في أول تحد شعبي واسع لحكومة عادل عبد المهدي، تفجر بركان غضب العراقيين مجددا في ساحة التحرير في بغداد وعدد من المحافظات يوم الأول من تشرين الأول/اكتوبر الحالي والأيام التالية، للتعبير عن رفض استمرار تردي الخدمات والأوضاع الاقتصادية وتفشي فساد النخب السياسية، وفشل الحكومة في أداء واجباتها تجاه الشعب والبلد.
ولم يكن غريبا أو جديدا ان تواجه القوات الأمنية، مطالب المتظاهرين المشروعة في ساحة التحرير وسط بغداد ومدن أخرى، باستخدام العنف المفرط الذي أدى إلى سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى الأبرياء، بما يعكس إصرار الحكومة والنخب السياسية، على التمسك بنهجها وسياساتها وعجزها عن تنفيذ وعودها بالإصلاح، ولترسل الحكومة رسالة بانها لن تكون أقل عنفا من حكومتي نوري المالكي وحيدر العبادي في قمع المتظاهرين والتنكر لمطالبهم ومعاناتهم.
الموقف الميداني
وتشير تطورات الأحداث إلى تصاعد المواجهة بين الطرفين، فالعنف وفرض منع التجوال وحملات الاعتقالات، لم تردع التظاهرات بل تصاعدت في الأيام التالية، رغم استمرار وقوع الضحايا بين المتظاهرين ما دفع رئيس مجلس محافظة بغداد رياض العضاض لتوجيه الدعوة إلى المواطنين للتبرع بالدماء لإسعاف الجرحى في المستشفيات. حيث أعلنت مفوضية حقوق الإنسان إن ضحايا الاحتجاجات التي تعم البلاد منذ الثلاثاء، بلغت 93 قتيلًا، وذلك في آخر حصيلة تعلنها حتى ظهر السبت.
وأضافت المفوضية في بيان، أن 3978 آخرين أصيبوا بجروح، فيما بلغ عدد المعتقلين 567 شخصاً، أفرج عن 355 منهم حتى الآن، والاضرار المتنوعة 37.
وأشارت المفوضية أن هذه الأرقام تشمل الضحايا منذ بدء الاحتجاجات يوم الثلاثاء الماضي ولغاية ظهر السبت.
وكان مصدر طبي عراقي أعلن صباح السبت، أن ضحايا أعمال العنف المرافقة للاحتجاجات قد تجاوز 100 قتيل.
وقد بادر المتظاهرون الغاضبون في العاصمة العراقية إلى قطع العديد من الطرق الرئيسية ومنها طريق مطار بغداد ومطار النجف، في وقت عمد فيه آخرون إلى اقتحام مبان حكومية وحزبية في عدة محافظات واحراق بعضها، مع سقوط صواريخ مجهولة المصدر على المنطقة الخضراء.
وقد اصيبت الحياة بالشلل في العاصمة العراقية جراء فرض منع التجوال وانقطاع خدمة الإنترنت لمنع تسرب الحقائق، مع انتشار مكثف للقوات الأمنية، ما جعل بغداد وعدة مدن أشبه بساحات معركة.
مطالب المتظاهرين
وكانت بعض الجهات الداعية للتظاهر عبر شبكات التواصل الاجتماعي والإعلام، رافعة هاشتاغ “# نازل آخذ حقي” قد حددت بعض المطالب، ومنها إعلان حرب حقيقية على الفساد، ومنع تدخل الأحزاب والكتل السياسية في العمل الحكومي، وتأسيس مجلس الخدمة الاتحادي، إلغاء مزاد العملة، حصر السلاح بيد الدولة بصورة حقيقية وإلغاء عسكرة المجتمع، إعادة هيكلة وتنظيم المؤسسة التعليمة والصحية، وتعديل قانون الانتخابات ليكون قانونا عادلا، وتطبيق الفقرات المعطلة من الدستور وإلغاء جميع قوانين الامتيازات الخاصة للأحزاب.
وقد تنوعت شعارات وهتافات المتظاهرين ومنها: “نموت عشرة .. نموت مية .. قافلين على القضية” و”الشعب يريد اسقاط الأحزاب” و”وبالروح بالدم نفديك يا عراق” وغيرها من الشعارات التي تعبر عن الهم الوطني بعيدا عن الطائفية والمناطقية والحزبية.
محاولات اجهاض التظاهرات
وكان طبيعيا ان تبادر الحكومة والعديد من القوى الحاكمة، إلى تحميل المتظاهرين مسؤولية أعمال العنف لتبرير سقوط الضحايا، كما تسعى لاجهاض هذا الحراك الشعبي.
فقد انتقد رئيس الوزراء عادل عبد المهدي “المعتدين غير السلميين” الذين رفعوا شعارات يعاقب عليها القانون “وتسببوا عمدًا بسقوط ضحايا من المتظاهرين الأبرياء ومن قواتنا الأمنية” من دون أن يبين كيف يتسبب المتظاهرون العزل في سقوط ضحايا بوجود قوات مدججة بالسلاح أطلقت نيرانا تذكرنا بالمعارك ضد الإرهاب.
وحتى محاولة عبد المهدي امتصاص غضب الشعب، عبر خطاب تلفزيوني، لم تنه الاحتجاجات، لأنه ركز على الدفاع عن إنجازات حكومته وإدارته للأزمة الحالية! مطالبًا بمنحه فترة زمنية وصلاحيات إضافية لتنفيذ برنامجه، مؤكدا انه ليست لديه حلول سحرية، ومحذرا من ان ما يجري هو “تدمير الدولة”. ومع اعترافه ان “التصعيد في التظاهر بات يؤدي إلى إصابات وخسائر في الأرواح” إلا انه ادعى أن القوات الأمنية “تتقيد بالمعايير الدولية!” وأن “هناك محاولات لركوب وتسييس التظاهرات” مؤكدا أن “الخيارات الأمنية كحظر التجول لا غنى عنها”. وأعلن عبد المهدي عن تقديم مشروع إلى مجلس الوزراء يقرّ بموجبه راتبًا شهريا للعائلات التي لا تمتلك دخلاً، داعيا المتظاهرين لعدم الالتفات إلى دعاة اليأس، وسط تشكيك المواطنين بامكانية تنفيذ هذه الوعود.
وبشكل عام تميزت ردود أفعال الحكومة بالتخبط، فهي تدعو عبر وسائل الإعلام إلى التهدئة والحوار ولكنها بالوقت نفسه ترد بالعنف المفرط تجاه المتظاهرين، وتفرض إجراءات أمنية منها حظر التجوال في بغداد (لأول مرة منذ الاحتلال الامريكي عام 2003) ومدن أخرى، مع حملة اعتقالات طالت نشطاء التظاهرات. فيما تم وضع القوات الأمنية في حالة الإنذار القصوى. وبدوره، حاول رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي تهدئة التظاهرات عندما دعا منسقيها إلى الحضور للبرلمان لطرح مطالبهم، رغم انها معروفة للجميع.
وفي خضم هذه المعمعة، عبرت مصادر مطلعة عن مخاوفها من دفع بعض الأحزاب الدينية الحاكمة الموالية لإيران بميليشياتها لممارسة العنف على المتظاهرين لإسكات احتجاجاتهم، خاصة بعد تحذير إيران أن “بغداد لن تسمح باستمرار التحركات التي تضر بالشعب العراقي وتستغلها بعض القوى الخارجية”. وقد تداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، أخبارا عن تحرك قوات من أمن الحشد الشعبي إلى ساحة التحرير ومناطق أخرى وقيامها بقمع المتظاهرين. كما ان “الدولة الخفية” التي تتحكم بالعديد من القيادات العسكرية، قد تدفعها لاستفزاز المتظاهرين واستخدام العنف ضدهم لإحراج حكومة عادل عبد المهدي لتحقيق أهداف سياسية.
انتقاد قمع التظاهرات
مع ارتفاع أعداد ضحايا التظاهرات في عموم العراق، فقد ارتفعت الدعوات لحفظ دماء المتظاهرين واحترام مطالبهم المشروعة، ومنها دعوة النائب ووزير الدفاع الأسبق، خالد العبيدي إلى محاسبة الحكومة وسحب الشرعية منها على خلفية ما تعرض له المتظاهرون من قمع بالرصاص الحي وسقوط شهداء وجرحى، فيما انتقدت النائبة عن التيار الصدري ماجدة التميمي، تعامل الحكومة مع المتظاهرين وفشلها في مكافحة الفساد وحل الأزمات، مؤكدة أن “من يقول ان في العراق أزمة مالية فهو كاذب، لأن المال متوفر ولكن المشكلة في إدارة الدولة” وذلك في الوقت الذي أكدت فيه النائبة الكردية السابقة سروة عبد الواحد أن “الحكومة فشلت في أول اختبار لها وأن عليها ان تستقيل”.
إلا أن اخطر التحذيرات جاءت من النائب السابق عن صلاح الدين مشعان الجبوري الذي انتقد بشدة تعامل عبد المهدي مع المتظاهرين رغم مشروعية مطالبهم، ولكنه حذر بشدة، السنة من أي محاولة لتوريطهم بالمشاركة في التظاهرات، لأن ذلك سيوفر المبرر لـ”الميليشيات والقوى الشيعية الحاقدة على السنة” لاستباحة مناطقهم والقيام بعمليات انتقامية جديدة، فيقتلوا ويزجوا المزيد من أبنائهم في المعتقلات السرية كما فعلوا في مناسبات عدة حسب قوله.
مواقف دولية
وقد أثارت تداعيات التظاهرات وأعمال العنف فيها مخاوف العديد من الدول التي وجهت رعاياها بعدم التوجه إلى العراق في الوقت الحاضر، ومنها الولايات المتحدة وتركيا والكويت والبحرين.
وعبرت السفارة الأمريكية في بغداد عن أسفها “لاستخدام العنف” وحثّت الحكومة العراقية على “تخفيف حدة التوتر مع المتظاهرين” فيما أعربت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق جينين هينيس بلاسخارت عن “قلق بالغ” داعية السلطات إلى “ضبط النفس في التعامل مع الاحتجاجات” ومعلنة إجراء لقاءات مع الحكومة وممثلين عن المتظاهرين، كما طالبت منظمة العفو الدولية، السلطات العراقية بـ”ضبط النفس واحترام حرية التعبير عن الرأي والتجمع وعدم استخدام الأسلحة النارية والعنف المفرط”.
أما وزارة الخارجية الإيرانية، فقد أكدت “ثقتها بقدرة الحكومة العراقية على تهدئة الأوضاع في المدن العراقية، بالتعاون مع الأحزاب والشخصيات السياسية والمرجعية، والزعماء الدينيين”.
وكانت مواقع تواصل اجتماعي عراقية نشرت مقاطع فيديو لمحتجين عراقيين يرددون هتافات غاضبة ضد تدخلات طهران، ودعمها لأحزاب الفساد، حيث أحرق بعضهم إعلامها، كما رفع متظاهرو كربلاء شعارات منها “طهران برا برا.. كربلاء تبقى حرة”.
وقد أصبح من المؤكد، ان تكرار التظاهرات الشعبية التي لا تقودها الأحزاب أو التيارات الدينية بل يقودها شباب يافعون وخريجون باحثون عن العمل، وبهذا الزخم والاصرار والتحدي، يعكس مستوى الاحباط واليأس من النخبة الحاكمة، حكومة وأحزابا، والتي تسببت في تدهور أوضاع البلد وأهدرت ثرواته وأجبرت الشباب على تفجير غضبهم وسخطهم على الفشل والفساد المتحكم بأرزاق الناس، من دون وجود بارقة أمل في وعود الإصلاح. ومع انهيار جسور الثقة بين الشعب والحكومة وتصاعد أعداد القتلى والجرحى واتساع حجم الحراك الشعبي، يبدو المشهد العام مقبلا على كل الاحتمالات، وسط مخاوف جدية لدى العراقيين من حصول انفلات أمني في البلاد في حال أصرت الحكومة على تعنتها وتمسكها بالعنف المفرط تجاه المتظاهرين الذين قد يلجأ بعضهم إلى السلاح للدفاع عن أنفسهم أو الانتقام.