انطلقت أعمال الدورة الرابعة والثلاثون للمهرجان الدولي للفيلم الفرانكوفوني في بلجيكا في مدينة نامور”FIFF” في الأيام من 27 أيلول/سبتمبر إلى 4 تشرين الأول/أكتوبر 2019. وقد افتتح المهرجان بعرض الفيلم CHAMBER 212 للمخرج كريستوف هونوري وهو من أفلام الإنتاج المشترك من (فرنسا / لوكسمبورغ / بلجيكا) بحضور طاقم الفيلم. وقد شهد المهرجان لهذه الدورة مشاركات عدة دول عربية فرانكوفونية (تونس، المغرب، لبنان). وكان الحضور الأوضح والأكبر للسينما التونسية، إذ شارك في المهرجان لهذه السنة ثلاثة أفلام طويلة وفيلم قصير، بينما اشترك لبنان بفيلم قصير، والمغرب بفيلم طويل.
السمة الغالبة على الأفلام العربية المشاركة في مهرجان نامور لهذا العام كانت التركيز على قضايا ومشاكل المرأة، وتسليط الضوء على جوانب مهمة في حياة النساء في العالم العربي، إذ تم تسليط الضوء على حياة ومعاناة المرأة الكادحة من الطبقات المسحوقة، ومشاكل المرأة العزباء، ومشاكل النساء ومواجهة تحديات التنظيمات الإرهابية في تجنيد بعض الشابات من المغرب العربي.
المشاركة الملفتة والمهمة كانت لفيلم “حلم نورا” وهو من أفلام السينما المستقلة ومن الإنتاج المشترك (فرنسا/تونس/بلجيكا) وبعض الجهات الداعمة، الفيلم من إخراج هند بوجمعة، وهي مخرجة بلجيكية من أصل تونسي، سبق وان قدمت أعمالها السينمائية السابقة من أفلام قصيرة ووثائقية باللغة العربية مسلطة الضوء على قضايا وهموم المجتمع التونسي. “حلم نورا” من بطولة النجمة التونسية هند صبري يشاركها البطولة حكيم بو مسعودي ولطفي العبدلي. هو فيلم هند بوجمعة الروائي الطويل الأول الذي حاز تقييمات نقدية وجماهرية جيدة عند عرضه في مهرجانات سينمائية سابقة مثل مهرجان تورنتو في كندا ومهرجان سباستيان في اسبانيا ومهرجان الجونة في مصر، وحصل على بعض الجوائز في هذه المهرجانات.
الفيلم يحكي قصة أمراة شابة من الطبقة الكادحة لعبت الدور بقدرات مبهرة النجمة هند صبري. هذه المرأة تواجه تحديات الحياة بشجاعة وتعيل ثلاثة أطفال بينما زوجها قابع في السجن يقضي عقوبة س مدتها خمس سنوات نتيجة انغماسه في نشاطات إجرامية، بينما تكسب نورا عيشها وعيش أولادها من عملها في غسل وكوي الملابس في مستشفى حكومي، وتحلم أن ترتب حياتها وحياة أولادها عبر الارتباط برجل يحبها بعد ان تحصل على الطلاق من زوجها السجين. “الأسعد” شاب كادح شريف يقف مع “نورا” ويدعمها لتحقيق حلمهما، لكن “جمال” الزوج يخرج من السجن بعفو رئاسي قبيل حصول نورا على الطلاق، ما يضعها في موقف أليم، وخيار صعب، بين ان تترك أولادها للزوج وتتطلق وتعيش مع من تحب، وبين ان تتحمل معيشتها مع مجرم خرج من السجن ليعاود حياته الإجرامية ثانية ولكنها ستبقى مع أولادها تحت سقف الكراهية والخوف.
القسوة والعنف
الفيلم التونسي الثاني الذي عرض في المهرجان كان “عرايس الخوف” للمخرج التونسي النوري بو زيد، ومن بطولة نور حجري، وعفاف بن محمود، ومهدي حجري. يتناول الفيلم مشكلة هزت المجتمع التونسي، وهي عمل الشبكات الإرهابية على تجنيد الشباب والشابات التونسيات وزجهم في محرقة الإرهاب وساحاته المشتعلة في الشرق الأوسط. ويحكي الفيلم عبر، قصة الشابتين “زينة” و”دجو” وهما اللتان تعرفتا على شباب وسافرتا معهم إلى سوريا للقتال مع “داعش” لكنهما يكتشفان الفخ الذي وقعتا فيه عبر بيعهما إلى شبكات إرهابية ليتم اغتصابهن المتكرر فيما يعرف بـ “جهاد النكاح” بعد المرور بمعاناة التجربة المرة يستطيعان الفرار من أسر التنظيم الإرهابي والعودة إلى تونس، لتبدأ رحلة المحامية “نادية” معهما ومحاولاتها كشف الشبكات التي تعمل على تجنيد وتوريط الشباب التونسي في الأعمال الإرهابية وتقديمهم للقضاء، لكن يبقى ما تعرضت له الشابتان من القسوة والعنف فاعلا ومؤثرا على حياتهما لأنه لم يترك لهما هامشا يستطيعان العيش فيه ونسيان معاناتهما وما جرى لهما، فهما بالنتيجة يعيشان في ظل أحكام مجتمع قاس يصمهما بالعار نتيجة ما حصل.
