ساني، بعد تعرضه لأسوأ إصابة بالنسبة للاعبي كرة القدم بقطع في الرباط الصليبي في الجولة الصيفية.

رب ضارة نافعة
يقولون في الأمثال القديمة “الحياة فرص” وأيضا “مصائب قوم عند قوم فوائد”، وهذا ما رسخه قائد أبطال أمم إفريقيا، عندما أتيحت له فرصة العمر بضمان المشاركة في دقائق أكثر، على الأقل طوال فترة غياب الشاب الألماني، ورغم تأخر بيب في تحرير محرز حتى بعد إصابة ماني، كما أجلسه على الدكة في بداية الموسم أمام توتنهام وبورنموث ومباراة الهزيمة المفاجئة أمام كناري نوريتش سيتي، لكن يُحسب لنجمنا الجزائري حفاظه على هدوئه. لم يبحث عن اختلاق المشاكل أو يُظهر ولو مجرد امتعاض للاكتفاء بمشاركته في آخر 10 دقائق من كل مباراة. وقبل حوالي ثلاثة أشهر كان ينثر سحره وإبداعه في الملاعب المصرية وقاد منتخبه للفوز بثاني “كان” في تاريخه، فقط اكتفى بصنع الفارق كلما منحه غوارديولا فرصة اللعب، على عكس الصورة النمطية التي أخذت عنه في بداية الموسم، كمجرد لاعب بديل لبرناردو سيلفا ورحيم ستيرلينغ، حتى أنه في بداية موسمه الأول، لم يكن البديل الأول بالنسبة للمدرب، بل كان الخيار الثاني بعد ليروي ساني، وما عقد بدايته أكثر وأكثر، ركلة الجزاء التي أهدرها في “أنفيلد” في قمة الجولة الثامنة للبريميرليغ الموسم الماضي.

عقدة نفسية

لا يُخفى على أحد أن رياض ذاق “العلقم” مع ليستر في الموسمين التاليين لمعجزة الإيطالي كلاوديو رانييري، خصوصا الأشهر الستة الأخيرة له في “كينغ باور”، حيث وصل لأدنى مستوى له في مسيرته في أعرق ملاعب كرة قدم، ولم يحدث ذلك من قبيل الصدفة، بل نتيجة تحطيمه نفسيا ومعنويا، بإجباره على البقاء رغما عنه، في الوقت الذي سمحت فيه الإدارة بانتقال زميله الفرنسي نغولو كانتي إلى تشلسي، ليحقق طموحه في مكان أكبر من ليستر، أما محرز، فقد مر بأوقات صعبة في الموسم التالي للفوز بالبريميرليغ مع فريقه السابق، وبوجه عام، يُمكن القول بأنه قدم موسما للنسيان، بعد النسخة الاستثنائية التي أبهر العالم بها عام 2016، وهو ما جعل البعض يتهمه بنجم الموسم الواحد. نفس التهمة التي أفلت منها صلاح بأعجوبة في حملة الدفاع عن جائزة هداف الدوري، ولاحظنا ابتعاد الأضواء عن رياض، حتى بعد الظهور اللافت له في النصف الأول من موسم 2017-2018، عندما ساهم في تسجيل 16 هدفا للثعالب حتى نهاية فترة ضغط المباريات في فترة أعياد الميلاد، ليدخل بعدها في دوامة تمرده على إدارة ليستر، باختفائه عن الأنظار قرابة الأسبوعين، احتجاجا واعتراضا على رفض انتقاله إلى مانشستر سيتي قبل غلق الميركاتو الشتوي قبل الأخير، ليصاب بصدمة نفسية، كانت واضحة عليه كلما أجبر على المشاركة في مباراة مع فريقه السابق في آخر ستة أشهر في موسمه الأخير.

