في جعبة إعلام النظام السوري تمثيلية واحدة من أجل ذكرى حرب تشرين 1973، اسمها “عواء الذئب”، وقد عرضت على مرّ السنين، بالأبيض والأسود، حتى باتت من المحفوظات، وخصوصاً تلك العبارة الختامية التي يعرفها كبار السوريين وصغارهم: “ألف حبل مشنقة، ولا يقولوا بو عمر خاين يا خديجة”.
أبو عمر (الممثل الراحل صلاح قصاص) هو مهرّب في مناطق حدودية مطلوب للسلطات، وهارب لذلك إلى كهوف الجبال. يعثر على طيار إسرائيلي مختبئ بعد أن أسقطت طائرته أثناء حرب تشرين الأول/أكتوبر. أبو عمر (ويبدو أن قصته مأخوذة من حدث واقعي في منطقة الزبداني) لا يتردد في حسم الصراع المفترض بين وطنيته ومصلحته الشخصية التي تقتضي النجاة بنفسه والتخلي عن الواجب الوطني. هكذا يختار أبو عمر وطنه حتى لو كان حبل المشنقة في انتظاره.
لا يمكن لأحد أن يستسيغ أو يسوّغ اللجوء إلى الأعداء التاريخيين، ولكن ليسأل الممانعون أنفسهم ماذا فعلوا بأبو عمر كي يجد في العدو الإسرائيلي ملاذاً أرحم؟ أليست هذه أولاً إدانة للنظام المتوحش؟!
عرض الفيلم التلفزيوني مجدداً في ذكرى الحرب، لكن هذه المرة مترافقاً مع ظروف مختلفة كلياً عمّا كانت عليه الأمور قبيل العام 2011 . فهناك بالفعل عشرات الجرحى السوريين في مناطق حدودية لجأوا إلى إسرائيل للعلاج، وسبق أن ظهروا في تقارير تلفزيونية من قلب مستشفيات إسرائيلية. وبالطبع لا يمكن لأحد أن يستسيغ أو يسوّغ اللجوء إلى الأعداء التاريخيين، ولكن ليسأل الممانعون أنفسهم ماذا فعلوا بأبو عمر كي يجد في العدو الإسرائيلي ملاذاً أرحم؟ أليست هذه أولاً إدانة للنظام المتوحش؟!
كذلك يمكن أن تضاف حكاية أخرى إلى حكاية الجرحى، عندما أفرجت إسرائيل عمّا اعتبره إعلام النظام أسيراً محرراً، مع العلم أن الرجل لم يكن سوى مهرب شهير من القرى الحدودية مطلوب في قضايا عديدة، ونقل عنه حينذاك أنه لا يريد أن يسلّم لسلطات النظام.
كذلك لا بدّ من سؤال، إذا كان هذا هو إيمان النظام الممانع وإعلامه بالمواطن السوري، كرجل طيب يفضل مشنقة النظام على سواه، فكيف طاوعه قلبه على مسح مدنه وقراه وتهجير سكانه، بل وفوق ذلك عدم السماح لهم بالعودة إليها مجدداً! أم أنه بات ينظر لأبو عمر على أنه مجرد “خاين يا خديجة”!
هجائية الدريس السعودي
اعتدنا في السنوات الأخيرة على خطاب إعلامي سعودي بغيض، غالباً ما يأتي مدعماً بقوات الذباب الإلكتروني، فبعد موجة من الشتائم والاتهامات طالت الفلسطينيين، نشهد الآن هجوماً موجهاً إلى خطيبة جمال خاشقجي التركية خديجة جنكيز، من دون أن نغفل عن أنها تستهدَف بالنيابة عن كل من يثابر بالمطالبة بإحقاق الحق في قضية الصحافي السعودي الراحل.
هجائية الدريس ليست مجرد زلة، بل كلام موجّه كسائر الحملات التي تصدر عن إعلام المملكة. وهي تؤكد أن بعض إعلاميي ذلك البلد لم يخرجوا من عقلية “زعران الشوارع”، الذين أول ما يخطر لهم الطعن والانتقام من المرأة بجمالها وشرفها.
يطالعنا مذيع برنامج “الأسبوع في ساعة” على قناة “خليجية” إدريس الدريس بهجائية قبيحة لجنكيز تبدأ من وصفها بـ “ملكة الأحضان”، ثم اتهامها بالتكسّب من وراء قضية خاشجقي، لتصل إلى السخرية من خاشقجي نفسه “جمال لم يكن في أحسن حالاته البصرية حين اختار خديجة، فالرجال ينجذبون للمرأة الجميلة أولاً وثانياً وعاشراً، ثم إذا وقعوا في الشراك بحثوا في بقية التفاصيل”. (على الأقل يبدو حديث الدريس هنا نوعاً من التنكيل بالحديث النبوي: تنكح المرأة لأربع..).
يتابع المذيع الهجوم ليهجو كل النساء الناشطات في مجال حقوق الإنسان، عندما يقول: “هناك سيدات يعتبرن نساء في بطاقة الهوية، لكن الفرص تمنح لهن لتحقيق النجومية عبر تقمص وادعاء الأدوار الحقوقية والدفاع عنها، نوال السعداوي، توكل كرمان، والقائمة تطول”.