الفيلم التونسي الطويل الثالث كان “ابن” وهو أيضا من أفلام السينما المستقلة ومن إنتاج (تونس /فرنسا /لبنان/قطر) أخرجه التونسي الشاب مهدي برصاوي وقام ببطولته الممثل الفرنسي من أصل تونسي سامي بوعجيلة في دور فارس ونجلاء بن عبد الله في دور زوجته الجميلة الشابة مريم. الفيلم يحكي قصة تدور أحداثها بعيد الثورة التونسية بأشهر قليلة مع ظهور بوادر إنفلات أمني في جنوب البلاد في مدينة تطاوين صيف 2011. عائلة سعيدة وعصرية مكونة من أب وأم وابن، تنقلب حياتهم رأساً على عقب بعد تعرّضهم لكمين مسلحين في جنوب البلاد، عواقب الحادثة ستكون بمثابة انزلاق إلى الجحيم حين تعود ذكريات الماضي لتطفو على السطح من جديد. ويسلط الفيلم الضوء على التأثيرات القادمة عبر الحدود الليبية وموضوع الإتجار بالبشر في ليبيا المجاورة واستغلال المهاجرين غير الشرعيين بعدة طرق ومنها تجارة الأعضاء. وهو مشحون بالمواقف العاطفية المتوترة وغني بالتركيز على مواقف أبطاله ومواجهتهم للأزمة.
أما في مجال الأفلام القصيرة فكان لتونس مشاركة مميزة بفيلم “اخوان” للمخرجة الشابة مريم جبور، والتي كتبت قصة الفيلم أيضا، وهو إنتاج مشترك (كندا وتونس وقطر والسويد)، وقام ببطولته قيس العياري، محمد جرايا، مولدي كريدن. الفيلم يحكي قصة حياة عائلة فلاحية في قرية تونسية نائية والتأثر الشديد الذي يظهر على رب الأسرة محمد عندما يعود ابنه الأكبر مالك إلى وطنه بعد رحلة طويلة مصطحبا معه زوجته السورية الغامضة التي ترتدي النقاب مما يثير شكوك الأب بان ابنه كان يقاتل في صفوف “داعش”.
هموم المرأة المغربية
أما المغرب فقد كانت له مشاركة مميزة مع فيلم “آدم” للمخرجة الشابة مريم توزاني التي كتبت قصة الفيلم بالاشتراك مع زوجها المخرج المغربي نبيل عيوش والذي قام بإنتاج الفيلم بالاعتماد على شركات دعم الإنتاج في (كندا وتونس وقطر والسويد) وقام ببطولته الممثلتان، البلجيكية من أصل مغربي لبنى أزبال والمغربية نسرين الراضي. الفيلم يطرح هموم المرأة المغربية من وجهة نظر نسوية بامتياز، ويسرد قصته على خلفية أحداث تدور في المدينة القديمة في الدار البيضاء، ويحكي مشكلة حمل شابة “سامية” خارج أطار الزواج والتجائها إلى أرملة شابة هي “عبلة” التي تعيش مع ابنتها حياة الكفاف إذ تعمل في صناعة المعجنات وتبيعها في دكان صغير هو زاوية من بيتها الصغير، تبحث كل منهما عن مخرج من أزمات حياتها القاسية، الأولى في وضع حملها والثانية في الخروج من دوامة الذكريات المرة بعد وفاة الزوج، ليختتم الفيلم القصة بولادة آدم الطفل الذي يرى النور لتستمر دورة القهر.
وكانت مشاركة لبنان في فيلم قصير بعنوان “امي” للمخرج الشاب وسيم جعجع، الفيلم تميز بجرأة موضوعه الذي يحكي قصة صبي تتوفى ووالدته فيلجأ للكنيسة لطلب العون واسترجاع الأم من يسوع، ليدخل هو والقرية الصغيرة التي يعيش فيها في دوامة البحث عن فهم ما نريده من الدين وما يريديه القائمون على الدين منا، الفيلم مميز ويعد بمخرج مهم في المستقبل.
ويبقى مهرجان نامور للأفلام منذ انطلاقه عام 1986 مكانا للتعدد الثقافي والحوار، ويسعى القائمون عليه لتطوير المشاركات في كل عام لتتحول أيام المهرجان إلى حدث ثقافي ينتظره الكثيرون من صناع السينما في العالم.
حصل الفيلم التونسي “ابن” للمخرج مهدي برصاوي على جائزة الجمهور لأفضل أول فيلم طويل.
بينما حصل الفيلم التونسي “عرايس الخوف” للمخرج النوري بوزيد على شهادة تقدير.
وفاز الفيلم المغربي “آدم” للمخرجة المغربية مريم الوزاني على جائزة أنيس فاردا للإخراج.