استجابة القدر
على عكس أغلب التقارير والتوقعات التي كانت تزعم أن غوارديولا لن يعود للتفكير في محرز مرة أخرى، ليس فقط لمبالغة إدارة ليستر في الشروط المادية، بل للصورة المأساوية التي أنهى بها ذاك الموسم، عاد الفيلسوف لطلب رياض، وهذه المرة نجحت المحاولة مقابل رسوم باهظة تخطت الـ60 مليون جنيه إسترليني، في صفقة أحاطت بها الشكوك قبل حتى أن يلمس الكرة بالقميص السماوي، لاعتقاد المتشائمين أن صاحب القدم اليسرى ليس له مكان في تشكيلة الإعصار السماوي الأساسية، في ظل الوفرة العددية الهائلة في مركزه، وما عزز هذا الاعتقاد، كما أشرنا أعلاه، بدايته غير الموفقة، سواء بكثرة جلوسه على مقاعد البدلاء، أو سوء طالعه في وضع قدمه الأولى على الطريق الصحيح، ربما كان يُعاني من ضغط المبلغ الضخم الذي دُفع فيه، وربما كان متوترا من جلوسه على الدكة، وكان بطيش منتصف العشرينات يسعى لفعل كل شيء في كرة القدم في دقائقه القليلة مع الفريق، بالكاد كان مشتتا بين معاناته لاستعادة لمسته الإبداعية التي كان عليها في موسم المعجزة مع ليستر، بعد انخفاض سقف طموحه لمدة عامين بعنوان “محلك سر” في “كينغ باور”، وبين تنفيذ تعليمات المدرب، المعروف عنه صرامته مع اللاعبين لتنفيذ أفكاره 100% داخل الملعب، واحتاج النجم الجزائري فترة لا بأس بها، للتأقلم على وضعه الجديد مع السيتي، بالوصول من الناحية العقلية للمستوى التنافسي المطلوب مع اللاعبين لحجز مكان في التشكيلة الأساسية، وكانت البداية بهدف إنعاش آمال السيتيزينز في القبض على صدارة الموسم الماضي أمام بورنموث على ملعب “فيتنس فيرست”، في مباراة كانت معقدة انتهت بهدفه الوحيد، وأعطت الفريق دفعة معنوية هائلة للاستمرار في منافسة ليفربول على أصعب وأشرس نسخة في تاريخ البريميرليغ، وتأكيدا على جديته وتحسنه كما يريد بيب، ختم الموسم بأهم هدف للفريق عندما أعلن فوز السيتي بلقب الدوري رسميا وعمليا، بهدف سينمائي في شباك برايتون في اللقاء الختامي.

حديث بألف معنى
بعث غوارديولا أكثر من رسالة بما فعله مع محرز في لحظات ما قبل الاحتفال بلقب البريميرليغ الموسم الماضي، ربما لم ترصد العدسات ما دار بين المدرب ولاعبه بالصوت، لكن لا تنس عزيزي القارئ أنه في بعض الأحيان تقول لغة الجسد وتعبيرات الوجه كل شيء، ولعل من شاهد تلك اللحظة، ما زال يتذكر كيف أصر المدرب الكتالوني على ملاحقة النجم الجزائري ليدخل معه في النقاش الودي، الذي اكتفى خلاله محرز بهز رأسه ولسان حاله يقوله بالدارجة “أينعم فهمت”، منها أخمد نيران الشائعات قبل انتشارها في موسمها السنوي في الصيف، بعد ما أثير في نهاية الموسم عن إمكانية رحيل صاحب الـ28 عاما، اعتراضا على وضعه مع “سكاي بلوز”، ومنها أيضا عزز ثقة لاعبه في نفسه، ليبقى على العهد بالعمل على تطوير نفسه بالصورة التي ختم بها الموسم، بعيدا عن الأداء الفردي واللمسة الزائدة التي كانت تعيبه كثيرا في بدايته مع الفريق، بعدها بأسابيع تعد على أصابع اليد الواحدة، ظهرت بصمة غوارديولا على محرز في عروضه مع محاربي الصحراء في بطولة الأمم الإفريقية التي نظمتها مصر، بالكاد قدم أفضل نسخة له مع منتخب بلاده طوال مسيرته الدولية، بقيادة حكيمة من مواطنه جمال بلماضي، الذي أحسن التعامل مع نجمه نفسيا وفنيا، بمنحه شارة القيادة وإعطائه كافة الصلاحيات لفعل ما يحلو له في دفاعات الخصوم، ليجني الثمار بالعودة إلى بلد المليون شهيد بأغلى وأهم كأس في تاريخ البلاد في العصر الحديث.