المذيع السعودي يتوصل إلى اكتشاف “جفاف عاطفي” عند خطيبة جنكيز “دفع بكل من يلاقيها لاحتضانها لتعويضها”! ثم يختم: “نامي وقري عيناً في حضن رئيس تحرير “واشنطن بوست”، وأحضان كل رجل تلتقينه، واعلمي أن خاشقجي قد أنجاه الله منك”.
هجائية الدريس اقتُطعت من الحلقة في فيديو خاص، روّجته القناة نفسها على صفحاتها، ما يؤكد أنها ليست مجرد زلة، بل كلام موجه كسائر الحملات التي تصدر عن إعلام المملكة. وهي تؤكد أن بعض إعلاميي ذلك البلد لم يخرجوا من عقلية “زعران الشوارع”، الذين أول ما يخطر لهم الطعن والانتقام من المرأة بجمالها وشرفها.
لا ندري إن كانت نساء المملكة، ناشطات أو غير ناشطات، ومن بينهن كثيرات يظهرن في برنامجه، يوافقن الدريس على هجائيته. هل تجرؤ إحداهن على التحدث بعد الآن عن الحقوق، أم أنها ستخشى المعادلة إياها: أن تتحدث المرأة في الحقوق فلعلّة في جمالها!

لغةٌ إذا وقعتْ
في خطاب رئيس الحكومة العراقي، الموجّه إلى المتظاهرين العراقيين كومة من الأخطاء اللغوية، إذ لم يترك الرجل جملة واحدة تمرّ من دون خطأ، إلى حد يدفع للتساؤل بأي لغة قرأ الرجل، هو المنتمي لأحزاب إسلامية، آيات القرآن، وكيف فسّرها، ووفق أي تفسير أمضى كل هذه السنين.
لكن ليست أخطاء القراءة بالضبط هي ما يشغل بال المرء، ولا توقّع معجزة تستجيب لآمال المتظاهرين، بل كلمة مرّت، فبدت ناتئة على السياق، عندما قال “صوّتم على الدستور بأصابعكم البنفسجية”! ما سرّ فتنة عبدالمهدي باللون البنفسجي، وما الداعي لذكره هنا، كما لو أنه يقرأ قصة للأطفال، أو أنه أراد أن يبث النص/الخطاب أحزانه الشخصية.
ربما ضحك البعض من مفارقة أن يطالب امرؤ قليل “الكفاءة” لغوياً بأن يكون الأكفياء في مكانهم الصحيح، على طريقة تلك العبارة التي تعود إلى زمن الحرب في لبنان والتي تقول “العلم نورن”، ولكن من أحوج من ضحايا الحرب لتلمّس الحاجة العظيمة للعلم، وللكفاءات في مكانها الصحيح؟
– أثناء الانتخابات يشار عادة إلى البنفسجي، لون الحبر الذي يغطّ المصوّتون أصابعهم به، فتستطيع أن تكتشف كثافة التصويت بمجرد أن يرفع الناس أصابعهم للتشهد أثناء الصلاة، أما هنا فليس مفهوماً بالمرة لماذا يتحدث عبدالمهدي عن البنفسجي، وأي قيمة يضيفها اللون للخطاب الذي كانت فحواه الرئيسة حظر التجول!
– من بين اللافتات التي رفعها متظاهرو العراق أخيراً واحدة مكتوبة بحبر أزرق، على كرتونة قُصّت على عجل، من دون تذويق يذكر، حملت الكلمات “العراق مال أبوكم”، وفي أسفلها هاشتاغ، أنقله هنا كما ورد “#انقذوا_الكفاءاة”، وهم يقصدون بالطبع “الكفاءات”. لكن الخطأ، بالإضافة إلى اللافتة الفقيرة، جعل الشبان أقرب إلينا، كأناس يحتاجون فعلاً إلى الكفاءات، إنهم يعبّرون فعلاً عما ينقصهم.
ربما ضحك البعض من مفارقة أن يطالب امرؤ قليل “الكفاءة” لغوياً بأن يكون الأكفياء في مكانهم الصحيح، على طريقة تلك العبارة التي تعود إلى زمن الحرب في لبنان والتي تقول “العلم نورن”، ولكن من أحوج من ضحايا الحرب لتلمّس الحاجة العظيمة للعلم، وللكفاءات في مكانها الصحيح؟
– في التقديم لتقرير لـ “تلفزيون سوريا” عن تدهور الليرة اللبنانية نصبت المذيعة كلمة أعمال، في الجار والمجرور “في أعمال” كما لو أنها ممنوعة من الصرف، وهي ليست كذلك بالطبع.
– وفي “تلفزيون سوريا” أيضاً يقرأ مذيع تقريراً يتقصى حكاية طفل سوري منتحر في ولاية كوجالي التركية فيقول “يومُ الحادثة كنت في الجامع..”، والصحيح “يومَ”.
كاتب فلسطيني سوري