احمد حكمت عدوان
يرتبط الإصلاح الإداري بالمجتمع ارتباطاً وثيقاً لأنه لا يمكن إلا أن يكون انعكاسا لهذا المجتمع بكل مؤثراته وهذا ما يعرف بايكلوجية الإدارة، ويعرف الإصلاح الإداري بأنه التحول الكامل في الخطط، وتغيير جوهري في الروح والفكر وأنماط السلوك وكذلك في تنظيم وعمل العنصر البشري.
ولكن كل هذا يتطلب وجود مقومات تساعد علي هذا التغيير، والموضوع يتمحور حول الموظف بغض النظر عن المسميات، فكلٌ في موقعه يجب عليه ان يكون مقتنعا بالدور الذي يقوم به والأدوار المنوطه بالموظفين من حوله، لان أسوأ ما يكون أن تقاوم دون وجود هدف نزيه أو مرجعية تنطلق منها تستطيع أن توجهك بكل أمانة مهنية دون دخول الأغراض الشخصية والحزبية بجميع مسمياتها في توجيه البوصلة الوطنية.
وإذا كان هناك من يتطلع الي تجسيد روح التفاهم بين الموظفين والمشاركة في البناء، لا بد أن يتفحص الوضع الإداري الاجتماعي للمؤسسة، لان العلاقات المهنية والشخصية والاجتماعية بين الموظفين إذا ما بنيت علي أساس الصراعات، وتسفيه الاخر، لن يكون هنالك انجاز علي ارض الواقع تصبو الي تحقيقه هذه المؤسسة، وإذا كانت العلاقات المهنية والشخصية والتعامل بدبلوماسية بين الموظفين مبنية علي الكذب والتبسم وإخفاء الضغائن متي لاحت الفرصة للنيل من الاخر، فإننا أمام حائط ستتحطم عليه كل آمال المشاريع الإصلاحية والتنموية في هذه المؤسسة وسيستمر هذا الفلتان الإداري والذي يعتبر انعكاسا لما يدور في هذا المجتمع من فلتان امني وأخلاقي وتهديد بالسلاح والعائلية والحزبية والجغرافية، وبالرغم من أن هذا موجود في المؤسسات كي يستطيع الموظف الحصول علي ترقية لا يستحقها أحيانا، لذلك كان لا بد لي من وضع تصور لما يمكن أن يعمل به في داخل المؤسسة. إن العدل والأمان الوظيفي والمعايير المنطبقة علي الجميع دون تمييز والتخلص من المحاباة المتبعة هي أساس في إدارة المؤسسة لمن أراد إنجاحها، مع التأكيد علي أن لا تحكمنا فقط العلاقات المهنية، ولكن لا بد من تطوير العلاقات الشخصية والاجتماعية بين كافة الموظفين، ولكي يحقق الإصلاح الإداري الهدف المنشود لا بد من أن يمس مقومات الإدارة العامة وخططها ونزاهتها وإنصافها.
وحيث أن الكثيرين يتغنون بالإصلاح الإداري والتغيير تحت سقف المهنية، فدعونا نقف مع المسؤولين عن أساليب المراوغة والمراوحة في نفس الدائرة المفرغة التي ندور بها.
المحافظة علي الكرسي بالتأكيد لا تعني سحق الآخرين أو تغييبهم، وعدم تفهم مشاكل العمل التي يمر بها الموظف لا يعني بالضرورة انه ضعف في مقدرته علي العطاء، أما العلاقة بين الموظف والمؤسسة فلا تقف عند حد الحضور والانصراف… بالرغم من انه يدل علي مدي التزام الإنسان بأداء واجباته (في ظل ظروف غير التي نعيشها الآن)، بل إنها تتخطي هذه الحدود الي أن تخلق جوا من الالفة والاحترام بين كل درجات السلم الوظيفي. بالطبع من الممكن أن يُثبت المهتم بالتقدم والعطاء في عمله انه علي درجة عالية من الكفاءة في أداء واجباته ومبدع في طرح أفكاره البناءة والتي لا تهدم الغير، وتحترم الآخر، وليس بحرمان الآخر، كما علي الموظف واجبات دعونا نذكر هنا أن له حقوقا أيضاً في أن يفهم اي ترس في هذه الماكنة يمثل، وتوفير الفرصة له كي نستطيع ان نستمع الي صوت عقله ماذا يقول، ونظرا لان المسؤولين منشغلون جدا، فلماذا لم نسمع في اي مؤسسة أن هنالك أخصائيا اجتماعيا يتابع القضايا التي تأخذ من وقت المؤسسة الكثير ووقت كبار الموظفين، ويستطيع الأخصائي الاجتماعي معالجتها أو التعامل معها بشكل سليم يحتكم الي النزاهة المهنية، بالرغم من أن النزاهة أحيانا تحيد الي مفاهيم مختلفة فبين اثنين لصوص توجد نزاهة تقاسم الغنائم.
إذا ما تفحصنا مؤسسات السلطة الوطنية فإننا نجد كثيرا من التراكمات السلبية التي تسيء الي بعض المسؤولين، وبعلم منهم أو بغير علم تنطلي عليهم الفجوة التي يحاول بعض المتنفذين في هذه المؤسسة أو تلك، والمحيطين بشخص الوزير أو المسؤول أن يخلقوها، إما حبا في التسلط من قبل هؤلاء المنتفعين، أو لضعف مهني وعدم قناعتهم بأنفسهم يعكسونها علي الغير. وإذا أكدنا هنا علي أن المسؤول قد انطلي عليه بعض الضغائن من قبل الموظفين تجاه بعضهم البعض، لماذا لا نبدأ في منع (الوتوتة) اي الغيبة والنميمة ولنبدأها من رأس الهرم وتنتهي بالساعي، بمعني أن المسؤول اذا ما علم من الذين يتاجرون بدماء أبناء هذا الشعب الأحياء الأموات، أن موظفا لديه يمثل كل أنواع الفشل الإداري والمهني حسب وجهة نظر المُدعي، لا بد أن تكون ثمة رغبة لدي المسؤول في لجم هذه الأفواه، التي لا تمثل إلا حشرات متسلقه علي سلم البشرية، واخذ خطوة متقدمة من المسؤول في فهم لماذا يريد هذا الوصولي تشويه صورة زميله، ونضع لهذا الموظف الموشّي به تكليفا عمليا مهنيا فوريا، عندها إما نلجم الذي تطاول علي زميله ونُرفع المتضرر ونُرقيه، أو تأكيد المعلومة بأن هذا الموظف ضعيف ويحتاج الي تأهيل مهني وتدريب مع التأكيد علي عدم هضم حقه لان الظروف لم تساعده، ومع العلم أن هذا من الممكن أن يكون دور الأخصائي في المؤسسة بأن يرفع تقريرا توضيحيا في هذه الحالة…. وكما حثتنا الآية القرآنية، قال تعالي يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا علي ما فعلتم نادمين صدق الله العظيم.
للأسف ان قضية التقصي غير معمول بها غالبا ولا بد أن أؤكد أن المراجعة لا بد أن تبدأ من الموظف الموشّي به، بالرغم من أنها من الحلول السليمة كما نصت عليها الآية الكريمة، ولكن يتم بناء المواقف من الآخرين بناء علي معتقدات تقييمية في وقت يأخذ التقييم أبعادا مبنية علي وجهات نظر وسحق الاخر.
فإذا كنا كلنا نعيش في هم واحد اسمه احتلال، فلماذا نبيع مواقفنا الهدامة لهذا المحتل تجاه بعضنا البعض، فمن يأخذ بعين الاعتبار العلاقة الاجتماعية بين الموظفين في المؤسسة فاعتقد انه سيكون قد قطع نصف الطريق علي نفسه، ووضع قدمه علي أول درجات سلم الإصلاح الإداري، والخطوة الاخري التي تعتبر من المسلمات في المؤسسات أن يكون هنالك أخصائي اجتماعي، يستمع الي آراء أو مشاكل الموظفين بحيث تشارك المؤسسة ككل في أفراح وأتراح موظفيها ومناسباتهم، وحل مشاكلهم داخل المؤسسة، وإن كان بالاستطاعة خارجها أيضاً. بالإضافة الي إشراك الموظفين في تطوير تصوراتهم ودراستها ومناقشتها معهم وإذا ما أثبتت نجاعتها الاخذ بها في المؤسسة، وبالرغم من أننا نسمع كثيرا عن الثواب والعقاب إلا أننا لا نجد إلا العقاب في الغالب. إن فهم الثواب يرتقي الي مستوي الحوافز واخذ الدور المناسب وحل المشاكل المتراكمة وتبيان الثواب للموظف لماذا حصل عليه والعقاب لماذا استحقه، وبالتأكيد أن وراء التصرف الذي استحق به إنزال العقاب توجد خفايا تجب ملامستها من خلال الأخصائي الاجتماعي ومعالجة موطن الخلل، لأنه لا يوجد شخص يعشق العقاب.
إذاً… العدل والأمان الوظيفي بعيداً عن التلاعب بالألفاظ وقطع الوعود وامتهان الكذب وعدم التمييز بين الموظفين، يحققان لنا مؤسسة منتجة وعائلة متناسقة، ولا ندعي هنا المثالية، لان الكمال لله وحده، ولكننا نحاول أن نجد في أنفسنا ما نحتاج اليه، ونظرا لأنني لا أعيش علي كوكب المريخ، ادرك جيدا ما يدور من حولنا فلا بد أيضاً أن يكون هنالك ناد اجتماعي رياضي ثقافي لكل مؤسسة تذوب فيه الفجوة بين الموظفين. إذا كنا سنغض البصر عن كل التجاوزات السابقة في المؤسسات، فلماذا لا نبدأ بهذه الخطوات العملية العلمية التي من شأنها أن تساعدنا علي فهم بعضنا وإذابة هذا الجليد، والخروج من الصقيع الذي فطر قلوبنا وافقدنا انتماءنا…. البروج العاجية لا تدوم كثيرا، وهذه حتمية مسلم بها فلماذا لا نفكر برصيد يتواصل في تزايده كلما نظرنا في عيون الذين رفعنا عنهم الظلم وليس بترقيتهم الي مدراء عامين…. ولكن بمساواتهم بزملائهم.
ہ كاتب من فلسطين[email protected]