بابا نويل أثرياء مانشستر
حتى شهر مضى، كان الاعتقاد السائد بأن محرز مجرد لاعب بديل بالنسبة لغوارديولا، لكن هذه المرة، كان يُصنف على أنه ورقة رابحة، أفضل مما كان يقال عنه الموسم الماضي كلاعب فردي غالبا يفكر في المراوغة على حساب اللعب الجماعي، ومع الوقت، أو بالأحرى بعد الطفرة الهائلة في مردود نجمنا على أرض الملعب، بالإصرار على تقمص دور “بابا نويل” قبل أكثر من شهرين على فترة أعياد الميلاد، وتجلى ذلك في حُسن تصرفه بالكرة عندما تكون في حيازته في الثلث الأخير من الملعب، قالها بيب “في كل مرة تكون معه الكرة أشعر أنه سيصنع شيئا ما”، لم يعد ينتظر الكرة في طرف الملعب، بل أصبح جزءا من المنظومة، وبدون مبالغة، الركيزة الأهم في المنظومة، بفضل رؤيته المختلفة عن الجميع في دفاعات الخصوم، وإبداعه في تمرير الكرة في المساحات الضيقة، نفس الدور الذي كان يلعبه أسطورة السيتي دافيد سيلفا في أوج سنوات العطاء، إما بالتمريرة الحاسمة أو مفتاح الهدف، كما يفعل في الآونة الأخيرة، ببعثرة المدافعين وأخذهم إلى أقصى الجهة اليمنى، ومن ثم يمرر للسهم البلجيكي كيفن دي بروين ليرسل عرضياته المقوسة المرعبة للمدافعين.
والرائع بحق، أن رياض يبدو من مباراة لأخرى وكأنه تحرر من كل القيود والمشاكل التي عانى منها في بدايته مع الفريق، كل ما يفعله أنه وصل لمرحلة الاتفاق الذهني مع الفيلسوف بتسخير كل سحره وموهبته من أجل الفريق، وهو ما فعله مع بيرناردو سيلفا في موسمه الثاني في “الاتحاد”، هو الآخر انفجرت موهبته وظهر بصورة مغايرة تماما لما كان عليه في موسمه الأول، والآن على ما يبدو أنه يعاني من إجهاد اللعب بشكل متواصل منذ 3 سنوات، أو لديه مشكلة ما تعيقه عن تقديم النسخة التي كان عليها الموسم الماضي، ومن حُسن الحظ أن أفضل لاعب في البريميرليغ 2016 في أعظم لحظاته على الإطلاق، ليس فقط مع السيتي بل في مسيرته، بأرقامه وتأثيره على النتائج، التي وصلت لمساهمته في تسجيل 18 هدفا في آخر 18 مباراة، سجل 8 أهداف وصنع 11، وعلى مستوى الدوري المحلي ساهم في 7 أهداف في أول 7 مباريات بمعدل هدفين وصناعة خمسة، مع بصمة يستمتع بها كل من يشاهد الحلول التي يقدمها لزملائه في الثلث الأخير من الملعب، لينسف الانطباع المأخوذ عنه أنه لاعب فردي، ويتحول إلى سانتا كلوز فريقه، ولا ننسى أن ما يقدمه في كل مباراة يعزز فرصه في منافسة محمد صلاح وساديو ماني وبيير إيمريك أوباميانغ للفوز بجائزة أفضل لاعب في إفريقيا، التي سيكشف النقاب عنها في أجمل بقاع البحر الأحمر في منتجع سهل حشيش يوم 7 يناير/ كانون الثاني المقبل.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية