ليس علينا أن ننتظر عشرات السنين كي نشك بأن الشرطة قررت أن تعم فوضى السلاح والجريمة في الوسط العربي. ففي الوقت الذي يتم علاج العصابات في الشارع اليهودي بقبضة حديدية، تزدهر عصابات الجريمة في الشارع العربي وتغرق السكان العرب بالدم والدموع. أذرع الأمن التي تفتح عيونها على كل حركة عربي، حتى في غرفة النوم، ها هي تصاب بالشلل فجأة. أيعدّ قراراً وقوف الأمن في وقت يجب أن تعمل فيه؟ قرارات يرفرف فوقها علم أسود لا تكتب بشكل عام. أحياناً يتم نقلها من خلال أقوال تفوح منها رائحة التعاطف مثل “الله يرحمه”، مثلما كان في كفر قاسم، كلمة التعزية هذه كانت هي الإشارة إلى قتل 49 شخصاً من سكان المكان بدم بارد على أيدي قوات الأمن. أحياناً يتم نقل التعليمات بإشارة يد مثل التي أعطاها دافيد بن غوريون كرد على سؤال: ما العمل مع سكان اللد والرملة؟ وفي أعقابه جرى طرد سكان المدينتين.
إزاء اللامبالاة التي ترد بها الشرطة على انتشار السلاح الواسع في أوساط المواطنين العرب وعلى أعمال القتل الصادمة وفوضى إطلاق النار علناً في ميادين المدن العربية، ليس بالإمكان ألا نصل إلى استنتاج بأن شيئاً ما يثير القشعريرة يحدث في قيادة الشرطة العليا. لا أعرف إذا كان هناك قرار خطي بهذا الشأن موجود في جارور ما في غرفة مظلمة، لكن عدم فعل شيء يعدّ قراراً صارخاً. هذا قرار بصيغة “الله يرحمه” لكفر قاسم. هذه المرة بدون إطلاق نار، حتى ولو رصاصة واحدة. قرار يتكون من عنصرين: إغراق العرب بالسلاح والسماح للمجرمين بالعربدة. هذه هي “الله يرحمه” الجديدة لحكومة إسرائيل ضد سكانها. بعد ذلك يستغربون أيضاً، “أغراب يقتلون أغراباً، وفي النهاية اليهود يدفعون”، مثلما قال مناحيم بيغن بعد مذبحة صبرا وشاتيلا.
أذكّر هنا بقصة عمر أبو غريبان في عام 2008، المقيم غير القانوني من غزة، أصيب إصابة بالغة وتركته الشرطة على شارع 443، رجال الشرطة لم يضربوه، لا سمح الله، ولم يطلقوا النار عليه ولم يشتموه حتى، إنما تركوه وحده أمام خطوات الموت وهي تحث خطاها إليه.
ذلك المشهد هو ما يحدث في الآن: لا يوجد هناك مزيد من تفريق المظاهرات بالسلاح الساخن، لا توجد ضربات ولكمات أو اعتقالات. الشرطة ببساطة اتخذت قراراً بأن تتبخر، وتبقي العرب ينزفون بدون دواء. نعم، وزير الأمن الداخلي جلعاد اردان، لم يأمر بإطلاق النار على أكثر من سبعين شخصاً عربياً من مواطني الدولة الذين قتلوا منذ بداية السنة، لكنه مهد الأرضية في دهاليز الشرطة لقتلهم.
ماذا يعتبر كل ذلك إذا لم يكن عملاً ساخراً يثير القشعريرة الذي يفعله نظام قاسي القلب وعديم الضمير بمواطنيه، مواطنين وضعوا في يديه أمنهم وأمن عائلاتهم؟ العرب يقولون: “إذا وضع شخص في يديك شيئاً غالياً عليه، لا تخنه حتى لو كنت خائناً”.
في هذه الأثناء، يحتفل الجانب الفاشي في الخارطة السياسية. وزير المواصلات، بتسلئيل سموتريتش، يعرض في صفحته عبر “تويتر” فيلماً قصيراً يظهر فيه شاب عربي وهو يطلق النار في الشارع. ما هذا اللامعقول؟ بالضبط هذا الفيلم الذي أراد فيه سموتريتش أن يسيء إلى سمعة العرب، هو لائحة اتهام خطيرة ضد قيادة الشرطة والوزير اردان الذي تجري هذه المسرحية الخطيرة تحت قيادته. آخرون يحاولون أن يفسروا بأن هذه هي عقلية العرب العنيفة، لكن على بعد بضع دقائق سفر، في جنين وطولكرم ورام الله ومناطق السلطة الأخرى، تقل بكثير عدد حالات الجريمة. يبدو أن من يهمه ما يحدث لمواطنيه، لديه كل الدافعية كي يحسن التعامل معهم. الإسرائيليون الذين يكرهون العرب يجلسون على رأس الهرم، فكيف سيدافعون عن الناس الذين يكرهونهم؟ وكيف إذا كانوا يتحركون بجموعهم، يزورون الانتخابات ويسرقونها ومتهمون دائماً كقتلة أولاد يهود في طور الإمكان؟
عندما نولي القط حراسة العصفور، لا تندهشوا من افتراس العصفور.
بقلم: عودة بشارات
هآرتس 7/10/2019