جولة تشيني: هل تنجح المطرقة المخملية حيث فشلت كوندي!

حجم الخط
0

د. منذر سليمان

في كتاب بوب وودوورد ما قبل الاخير بعنوان خطة الهجوم يشير الي لقاء خاص في منزل ديك تشيني بعد مرور اربعة ايام علي اجتياح بغداد جمع بالاضافة اليه وزوجته لين، كلا من وولفويتز وكينث ادلمان، ومستشاره سكوتر ليبي الذي اضطر للاستقالة قبل ان يحاكم ويدان مؤخرا في قضية الكشف عن عميلة المخابرات المركزية السيدة بلام، (كلهم جزء من قادة عصابة المحافظين الجدد) التي اشار اليها الجنرال باول عندما كان وزيرا للخارجية واصفا المجموعة التي تعمل في وزارة الدفاع منهم بالغستابو.

كان الجو احتفاليا كما ينقل وودوورد حيث تناوب افراد العصابة علي التباهي والتفاخر بما صنعت ايديهم واغدقوا المديح علي الاخ الغائب اضطرارا عن العشاء الاحتفالي وزير الدفاع رامسفيلد الذي كان عرابا في ادراة الرئيس الاسبق فورد للاستعانة بخدمات تشيني في البيت الابيض.

بالمقابل سرت نظرات الامتعاض والسخرية لدي ذكر اسم كولن باول بوصفه جنرال الدبلوماسية الامريكية المتردد في الموافقة علي شن الحرب، والذي اخضعه بالنهاية فريق الحرب للانقياد بالخديعة والمناورة، ولكنه سئم حالة الحصار والتطويق لا بل احيانا الاستخفاف به والاهانة خلال خدمته في ادارة بوش الابن الاولي، ويتذكر بمرارة كيف كان يتم سحب السجادة من تحت قدميه كلما سعي للتحرك الدبلوماسي النشط في الشرق الاوسط بعيدا عن رغبة عصابة الغستابو، تجربة افشال مهمة مبعوثه الخاص لتحريك الملف الفلسطيني الاسرائيلي الجنرال المقتدر زيني بالغة الدلالة.

لذلك تنفس الفريق اياه الصعداء عندما قرر باول التنحي عن منصبه بعد انتخاب بوش الابن لدورة ثانية، وربما تم كسر العديد من الاواني الفخارية احتفاء بإرغامه علي الرحيل.

ازاحة باول، الرجل الاكثر شعبية ومصداقية في فريق بوش الابن لدي استلامه السلطة عززت الانطباع بالنفوذ المتنامي لتشيني لدرجة ترداد الاشاعات عن كونه الرئيس الفعلي للبيت الابيض.

ورغم تعرضه لأزمات صحية متكررة، تبخرت كل الامال والامنيات بارغامه او اقناعه بالاستقاله مع دخول بوش الابن دورته الثانية، رغم الرغبة الجامحة لدي اركان الحزب الجمهوري باختيار بوش الابن فيما يمكن اعتباره المرشح الاوفر حظا لخوض معركة الرئاسة القادمة لعام 2008، تلك الانتخابات التي ستشهد لاول مرة منذ 55 عاما غيابا لخوضها من قبل الرئيس الذي لا يحق له دورة ثالثة ونائب الرئيس الذي يزهد بالترشيح.

وجاء اختيار رايس للخارجية بدلا من تحقيق رغبتها الدفينة باستلام دفة البنتاغون مكان رامسفيلد، لينعش طموحات نائب الرئيس وتزويده بالمسكنات لضبط ايقاع اضطرابات القلب التي سببت دخوله المستشفي.

فتشيني لا يأمن كثيرا من جانب رايس التي كادت تنافس السيدة الاولي علي احتكار اذني بوش الابن (وان كانت من نوع مختلف عن وشوشة المخدة). الملفت في جولة تشيني الراهنة للمنطقة هو اختياره العراق محطة اولي بدلا من المحطة الاخيرة، لا نتحدث هنا عن الاعتبارات الامنية في التكتم علي حركته وهو امر يفترض السرية في الحالتين، فلقد سبق له ان تعرض لاستقبال ناري من طالبان في افغانستان في زيارته السابقة ولم تخذله المقاومة العراقية هذه المرة حيث هزت صواريخها حصنه المنيع في المنطقة الخضراء.

وبدا السؤال المشروع لماذا يأتي تشيني اصلا؟! لا بل لماذا يتم الاعلان عن جولته قبل ان تغادر رايس شرم الشيخ حيث يتم البحث في مصير العراق اولا واخيرا؟ الا تخشي الادارة الامريكية من ارسال اشارات متضاربة حول تخبطها المعروف اصلا وحول من يحمل كلمة السر الامريكية في مصير حكومة المالكي ومصير السجال حول جدولة الانسحاب الامريكي وعدمه؟ اليس الاعلان عن جولة تشيني قبل ان تحزم حقائبها الي واشنطن هو نوع من سحب البساط من تحت اقدامها؟ لم تكن بحاجة لمـزيد من السهام التي توجه لها في الصحافة اخيرا بانها كمن يجيد الحياكة بالزيارات المكوكية الي المنطقة دون ان تترك اثرا ملموسا لخيطانها!

تبدو رايس كمن يستبدل الانجازات بالمؤتمرات والاجتماعات والصور التذكارية او كالعازفة المنفردة (وبالمناسبة هي عازفة بيانو) التي تقوم بعمليات تمرين متكررة لكي تنجح في تصوير الفيديو كليب الموسيقي وفي كل مرة تفاجأ بتخلف بعض العازفين المحليين عن الحضور او ينسي بعضهم اصطحاب الآلات، او الاسوأ يتبين انهم لا يجيدون العزف علي النوتة الامريكية المرغوبة.

والملفت ايضا ما غاب عن اهتمام الصحافيين في مؤتمرها الصحافي الذي اجرته في شرم الشيخ قبل مغادرتها بخفي حنين، دون لقاء وزير الخارجية الايراني متقي علي انفراد، او الحظوة بحديث علني مطول علي مائدة العشاء، فلقد اجرت المؤتمر الصحافي منفردة دون حضور وزير خارجية الدولة المضيفة او رئاسة المؤتمر او حتي مندوب للعراق، وبدت ملامح الامتعاض التي حرصت علي اخفائها لدي توجيه سؤال عن زيارة تشيني تجاهلته كليا.

بالطبع علقت لاحقا لدي وصولها للولايات المتحدة في اللقاءات التلفزيونية التي اجريت معها، لكن الشروحات بقيت غير مقنعة.

امتعاضها وتجاهلها للسؤال في شرم الشيخ جاءا تأكيدا علي شعورها بالاحباط والاحراج الذي تتركه جولة تشيني وتوقيتها فكانها اعلان مدو علي فشلها الدبلوماسي وعدم قدرتها علي الامساك والسيطرة في توجيه الملف العراقي في ظل صراع وتخبط مراكز القوي والتاثير المتنوعة في الادارة الامريكية، هذا التخبط الذي نتج عنه عدم قدرة الرئيس بوش وفريقه علي اختيار (سيزار CEZAR) للعراق اي قيصر يتولي ملف الحرب، فلا يجرؤ احد علي قبول العرض في اجواء المراقبة والمحاسبة الشديدة التي يمارسها الكونغرس الديمقراطي وفي ظل استمرار التدهور الامني والعسكري الميداني في العراق.

علي الارجح ان بوش الابن الذي ضاقت به السبل لامساك البوصلة في سياسته الفاشلة في العراق وصل الي القناعة او اوصله تشيني اليها بان رايس عاجزة ولا بد من توظيف نائب الرئيس لهذه المهمة الصعبة بوصفه قيصر الحرب المطلوب والمفترض، الذي لا يحتاج الي تتويج رسمي.

يبدو ان تشيني يعتقد انه قادر علي استعارة الاسلوب الناجح الذي اشتهر فيه جيمس بيكر عندما كان وزيرا للخارجية في عهد بوش الاب في الحرب الامريكية الاولي علي العراق بعد غزوه للكويت عام 1991، وهو الاسلوب الذي وصف بالمطرقة المخملية، بالطبع سيغتاظ بيكر اذا علم بهذا التشبيه لان تشيني يكاد ينفرد بدرجة خاصة من الصلف والغرور لكن بيكر لن يخفي غبطته بفشل تشيني المنتظر وعجزه.

تشيني يحمل مطرقته وربما لن تكون مخملية هذه المرة فالادارة شبه يائسة وفي سباق محموم مع الزمن ولكنها مكابرة وتحتاج لحسم الامور بما فيها حسم امر حكومة المالكي اما بالتطعيم او بالتهديم وفي الحالتين سيأتي تشيني الي الدول العربية الاخري التي سيزورها ليسوق الحل او علي الاصح يأمر بتحمل تكاليف نقل وتوضيب واستخدام المطرقة.

غريب امر ادارة بوش في تعاملها مع اصدقائها العرب فهي تحرجهم بالتجاهل والتجاوز واحيانا بالاحتقار لأطر التنسيق العربية، تمعن في استحداث محاور خاصة محدودة وحسب الطلب حتي داخل المحاور الراغبة فيها، لقد ابتدعت الرباعية العربية في سعي متسرع وغير مدروس لمجابهة ما تعتبره الخطر الايراني المشترك، ولكنها تركت دولا اخري صديقة خليجية بصورة خاصة مثل الكويت، البحرين، عمان وقطر مثلا تتساءل عن الحكمة في الاقصاء المقلق رغم خدماتها الجليلة والمستمرة.

يبقي ان نشير الي ان زوبعة تبرير تفادي متقي للقاء رايس قد هدأت نسبيا بعد المبالغة و الافراط في استغلال (فتنة) المرأه العازفة ذات الرداء الاحمر في شرم الشيخ.

لكن الناطق بلسان الخارجية الامريكية الذي حاول التعويض عن خيبة امل رايس باتهام مبطن لمتقي بانه ربما خشي المراة الاخري (اي الوزيرة كوندي) قد فاته ان لمعارك صياغة مزاج الراي العام، وادارة حملات العلاقات العامة حدودا، وعندما يتم تخطيها ترتد الي عكسها.

فرمزية (المراة ذات الرداء الاحمر) تحتمل التأويل وقد لا تفيد استعارتها السيدة رايس في المقارنة.

فهي عنوان لفيلم امريكي مشهور من بطولة الممثل ريتشارد غير والممثلة جوليا روبرتس، ادت فيه روبرتس دور بائعة الهوي.

المشهد الامريكي لا يسر فالادارة المحاصرة بالفضائح وبتدحرج رؤوس كبيرة من افراد الغستابو وتزايد الذين يهربون من مواقعهم كانهم يغادرون سفينة علي وشك الغرق فلقد وصل عدد المغادرين طوعا او قسرا اكثر من 28 من كبار المسؤولين والحبل علي الجرار، والمشهد العربي الغني بمشاعر القلق والتوجس من تطورات محملة بالمخاطر بدا يتذمر ويتبرم في وضعية المتلقي او المفعول به حين تضيق الخيارات المطروحة امامه من قبل الساعين لتوطين الوازن الامني الخارجي الي الابـد فكــأن المســرح عصي علي الفهم الا باستخدام الرموز التي تفصل بين بائعات الهوي وبائعي الاوهام.

ہ باحث ومحلل مقيم بواشنطن8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية